Thursday 21st October, 1999 G No. 9884جريدة الجزيرة الخميس 12 ,رجب 1420 العدد 9884


قضية للنقاش
وزراء إسرائيل داخل السجن الوظيفي
رضا محمد لاري

تخشى اسرائيل من بدء موجة اغتيالات يقوم بها اليمين المتطرف ضد الحكومة الاسرائيلية لتثنيها عن مواصلة السير في الطريق الذي يعيد الاراضي العربية، وهدم المستوطنات اليهودية عليها، في مقابل الوصول الى سلام مع الجيران.
لم يأت هذا الخوف من فراغ، فلقد تلقى العديد من الوزراء الاسرائيليين تهديداً بالاغتيال اذا لم يوقفوا مهزلة السلام التي يقودها يهودا باراك دون ان يعرف مغبة ما يفعل على الوطن القومي اليهودي.
في الاجتماع الساخن لمجلس الوزراء الذي جاء لدراسة هذه التهديدات بالقتل لبعض اعضائه تقرر وضع حراسة مشددة على الوزراء جميعاً، وطُلب منهم، حفاظاً على حياتهم، عدم الحجز المسبق في المطاعم والأماكن العامة، وعدم قبول دعوات الاصدقاء وعدم التجول في المنتزهات او التسوق في الاسواق والالتزام بكل ذلك بدقة متناهية حتى لا يكونوا هدفاً لليمين المتطرف الذي يتطلع الى صيدهم ويتربص لقتلهم.
اعلن وزير الخارجية ديفيد ليفي في اعقاب هذا الاجتماع لمجلس الوزراء بأن القرارات التي توصلنا إليها حكمت علينا بالسجن وراء قضبان الوظيفة، ولمدة غير محددة قد تطول لتصل الى سنوات عديدة هي مدة بقائنا في الوزارة، وربما الى ما بعد خروجنا منها بملاحقة اليمين المتطرف الذي يندفع لتحقيق اهدافه دون تفكير في النتائج المترتبة عليه.
مما يزيد الخوف من ملاحقة الوزراء لاغتيالهم انه لن ينحصر في داخل الوطن الاسرائيلي وانما سيمتد الى خارج الوطن وهذا يصعِّب كثيراً من المهام الدولية لاسرائيل، وبالتالي يفوت عليها كثيراً من المكاسب السياسية والاقتصادية في مرحلة تحرك الدنيا صوب العولمة بخطى حثيثة لا تستطيع اسرائيل التضحية بها خصوصاً وأنها تتطلع في ظل هذه العولمة الى زعامة الاقليم الذي تتواجد فيه، وان غيابها الجزئي سيفقدها هذه الزعامة ويعطيها لأحد اعدائها من الجيران العرب.
رد على هذا الرعب السائد اليوم في وسط وزراء اسرائيل اريل شارون رئيس حزب تجمع الليكود وزعيم المعارضة في البرلمان والأب الروحي لليمين المتطرف بأن حل هذه المشكلة يتطلب من الوزراء ان يسمعوا الكلام الذي نطالب به وهو عدم إرجاع الاراضي، والامتناع عن هدم المستوطنات واذا لم يسمعوا الكلام فلا يلومون الا أنفسهم، لأن اليهود عازمون على حماية ارضهم المقدسة ارض الميعاد حتى اذا اقتضى الأمر الدخول في صدام مسلح يصل فيه الدم الى الركب وإننا في البرلمان وان كنا لا نتعاطف مع العنف، نؤيد بكل قوة الحفاظ على ارض الآباء والأجداد.
سارع رئيس الوزراء الاسرائيلي يهودا باراك الى الاجتماع مع رئيس جهاز المخابرات العامة الموساد عامي ايلون وعقدا جلسة عمل مطولة لدراسة احوال اليمين المتطرف وان كان لا يزال على برنامجه العنيف في مواجهة الأحداث ويمتلك الأدوات والوسائل لتنفيذ تهديده بالاغتيال الذي وصل الى الوزراء وتوصل الرجلان الى ان برنامجهم اصبح اكثر عنفاً من الماضي وان أدواتهم ووسائلهم في التنفيذ اصبحت اكثر خطورة لأن استئجارهم للجنرالات المتقاعدين من الجيش والضباط والجنود الاحتياطيين يمكّن اليوم اليمين المتطرف في اسرائيل من محاربة الدولة اذا اقدمت على الانسحاب من أراضي الضفة الغربية لنهر الاردن او من مرتفعات الجولان السورية.
يضاعف من هذا الخوف الذي توصل اليه رئيس الوزراء يهودا باراك في اجتماعه مع رئيس الموساد عامي ايلون الفتوى التي اصدرها ابراهام شبيرا الذي كان الحاخام الأكبر في إسرائيل والتي تقرر بأن الاتفاق بين يهودا باراك وبين العرب على السلام في مقابل اعادة الارض لهم يتعارض مع النصوص الواردة في التوراة التي تمنع منح ارض اسرائيل للأغيار .
هذه الفتوى دفعت حنان بورات ابرز زعماء اليمين المتطرف الى الاستقالة من البرلمان الكنيست ليتفرغ من كل عمل يشغله عن قيادة المعركة ضد الحكومة حتى يمنعها اذا لزم الأمر بالقوة عن التنازل للارض او المساس بالمستوطنات اليهودية المقامة عليها، واعلن للصحافيين عند بوابة البرلمان بأنه سيعود الى قيادة غوش ايمونيم وهي عصابة يهودية متطرفة كان يتزعمها في شبابه احتلت في تلك المرحلة قمم الجبال الفلسطينية وفرضت بالقوة المستوطنات اليهودية في أواخر الستينات من هذا القرن، وحصلت بعد انشائها على موافقة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة خصوصاً في مراحل حكم اليمين المتطرف الذي يمثله حزب تجمع الليكود.
على الرغم من روابطه الحميمة مع حزب تجمع الليكود انفصل عنه احتجاجاً على اتفاقية كامب ديفيد، وهاجم مناحيم بيجن بصورة علنية امام اعضاء حزب تجمع الليكود ووصفه بالرجل المخرِّف الذي لا يحسن التفكير ولا يدرك نتائج تصرفاته، وكانت هذه الوقفة ضد مناحيم بيجن واستمرارها في كل المحافل السياسية الاسرائيلية احد الاسباب الرئيسية التي اصابته بالاحباط والتي جعلته يقضي اواخر سنوات عمره منعزلاً عن المجتمع حتى مات كمداً لتنازله عن ارض الميعاد سيناء للأغيار المصريين.
بعد انفصال حنان بورات من حزب تجمع الليكود انشأ في عام 1981م حزب هتحيا وضم اليه كل اليمينيين الذين اشتهروا بتطرفهم الشديد، ودخل البرلمان زعيماً لهذا الحزب وظل به حتى خرج منه قبل ايام ليقوم بأدوار ارهابية ضد الحكومة الحالية بعد ان تعذر عليه من موقعه في البرلمان قيادة مسلكها السياسي، وبدأ منذ لحظة خروجه يستقطب حوله رجالاً اشداء تقع عليهم مسؤولية تنفيذ فتوى الحاخام الأكبر السابق ابراهام شبيرا القاضية استناداً إلى نصوص مقدسة في التوراة بمنع التنازل عن ارض الميعاد للاغيار الفلسطينيين او السوريين حتى لا يتكرر ما حدث في سيناء مع مصر بكل ما فيه من آثام لا يغسلها الندم.
بدأت اعمال حنان بورات بعد خروجه من البرلمان بتحريض سكان المستوطنات على قتل رئيس الوزراء يهودا باراك قبل فوات الأوان حتى لا يكرر ما قام به مناحيم بيجن في سيناء لنجعله يلقى نفس المصير الذي لقيه اسحاق رابين في نوفمبر من عام 1995م عندما حاول ان يتنازل عن الارض في مقابل السلام، وذكّرهم حنان بورات بالفتوى الحالية الصادرة من ابراهام شبيرا التي تحرم اعادة ارض الميعاد للأغيار، وان واجب اليهود الديني يحتم عليهم محاربة كل من يحاول الخروج عن النصوص المقدسة في التوراة.
لم يكتف حنان بورات بالفتوى الحالية، واعادهم الى ما قاله يجئال عمير في اثناء التحقيق معه على قتل اسحاق رابين، بأنه قام بهذا العمل تنفيذاً للفتاوى العديدة الصادرة من حاخامات اليهود وكلها تحث المؤمنين باليهودية الى التصدي لكل عمل يمس بقدسية ارض الميعاد بما في ذلك القتل لهم، لأنه سيكون قتلاً مشروعاً في التوراة,, وكانت هذه الحجة هي التي أنقذته من الاعدام، لأن احكام الدين لا تقتص ممن يقوم بالقتل المشروع دينياً.
استطاع حنان بورات ان يرفع بين انصاره من اليمينيين المتطرفين شعار اقتلوا يهودا باراك إنقاذاً لأرض الميعاد وبدأ يدور في داخل اسرائيل همس بأن حنان بورات وجماعته قد وضعوا خطة لاغتيال يهودا باراك وانهم الآن يتربصون الفرص لاختيار الوقت المناسب لتنفيذ خطتهم الرامية الى اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي يهودا باراك.
ظهر قبل خمس ليال يهودا باراك على شاشة التلفزيون الاسرائيلي واجرى معه عديد من المذيعين والمذيعات حديثاً طويلاً استغرق اكثر من ساعة عن المعارضة الدموية الجديدة التي اقامها حنان بورات من خارج البرلمان والتي تطالب برأسه لحماية ارض الميعاد، واكد رئيس الوزارة يهودا باراك انه لا يخشى الموت لأنه لا يخاف من التهديد الموجه ضده ولا يعبأ بالتحريض على قتله مما يجعله يستمر في نهجه السياسي لانه يخدم المصالح العليا الاسرائيلية، وان المعارضة الدموية لسياسته التي اقامها حنان بورات لا تزيد عن زوبعة في فنجان خصوصاً وانهم عاجزون عن تقديم البديل الافضل لسياسته من كل النواحي الاستراتيجية والأمنية والحفاظ على مصالح اسرائيل العليا.
اذا كان عند حنان بورات تصور جديد في معالجة قضية السلام فإنني أدعوه الى الجلوس معي في لقاء تلفزيوني آخر لنتحاور معاً امام اليهود بصورة علنية لنصل الى الطريق الأمثل الذي يحقق مصالح اسرائيل بالرؤى الدينية التي يرفعها الحاخامات في بلادنا، بل أدعو معه كبير الحاخامات في اسرائيل ليشاركنا من موقعه في رئاسة السلطة الدينية العليا في الحوار الذي أدعو له حتى يكتسب ما نتوصل اليه الشرعية الدينية من خلال النصوص المقدسة في التوراة.
واعلن رئيس الوزارة يهودا باراك ان امتناعه عن الحضور والمشاركة في هذا النقاش فإن ذلك يصم حنان بورات بتهمة الارهاب في داخل الوطن الاسرائيلي وهو امر يحتم علينا وضع الأدوات والوسائل لمكافحة هذا العمل الارهابي الذي تجسد في تهديد رئيس الوزارة القائمة وعدد من اعضائها الوزراء بالاغتيال فالأمن الذي نتحدث عنه للحفاظ على اسرائيل قضية كلية لا تتجزأ وبالتالي يتحتم علينا محاربته سواء كان ممارساً ضدنا من قبل حماس الفلسطينية او حزب الله اللبناني او عصابة غوش ايمونيم اليهودية التي أعاد الحياة لها حنان بورات منذ لحظة خروجه من الكنيست.
وان كنت اشتمُّ رائحة لعبة تبادل المواقع فيما يحدث اليوم داخل اسرائيل لتعطيل عملية المسار السلمي واعطاء الحكومة الحالية المبرر بالضغط الداخلي عليها في سرقة الأرض العربية، فإن الواجب القومي يفرض علينا توظيف ما جاء على لسان رئيس الوزراء يهودا باراك من قيام ارهاب يهودي في داخل اسرائيل تمارسه عصابة غوش ايمونيم بزعامة حنان بورات ليس على المستوى الاقليمي وانما في كل الاوساط الدولية داخل وخارج الأمم المتحدة لنثبت للعالم بان اسرائيل او على الاقل اجنحة منها تمارس الارهاب بشهادة شاهد من اهلها.
نحن من جانبنا نؤكد بان الادوار التي تقوم بها حماس في داخل اسرائيل او ما يقوم به حزب الله في ارض الجنوب اللبناني ومرتفعات الجولان ليس ارهابا وانما هو نضال وكفاح ضد المستعمر لارض بلادهما، وبالتالي ننفي عنهما ما لصق بهما بالباطل, انهما يمارسان عملاً ارهابياً مجرداً او موصوفاً بالاسلام ليضللوا العالم بان هذه العقيدة السمحة تمارس الارهاب حتى اصبح الفكر الانساني يخلط بجهل بين الارهاب والنضال ويعتبر الاسلام اسماً رديفاً للارهاب وفي نفس الوقت نؤكد بأن اليهود المتطرفين يشكلون عصابات ارهابية في داخل اسرائيل وتخطط للخروج بارهابها الى الاوساط العالمية كما جاء على لسان وزير الخارجية ديفيد ليفي لملاحقة رموز الحكومة الاسرائيلية الحالية من الوزراء بهدف اغتيالهم فوق ارض دول اخرى.
نحن لا نتهم اليهودية بالارهاب كما يتهمون الاسلام بالارهاب لأننا نؤمن بأن العقيدتين الدينيتين منزلتان من عند الله واحكامه جلت قدرته تأمر الناس بالبر والتقوى وتمنعهم عن الإثم والعدوان، فاليهودية في اصولها الصحيحة كما كلم الله بها موسى عليه السلام لا يمكن ان تحث الناس على الارهاب ولكن اليهود بعد ان بدّلوا الكلام عن مواضعه نصبوا من انفسهم أسياداً على العالم بدون وجه حق واخذوا يمارسون الارهاب طوال تاريخهم ابتداء من قتلهم للأنبياء وخيانتهم للشعوب الذين يعيشون معهم ويشاركونهم في المواطنة وعدوانهم على حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين على الرغم من مساعدتها لهم لسرقة ارض فلسطين وتعدّيهم بعد قيام دولتهم اسرائيل على كل الدول بما في ذلك امريكا الصديقة لهم.
اذا كان العالم جادّاً في مكافحة الارهاب كظاهرة دولية، فعليه ان يبدأ هذه المكافحة بإسرائيل، موطن الارهاب الاقليمي والدولي وخصوصاً بعد ان شهد على ارهابها شاهد غير عادي من اهلها، رئيس وزرائها الحالي يهودا باراك.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الاقتصـــادية
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved