Thursday 21st October, 1999 G No. 9884جريدة الجزيرة الخميس 12 ,رجب 1420 العدد 9884


هل تعرف نقاط ضعفك؟

كثيراً ما نشتكي ونتظلم نحن كبشر من إساءة الآخرين لنا وهضمهم لحقوقنا وجور الزمن علينا، ونلقي باللائمة والخطأ على الآخرين ونتجاهل أن لنا دوراً ولوبسيطاً فيما نحن فيه أو ما اصابنا! ذلك أننا ننظر لمعظم الامور الحياتية - إن لم يكن كلها - من زاوية ضيقة، ولا نحاول ان نكون صريحين مع أنفسنا ولو لبعض الشيء أو لبعض الوقت، وان كانت هناك فئات مستثناه بالطبع لا ينطبق عليها ما نقول لانها فئة لا حول لها ولا قوة، وليس بيدها من الأمر شيء!
ولكن، ومع ذلك، فإن هذا لا يعفينا من أن ننظر للحياة من زاوية اخرى وبعيون الآخرين - إن جاز التعبير - نعم هذا لا يعفينا من ان نتوقف قليلا لنرى هل المشاهدة من زوايا أخرى تستحق التأمل والتفكير وإعادة النظر؟!
إن الكثير من أبسط حقوقنا الشخصية والانسانية الضائعة والتي تُسلب منا على مرأى من اعيننا ومن قبل الآخرين، إنما تُسلب منا لمعرفة الآخرين نقاط ضعفنا وجوانب قصورنا وكيفية دخولهم إلينا منها، واستغلالهم لجوانب الضعف تلك وتجييرها لصالحهم دون ان نتفوه ببنت شفة لاننا باختصار شديد ضعفاء مغلوبين على أمرنا!
ولا أقصد بتلك الحقوق المادية المحسوسة فحسب,, وان كانت مهمة ايضا - ولكنني أقصد بها تلك الحقوق الانسانية والتي هي حق اي انسان يعيش على وجه الارض، ولعل أولها حقك انت كانسان في التعبير عن رأيك، حقك في الإدلاء بدلوك وحقك في الاعتراض على كل ما لا يتوافق مع ميولك واهتماماتك وطبيعة تكوين شخصيتك واسلوب حياتك الذي تربيت عليه وحقك في ان تختار ما تريد لا ما يفرضه عليك الآخرون!
نعم حقك في كل هذا وغيره وليس في تجاهلك وتهميش دورك واعتبارك مجرد نكرة او تابع او مجرد صورة معلقة على جدار المنزل او موضوعة في احدى زواياه ينظر إليها كل من دخل للمنزل، هذا إن رآها اصلا او التفت إليها! وأعارها اي اهتمام!
من المهم لكل منا ان يعرف نقاط ضعفه ويسعى الى تلمسها بنفسه ولا ينتظر من يكتشفها له بعد فوات الأوان، ذلك ان معرفة تلك الجوانب او جزء منها على الاقل مبكراً يساعدنا بإذن الله على ان نكتشف انفسنا ونستمتع بأبسط حقوقنا قبل ان تصادر منا وتحرم علينا ويستمتع بها غيرنا في الوقت الذي نحن فيه احق بها وأحوج إليها!
إن نقاط الضعف تلك كثيرة وتختلف من شخص لآخر وربما اجتمعت لبعضنا اكثر من نقطة ضعف ولكن بامكانك الآن ان تجلس مع نفسك وتحدد نقاط الضعف لديك، هل هي:
- عدم قدرتك على جعل الآخرين يحترمونك ويقدرون مشاعرك ويتفهمون أحاسيسك؟
- عدم قدرتك على كيفية التعامل مع الآخرين وكسب صداقتهم؟
- مجاملتك الزائدة للآخرين على حساب نفسك وصحتك ومالك؟
- هل هي ضعفك امام الماديات والملهيات الحياتية وعدم قدرتك على مقاومتها مما يجعلك بلا ارادة قوية وعزيمة صادقة؟
- هل هي ضعفك امام الكلمة الحلوة والابتسامة الاخادة التي تجعلك تغير رأيك وقراراتك الشخصية بعد ان صرحت بها؟
- هل هي طيبتك الزائدة التي كثيرا ما تفهم وتفسر على انها سذاجة وبالتالي تستغل من هذا المدخل بشكل سلبي في حين انك تظن عكس ذلك؟
- هل هي تصديقك لكل الناس وعدم قدرتك على التفوه بكلمة لا لأنك لا تريد ان تغضب احداً منك او فيسيء فهمك؟
- هل هي عادة سيئة تعودت عليها ولا تستطيع التخلص منها بسهولة؟
- هل هي في عدم معرفتك لقدراتك الذاتية الكافية ومواهبك الخلاقة وعدم تمكنك من توظيفها بشكل صحيح؟
- هل هي في سلبيتك الزائدة التي تحرمك من ابسط حقوقك وتسبب لك الاحراج؟
- بل هل نقطة ضعفك تكمن في بعدك عن الله وغفلتك عنه مما يجعلك تشعر بالذنب وعدم الرضا عن النفس؟
نقاط ضعف كثيرة يمكن ان تذكرها، وانت من عليه تحديدها والتأكد منها لانك الاقدر والاعرف بها من غيرك, ولكن يظل السؤال الاهم ماذا بعد معرفتي بها كيف اتعامل معها حينئذ، إن هذا ولاشك يعتمد على نوعية نقطة الضعف وعمرها وسببها الى غير ذلك من الامور المهمة.
ولكن ينبغي الا يغيب عن اذهاننا اننا احيانا نعرف نقطة ضعفنا، نعرف مثلا ان فلان كثيرا ما يسيئ إلينا ويغضبنا ويخطئ في حقنا، ،لكننا مع ذلك لا نستطيع إلا ان نتقبل منه كل اخطائه ونتغاضى عنها ونوجد له المبررات، لاننا ببساطة نحبه بصدق مهما فعل معنا، لا نستطيع ان نغضب منه لاننا نعرف معدنه الصافي وحتى لو غضبنا منه فوقتيا وحتى لو قررنا مقاطعته وهددناه بذلك فنحن اضعف من ان نوفي بوعدنا! فماذا نسمي ذلك؟
وحتى لو غضبنا منه بالفعل وتركناه اياماً، ثم قابلناه أو حدثناه فقال لنا كلمة حلوة وابتسم لنا واعتذر، فإن تلك الكلمات الحلوة كفيلة بأن تذيبنا وتجعلنا نتراجع وكأن شيئا لم يكن! لأن الانسان منا مجموعة من المشاعر التي تتفاعل مع من يعرف كيف يتعامل معها بانسانية ورقي وشفافية, ولكن اين ذلك الانسان الذي يستطيع بكلماته الحلوة وتعامله الانساني الراقي ان يذيب جبل الجليد المتراكم حول تلك المشاعر ويعيد اليها الدفء الحقيقي الذي لا نستطيع ان نعيش من دونه؟
نعم أين ذلك الانسان الذي يعرف كيف يتعامل مع نقاط ضعفنا بشكل يجعلنا نحبه أكثر وأكثر؟
أين ذلك الانسان الذي يحاول استخدام نقاط ضعفنا للتقرب منا والتودد إلينا بهدف إصلاحنا واحتوائنا وليس بهدف استغلالنا لاغراضه الشخصية وأهدافه المادية؟
وأحيانا نحن نعرف نقطة ضعفنا، نعرف مثلا اننا ضعفاء في جوانب معينة ونعي ذلك تماما، ولكن هذا الضعف يسعدنا لانه يكسبنا عطف الآخرين وتحقيق جزء مما نريد على الاقل، أليس البكاء نقطة ضعف كما يراه البعض، ولكن البعض الآخر يستخدمه كاستراتيجية لاستدرار العطف واستمالة القلوب، وهكذا الحال مع التذلل الذي يعتبر نقطة ضعف لدى البعض ولكن البعض الآخر يعتبره وسيلة من اجل الحصول على حاجة شخصية او ذاتية هم محرومون منها وبحاجة شديدة إليها كالمال مثلا!
إن حقوقنا الانسانية التي تضيع منا قبل الآخرين، إنما تضيع بسبب جهلنا لامور كثيرة كان يفترض ان نعرفها ولا اقصد هنا بالجهل التعليمي فحسب ولكن الجهل بكيفية التعامل مع الآخرين والتقنيات الحديثة التي ما فتئت تتطور مع مرور الوقت بشكل مذهل، والجهل بمعرفة اكتشاف قدراتنا الذاتية الكامنة التي حبانا الله بها، والجهل بطريقة استثمار المصادر المتاحة حولنا بشكل جيد ومتطور.
وانظر كمثال بسيط لحقوق احد طرفي العلاقة الزوجية كيف تضيع او تُسلب من الطرف الآخر لجهل هذا الطرف الآخر في كيفية كسب ود الآخر او خوفه من ردة فعله او عدم معرفته للطرق الصحيحة للوصول إليه، وان كانت هناك حالات استثنائية من البشر يصعب التفاهم معها او التودد إليها لأنه لا فائدة منها ترجى مهما كانت لديك مهارة في كسب الآخرين لان العيب ليس فيك انت بل فيهم هم أنفسهم!
ومع ذلك ومهما كان حجم نقاط الضعف لدينا ومهما كانت درجة الضيق الذي تشعر به بسببها فهذا لا يعني ان بنا عقدة نقص في جوانب معينة,, أبداً, فالانسان ليس كاملا ولن يكون كذلك لان الكمال لله عز وجل كل ما في الامر اننا نحاول ان ننمي قدراتنا ونطور مهاراتنا ونسعى جاهدين لردم فجوات النقص التي قد تعترينا.
وبالمناسبة فنقاط الضعف التي يكشفها الآخرون فينا قد لا تكون صحيحة وحتى لو كانت موجودة من وجهة نظرهم فهذا لا يعني ان نقلق كثيرا بشأنها طالما انها لم تؤثر علينا سلبيا ولم تصبح عائقا يحول دون تحركاتنا واختلاطنا بالآخرين وتحقيق ما نريد ولكنها مع ذلك تستحق التفاتة منا على الاقل لمعرفة الاسباب التي دعتهم لقول ذلك.
أعود مرة أخرى وأقول لك: هل لديك نقاط ضعف؟ قد تتردد في الاجابة او تحاول القفز على السؤال، ولكن قبل ان تجيب الآن حاول ان تضحك اولا قبل الاعتراف لان الضحك يخفف من صعوبة الاعتراف ثم استخرج ورقة وقلما ودون نقطة الضعف تلك او نقاط الضعف التي لا يعرفها سواك ثم اسأل نفسك متى تحدث نقاط الضعف لدي؟ وتحت اي الظروف؟ ومن هو المتسبب فيها؟ وهل حاولت التغلب عليها؟ هل اكتفيت بمحاولة واحدة ام انني مازلت احاول؟ وهل محاولاتك صحيحة وعملية ام انها لمجرد ارضاء ضمير؟,,, الخ.
أتعرفون ما الذي يجعلنا نكابر ونرفض الاعتراف بوجود نقاط ضعف لدينا رغم انها موجودة فينا وبصور مختلفة؟ انه اعتقادنا بأن نقاط الضعف تلك هي نوع من الاسرار والخصوصيات التي لا يجب ان يطلع عليها احد لانها مخجلة وقد نوصم بها وتظل سمة دائمة فينا,, وهذا ما يعتقده الكثير رغم خطأ الاعتقاد ولكن الذي نجهله انه حتى نقاط الضعف تلك او بعضها تضفي على بعض الاشخاص نكهة خاصة أليس ضعفك انت امام الكلمة الحلوة والابتسامة الرقيقة فيه نوع من الجمال يميزك عن غيرك؟
أليس في عصبيتك الزائدة التي يعتبرها البعض نقطة ضعفك أليست جميلة حينما يعلم من حولك انك سوف تعود بعد دقائق كحمل وديع وانسان رائع لعادتك؟
ان نقاط الضعف تلك التي نتجاهلها نحن كأفراد اصبحت من الاهمية بمكان للدول المتقدمة التي ما زالت تفرض سيطرتها وهيمنتها وشروطها على الدول الاخرى المغلوبة على امرها لانها عرفت ان نقطة ضعفها هي الجهل فوصلت لها من هذا المدخل فصارت تسير الشعوب كيفما تريد وتملي عليها ما تريد!
في هذا الزمن ليس هناك مكان لجاهل، ليس هناك موقع لانسان متخلف عن الركب وليس هذا في مجال الدول بل وفي محيط الافراد.
قد يقول قائل وما رأيك إذا كانت نقطة ضعفي هي قلبي ومشاعري فما هو الحل؟ بالفعل تساؤل هام وحيوي ويحتاج لوقفة خاصة، الا توافقني الرأي؟
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الاقتصـــادية
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved