Friday 15th October, 1999 G No. 9878جريدة الجزيرة الجمعة 6 ,رجب 1420 العدد 9878


من وحي المنبر
عدم الاغترار بزينة الحياة
الشيخ الدكتور/صالح بن عبد الرحمن الأطرم *

الحمد لله جعل الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، واشهد ان لا اله الا الله حذرنا ان نغتر بالدنيا ومفاتنها وانها سوق قام ثم انفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر، واشهد ان محمداً عبده ورسوله لم تفتنه الدنيا بزخارفها وزينتها، ولم يستجب الى ندائها وتغريرها بل اخذ منها بقدر ما اراد الله له ان يأخذ، وعمل لآخرته اكثر مما عمل لدنياه وخاطبه ربه قائلاً: (وللآخرة خيرٌ لك من الأولى) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله واصحابه الذين اداروا ظهورهم لمفاتن الحياة ولهوها وزينتها وتفاخرها (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه).
أما بعد:
فيا ايها المسلمون,, اتقوا الله فإن خير ما يتزود به المرء التقوى، ومن العمل بما يحب الرب ويرضى، فإن هذا امر الله لأولي النهى (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولى الالباب).
ويجعل الله لهذه التقوى ثمرة ونتيجة دنيا واخرى يجعل الله لأهلها فرقانا، ويستر ذنوبهم وعيوبهم، وعوراتهم، ويؤمن روعاتهم، يغفر الله لهم الذنوب يمحو عنهم الآثام ويمنحهم الخيرات العظام (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم) ومتى اتقى العبد ربه جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاء عافية ومن كل اختبار نجاحا وفوزا وفلاحا, ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فالعبد فقير الى ربه محتاج اليه، والى مده بالعون من عنده في امر دينه ودنياه (رب إني لما انزلت الى من خير فقير) (وقل رب زدني علما) ولكن ما يمنح الله عبيده مما هو محبوب في النفوس مرغوب فيه من مال وبنين وانهار وبساتين ومنازل طيبة للساكنين، هي ابتلاء وامتحان وفتنة واختبار، ايشكر عبده ام يكفر؟ (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) وفيه تمحيص لاتجاه العبد ايغتر بهذا النعيم الزائل الفاني فيرغب فيه ويركن اليه عن النعيم الثابت الباقي (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير املا) فالمال والبنون مزينة للنفوس، ومحسنة في الجبلة وهواية لكل ميول الا ما شاء الله, فهذه الآية الكريمة تقرر ان القيم ليست في الحقيقة هي المال وليست هي الجاه وليست هي السلطان وليست هي اللذات والمتع في هذه الحياة الدنيا اذا هي غير باقية ولا محالة زائلة,, الا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل,, والإسلام لايمنع الطيبات اكلا واستعمالا وزينة وجمالا (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين امنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ولكنه لا يجعل منها غاية لحياة الانسان ومحط انظاره وموقع آماله ومنتهى مرامه فمن شاء ان يتمتع بها فليتمتع ولكن ليذكر الله الذي انعم عليه بها، وليشكره على النعمة بالعمل الصالح، فالباقيات الصالحات خير وابقى، ايها المسلمون: كثير ما نرى المال على اصحابه وبالا يجر لهم الويلات، ويكون عليهم خبالا، وعن آخرتهم ملهيا وشاغلا فهم له راغبون، وبه يفتخرون ولآخرتهم كارهون، والعبد لا يخلو من محبة احدى الدارين دار الدنيا ودار الآخرة فهو يعمر احبها اليه، قيل لبعض العلماء ما لنا نكره الآخرة والسلف الصالح يحبون الاقدام عليها فقال - رحمه الله - لأنهم عمروها، ومن عمر شيئاً احب الاقدام اليه، وانتم عمرتم الدنيا قصرتم فاحببتم البقاء فيما عمرتم، وكرهتم الاقدام على ما قصرتم، فالدنيا سريعة الانقضاء والانقراض، مشرفة على الزوال والبوار وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض والمال والبنون من زينتها، وما كان كذلك فإنه يقبح بالعاقل ان يفتخر به، وان يفرح بسببه، او ان يقيم له في نظره وزنا، او يجعله اكبر همه وغاية امله، فإن هذا من شأن المشركين والكفار والمنافقين وضعفاء الايمان، فهم الذين يفتخرون بمظاهر الدنيا وزخرفها على الفقراء، وعلى اهل الإيمان والتقوى الذين جعلوا همتهم فيما يبقى، وقنعوا بكفايتهم مما يفنى، وما درى المغترون بالدنيا ان كل ذلك متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين، ولغفلتهم عن الآخرة صوبوا انظارهم الى المظاهر الدنيوية وركزوا علميتهم عليها لأنها غاية املهم وقصارى مرامهم، قال تعالى: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون).
ايها المسلمون,,, حذار ان نغتر بالمظاهر الزائفة البراقة الخداعة، كما اغتر بها من جهلوا قدر الله، وظنوا انهم لا يعذبون على ذلك حتى قالوا: (وقالوا نحن اكثر اموالا واولادا وما نحن بمعذبين * قل ان ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن اكثر الناس لا يعلمون * وما اموالكم ولا اولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى الا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) وقال تعالى: (انما اموالكم واولادكم فتنة والله عنده اجر عظيم) اي الاقبال عليه والتفرغ لعبادته ولهذا قال: (الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير املا) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف (والباقيات الصالحات) الصلوات الخمس، وقال عطاء بن رباح وسعيد بن جبير وعن ابن عباس عن الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر، ولا مانع من عموم الآية لجميع ما ذكر قال الله تعالى: (زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب) قال ابن كثير على هذه الآية: يخبر الله تعالى انه زين للناس في هذه الحياة من انواع الملاذ من النساء لأن الفتنة اشد بهن، ذكر ذلك في الصحيح انه صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت بعدي فتنة اضر على الرجال من النساء) فأما اذا القصد بهن الاعفاف وكثرة الاولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب اليه، كما وردت في الاحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، وان خير هذه الامة من كان اكثرها نساء وقوله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ان نظر اليها سرته وان امرها اطاعته، وان غاب عنها حفظته في نفسها وماله) وقوله في الحديث الآخر: (حبب اليّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) وقالت عائشة - رضي الله عنها - (لم يكن احب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء الا الخيل) وفي رواية: (من الخيل الا النساء) وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير امة محمد صلى الله عليه وسلم، ممن يعبد الله وحده لا شريك له فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الامم يوم القيامة) وحب المال كذلك تارة للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربى وصلة الارحام والقربات ووجوه البر والطاعات فهذا ممدوح محمود شرعاً, فاتقوا الله عباد الله واياكم والاغترار بزينة الحياة الدنيا وما عند الله خير وابقى للذين آمنوا,, اعوذ بالله من الشيطان الرجيم (انما مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى اذا اخذت الارض زخرفها وازينت وظن اهلها انهم قادرون عليها اتاها امرنا ليلاً او نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون), بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني واياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب, فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم.
*عضو هيئة كبار العلماء

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved