عزيزتي الجزيرة
لقد سرني كما سر الكثيرين مقال معالي وزير التعليم العالي في هذا المنبر يوم السبت 7/7/1420ه بتجاوبه مع قضية القبول وهذا ليس بغريب، فتجاوب المسؤولين لأوجاع المواطنين لم يكن في شك أبداً.
الملفت في مقالة معالي الوزير هي الاحصائيات التي شملت والتي لا يجب إغفالها بأي حال من الأحوال, فنسبة القبول في الجامعات التابعة لوزارة التعليم العالي الى خريجي الثانوية تتدنى سنة بعد سنة وربما يكون هذا طبيعياً نظرا لاطراد عدد خريجي الثانوية, الا انه من الملاحظ ان اعدادالمقبولين في التعليم العالي تتناقص، وبالتحديد بعد سنة 1418/ 1419ه كما يوضح الجدول بالرغم من ان السنة الاخيرة كما اشار معالي الوزير تشمل فقط المقبولين في الفصل الاول:
لكن يبقى لنا هنا ان نجد الحل, فقضية القبول لها أبعاد كثيرة والحل لم يطرح بعد.
ان عملية القبول للجامعات قضية جدية تأخذ مأخذا مغايراً كل سنة، وبالتحديد تأخذ منحى احباطياً على كل المستويات سواء للطالب نفسه او لوالديه, ولا يدري بهذا الا الذي مر بهذا الظرف او انه على وشك, والمسألة في رأيي المتواضع تحتاج الى شيء من البحث وجب عليّ ان أتناولها بشيء من التفصيل.
فالذي لا يختلف عليه اثنان هو ان الدراسة الجامعية باتت عالميا حقا من حقوق الراغبين فيها ويجب ان تكون على ذات المستوى وطنيا, وهذا ما يشعر به الطالب الذي تراه مع بداية السنة الدراسية يجد ويثابر من اجل الهدف المنشود ألا وهو الالتحاق بالجامعة,, والسؤال المطروح هنا هو ما تعريف الإنجاز والنجاح في الثانوية العامة وبالاخص التفوق فيها؟
مع تقدم هذه الافواج من الطلبة للجامعات تتجلى حقيقة مرة ألا وهي ان الحصول على معدل دراسي عال أصبح ليس بالضرورة الطريق الطبيعي للالتحاق بالجامعة المنشودة، والسبب هو ان الجامعات قد جعلت اجتياز امتحان القبول الذي تفرضه هي شرطا اساسيا للانخراط في تخصصاتها,, وطبعا لهذه الجامعات من المبررات ما يجعلها تتجه هذا الاتجاه كما سنرى من السياق القادم,, وهنا وقبل كل شيء تنكشف معضلتان.
المعضلة الاولى هي ان مدلول معدل الثانوية اصبح فقط شرطا لتأهيل الطالب لدخول امتحان القبول او المقابلة الشخصية لجامعة ما او لتخصص ما, وفي اغلب الاحيان، ولست مبالغا، اصبح ليس للمعدل وزن في عملية القبول.
وهذا ما نسمع عنه في حالات كثيرة ابرزها ان فلانا وفلانة لم يقبلا في تخصص ما بالرغم من الحصول على معدل عال مثلا 98 او 99 بالمائة كما اشار معاليه بذلك, وان كان لهذا تبرير فكما هو متداول في الاروقة الاكاديمية (وهذا ليس بمستبعد) ناتج عن تضخيم غير حقيقي لمعدل الثانوية لا يعكس التحصيل العلمي الحقيقي كما كشفت عنه نتائج امتحان القبول او المقابلة الشخصية.
والمعضلة الثانية هي ان الطالب او الطالبة وخاصة في المقابلة الشخصية يتعرضان لاسئلة غير مدروسة مما يكون لها الاثر السلبي في اتخاذ قرار رفض قبولهما.
وما هو المطلوب عمله إذا لتصحيح هذا الوضع؟ سؤال صعب والإجابة عليه أصعب, ولكن الحل ببساطة يحتاج الى تنظيم ورقابة وإشراف, وهذا بالطبع من اختصاص كل من وزارة المعارف ووزارة التعليم العالي والرئاسة العامة للبنات, وكل المؤسسات التعليمية التي بعد الثانوية.
وحل المشكلة يكمن في شقين؛ الأول تنظيمي إداري والثاني أكاديمي.
والحل أساسا يبدأ اولا بالكيفية التي يجب ان نقيس بها إنجاز خريج الثانوية؟ فهل نكتفي بعلامات السنة الثالثة فقط ام نعتبر علامات السنوات الثلاث كلها؟
فلو اكتفينا بعلامات السنة الثالثة فقط فسوف يكون هناك نوع من المخاطرة لسببين,, الاول هو ان مواد السنة الثالثة لا تعكس التحصيل العلمي الذي في المرحلة الثانوية كلها وبالتالي تكون عملية التقييم او نسبة النجاح منحازة لما جرى فقط في تلك السنة,, والسبب الثاني هو التضخيم في العلامات والذي اشرت اليه سابقا وبالاخص ما يلاحظ في المدارس الاهلية وانا بهذا لست مبالغا.
اما اذا اعتبرنا درجات السنوات الثلاث فإننا نقيس انجاز الطالب بعدل, وبهذا نتجنب بعض المشاكل السالفة الذكر,, ولتحقيق هذا فإنه يوصى بأن توضع كيفية مدروسة لعرض علامات السنوات الثلاث وذلك بفصلها في خانتين، الاولى تبين اعمال السنة او الفصل، والثانية تبين درجات الاختبارين النهائيين للفصلين, وبهذا يمكننا ان نكشف بسهولة إذا ما كان هناك تضخيم علامات والذي يحدث عادة في اعمال السنة وذلك بمقارنة العلامات من سنة الى اخرى, إضافة الى إمكانية مقارنة درجات اعمال السنة بدرجات الامتحانات النهائية, وربما وضع معظم الثقل لعلامات الامتحان النهائي.
والقضية لا تنتهي هنا ولكن المفروض ايضا هو ان يكون هناك امتحان لتحديد قدرات الطالب يأخذه كل خريجي الثانوية الراغبين في الانخراط بالدراسة الجامعية على مستوى المملكة, هذا على غرار ما يحدث في العالم مثلا في أمريكا واليابان,, ففي امريكا يأخذ الطالب ما يسمى ب)SAT( ويكون هذا مقياس لقدرات الطالب يسترشد به بالاضافة الى علامات الثانوية, واذا ما تقرر العمل بذات الشيء هنا فإنه يتوجب ان تكون وزارة التعليم العالي هي المشرفة والمديرة لهذا الامتحان.
ونحو حل قضية القبول فإنه يتوجب ان تكون آلية القبول كلها بإدارة وزارة التعليم العالي, وبالتحديد أنادي بتوحيد عملية القبول ومركزيتها في هذه الوزارة للأسباب السالفة الذكر إضافة الى مشكلة قائمة وملحة تتمثل بضيق فترة القبول وإصرار الجامعات على تسليم الوثائق الأصلية مما يضيع الفرصة على طالب ممتاز لم يوفق في جامعة فتفوته الفرصة في القبول لجامعة اخرى، فيكون جليس البيت.
ويكمن المحك في كيفية تشغيل هذه الآلية,, وهذه النقطة بالذات تحتاج الى دراسة مستفيضة لضمان نجاحها لأنه ليس من العدل او الحكمة طرحها في هذه العجالة, ولكن الامر ببساطة يتمحور في ان يسلم الطالب الراغب في الدراسة الجامعية اوراقه الاصلية (والتي تشمل الصيغة الجديدة المشار لها لعرض علامات السنوات الثانوية الثلاث) للوزارة وفي نفس الوقت يعين الطالب التخصصات التي يرغبها مدرجة تنازليا حسب رغبته مستعينا في ذلك بقائمة معدة من قبل الوزارة تحوي جردا لكل التخصصات الموجودة في المؤسسات التعليمية الحكومية بالمملكة سواء أكانت جامعية او معاهد,, ومن خلال عملية دقيقة يتم فيها دراسة شهادات الطالب ونتائج امتحان القدرات ورغبة الطالب ليتم توجيه الطالب، بل جميع الطلاب بلا استثناء، كل نحو تخصص ليكون حسب رغبته وحسب قدراته، ويحضرني في هذا السياق ما تمارسه جمهورية مصر العربية حيث يكتب الطالب اثناء تقدمه للقبول 48 تخصصا يرغبه (ولا أدري كيف توصلوا لهذا الرقم)!
وبهذا اخذ المواطن حقه في الدراسة العليا.
وهنا وفي الختام يجب ألا يفوتنا ان نبحث عن الوسائل التي تزيد من استيعاب الجامعات لأن في تصوري واعتقادي الجازم أن هناك الكثير من الجامعات والكليات والمعاهد تعمل دون الطاقة الطلابية الحقيقية وبالتحديد في بعض التخصصات وربما كانت ميزانية الجامعة هي احد القيود.
وفق الله الجميع لما فيه السداد.
د, شكري حسن السنان
جامعة الملك فهد للبترول والمعادن