يبدو أن التعامل مع البشر اليوم أضحى مشكلة تتطلب مهارة من نوع خاص لا تتوفر لدى أي شخص! وهذه المشكلة الجديدة ربما أضافت عبئا آخر على الانسان في هذا العصر المتخم بالمشكلات الكثيرة والمعقدة التي يصعب التعامل معها في ضوء متغيرات كثيرة وظروف صعبة قاهرة لايد لك فيها ولا سلطة لك عليها! إنها معطيات العصر وعلينا التعامل معها بكفاءة لانها احد عناصر النجاح وطرقه.
وهذا التعامل الصعب مع الآخرين اليوم ليس وليد الامس القريب بكل تأكيد، فجذوره مطنبة منذ القدم اي انها بعبارة اخرى ليست جديدة ولكن الجديد هو ان الانسان الذي هو أنا وأنت وهو وهي اتسع حجم معاملاته مع الآخرين ممن هم حوله وتمددت شبكة علاقاته واتصالاته مع من يعرفهم ومن لا يعرفهم وأصبح عليه ان يتعامل مع الجميع بشكل أو بآخر.
وربما كان احد الاسباب في صعوبة التعامل مع الآخرين هو ان تلك النفوس قد تغيرت ولم تعد كما هي! ولست متأكداً على وجه التحديد ان كان المال نفسه هو السبب في صعوبة التعامل تلك مع مثل هذه الفئة من البشر التي تجد نفسك عاجزاً عن التعامل معها ومسايرتها بكل القدرات التي منحك الله إياها وبكل المواهب التي تحسد عليها.
نحن لا ننكر ان التحول الملاحظ للمادية من قبل الكثيرين منا يكاد يكون واضحاً في جميع اوجه الحياة اليومية المختلفة ومن كافة اصناف البشر، ولكن هناك بالتأكيد عوامل أخرى لا تقل اهمية عن المال هي ما جعلت الانسان يتغير في سلوكه ويصبح انسانا غريبا يصعب التعامل معه أو اقناعه بأبسط الأمور.
خذ مثلا التنشئة الاجتماعية المتناقضة التي يعيشها البعض منا مع اسرته منذ نعومة اظافره التي تجعله مذبذبا وغير مستقر نفسيا.
خذ مثلا المعاملة غير العادلة التي تحز في النفس والتي يشعر بها بعضنا حتى من والديه وأقرب الناس إليه مما يجعله يشعر بالظلم ويحاول ان يستخدمه مع غيره فيما بعد.
خذ مثلا الجهل بأبسط أمور الحياة وغياب الوعي الاجتماعي لدى بعضنا مما يجعله عرضة للاستغلال السيء من ضعاف الضمائر.
بل خذ الحالة النفسية السيئة التي يصل إليها بعضنا وعقد النقص وغيرها من الامراض النفسية المتعبة من جراء الاحباطات المتتالية والاكتئاب والتي اصبحت سمة هذا العصر والتي قد تجعله لا يبالي بمشاعر الآخرين واحاسيسهم فيما بعد حين يتعامل معهم.
أليست تلك العوامل وغيرها كثير، سببا لتلك المعاملة الجافة وغير الحضارية التي يمارسها البعض مع غيرهم كرد فعل طبيعي لما يلقونه من اهانات واحباطات دون التنبه لخطأ ما يمارسونه في حق الاطراف الاخرى، على الاقل ممن لهم حق عليهم؟
ونحن حينما نقول بأن التعامل مع البشر اضحى صعبا هذه الايام، فلا اعتقد اننا نبالغ في قولنا، ذلك ان الشواهد على ذلك كثيرة وعديدة ومن الحياة اليومية ايضا، والاغرب من ذلك، اننا ربما مارسنا نحن نفس او جزء من المواقف السلبية اللامسؤولة نفسها مع غيرنا دون ان ندري ما لم يُنبهنا أحد إليها!
هذ مثلاً مسألة عدم احترام الناس لكلمتهم وتعودهم على ذلك, تسمع بأذنيك هذا الانسان أو ذاك يُقسم لك بأغلظ الايمان انه سوف يفي بوعده معك في مسألة من المسائل وحتى امام الآخرين، وإذا ما يقوله لا يعدو كونه امتصاص غضب وتهدئة وضع او ان شئت وهذا جائز نوعا من التصريف المؤقت!
أرأيتم يا سبحان الله حتى القسم اصبح وسيلة للتنصل من المسؤولية والهروب من الاخطاء التي هي سمة من سمات الانسان.
وأحيانا يا اخوان حتى المال نفسه لا ينفع مع نوعية معينة من البشر تعطيهم ما يريدون وحسب ما اتفقت عليه معهم وربما اكثر وفي وقته دون تأخير ولكنك مع ذلك لا تأخذ منهم سوى مماطلات وتسويف وتصريف ومالم تتابع عملك بنفسك فسوف لن تحصل على شيء وان حصلت فاحمد الله انك حصلت عليه او جزء منه لانه سوف يكون ناقصا وغير مرض بل على عكس ما اتفقت معهم عليه ومع ذلك لا تملك سوى ان تقبل بالموجود المتوفر لانهم هم اصحاب الفضل والمنة! يا سبحان الله!
ان السمة الملاحظة على افراد المجتمع انك مهما عملت بجد ومثابرة وبكل ما أوتيت من طاقة فلن تسلم من ألسنة الآخرين التي لا ترحم، والكل يوجه إليك سياطه اللاسعة، والكل يفسر عملك على محمل آخر بعيد جدا عما ترمي إليه او تفكر فيه, وإذا ابتعدت ونأيت بنفسك عن الآخرين واصبحت تعمل بمفردك قالوا بأنك انسان انطوائي، منعزل ومعقد إلى غير ذلك من الاوصاف المعروفة وما لم تكن واعيا لتلك العقليات ومدركا لكيفية التصرف معها سوف تتعب وتخسر وربما اثر ذلك على عطائك وعلى علاقتك بالآخرين بل وحتى على تكوين صداقاتك.
ونحن لا ننكر ان هناك فئات أخرى خلاف ما نتحدث عنها تماما تتمنى انت من كل قلبك ان يكون تعاملك معها هي شخصيا دون غيرها وباستمرار لانها تريح من يعمل معها وتجذبه إليها وتعلقه بها ولكن الذي يحدث مع الاسف ان هناك اناساً تخرب على اناس وتترك انطباعاً سيئاً جدا عن الآخرين رغم انها تختلف عنها في كل شيء، ولكن الانسان بطبيعته يُعمم ما يراه أو يسمعه على الآخرين فتراه حذراً في تعامله مع فلان أو علان لانه يخشى أن يكون هذا الانسان هو صورة طبق الاصل مما رآه او سمعه.
أنت الآن ربما تستغرب ما قد نقوله ومعك حق ولكن ارخ نفسك قليلا وفكر بالمواقف التي صادفتك في حياتك اليومية والعملية وتوقف عند تلك النوعيات من البشر التي سببت لك نوعا من الانزعاج والقلق والتوتر نتيجة عدم معرفتك كيفية التعامل معها رغم انها قد تبدو طبيعية لغيرك.
هذه الفئات المقصودة، قد تواجهها اثناء انجاز مهمة ما في دائرة خدماتية حيث ذلك الانسان الذي يقابلك بعبوس وشذر أو ذلك الانسان الذي لا يريد ان يسمعك ويتفهم وضعك ذلك الانسان الذي يشيح بوجهه عنك هذا ان لم يلق عليك بعض الكلمات الجارحة دون حياء او ذوق وكأنك تتسول منه او تطلب منه صدقة او احساناً والغريب ان مثل هذا الانسان يستمر في تعامله اللامسؤول مع كل شخص وبشهادة الجميع بمن فيهم زملاؤه دون رادع أو عقاب او مسؤوليه!
هذه الفئات تجدها مع الاسف حتى مع بعض التربويين ممن يفترض ان يكونوا قدوة مثالية في كل شيء بما فيها تعاملهم مع طلبتهم، إلا انك تجدهم عكس ذلك فنظرتهم لطلبتهم متعالية ونظرتهم للأنا عالية وتعاملهم مع طلبتهم ابعد ما تكون عن الابوة الحانية والاخوة الصادقة والاغرب من ذلك، ان امثال هؤلاء التربويين كثيراً ما يلقون باللوم على الطلبة والطالبات وعدم احساسهم بالمسؤولية والجدية ويتناسون انهم احد اسباب هذا الاهمال والشعور باللامسؤولية بسبب هذا الحاجز النفسي الكثيف الذي يضعه اساتذتهم بينهم.
والأكثر غرابة انه حتى بين بعض النساء انفسهن تجد هذا التعالي والشعور بالأنا المفخمة لمجرد ان تصبح بعض النساء الموظفات في دائرة ما مسؤولة عن قطاع ما وهنا وبدل ان تسهل على اخواتها وزميلاتها دون ان يضر ذلك بالعمل وفي ضوء القوانين المتبعة تجدها مع ذلك تضع العراقيل وتصعب الامور في الوقت الذي تشتكي منه النساء من الرجال وتطالب ان يعاملوها افضل وأفضل في حين انها هي نفسها لا تعامل بنات جنسها بما تطالب به وهذا ليس تعميما كما اشرت ولكن هناك عينات كثيرة من هذا النوع علما ان هناك فئات اخرى لا تملك ان تقول بينهن سوى انهن دواء لو وضعن على الجرح يبرأ بإذن الله فيهن تفهم المسؤول وحرص المواطن وخوف الام وحنانها.
وان كنت مازلت متشككاً بعض الشيء، فحاول ان تستثير ذاكرتك، حاول ان تسترجع سنوات دراستك وتتذكر اساتذتك وتعاملهم معك ومع زملائك عندما كنت على مقاعد الدراسة وبالتأكيد سوف ترى بعضا من تلك النماذج.
ان كثيرا من تلك التعاملات الجافة اللامسؤولية من قبل من يمثل قطاعات معينة انما تكون اما بسبب تجارب سلبية تعرض لها البعض منذ الصغر فحاولوا اسقاطها على الآخرين او بسبب اللامبالاة والأكثر اهمية من ذلك عدم وجود العقبات او الرادع لامثال هؤلاء فالتعامل فن وموهبة لا يجيدها كل شخص ولا عيب في ان يسعى لاتقانها والبحث عن تطوير مهارات تعامله مع الانماط البشرية المختلفة لان لكل من الانماط خصائصه وسلوكياته ولكل منها ايضا استراتيجيات تعامل خاصة مع كل نمط ربما تطرقنا لكل منها على حدة فيما بعد.
وأخيراً لا ننسى ان القاعدة الذهبية لتكوين الصداقات والعلاقات الانسانية وكسب الناس تكمن في ان نُعامل الناس بمثل ما نحب ان يعاملونا به .
ولنتذكر ان بامكاننا ان نفعل الكثير لو أردنا،قد تقول ولكن هناك اناسا لا يستحقون حتى مجرد ان نفكر بهم فكيف نقدم لهم الكثير؟ اقول لك قد تكون محقاً فأنت ادرى بمن حولك وبتجاربك ولكن إذا كنت انت من بيده العطاء فامتنعت، إذا كنت انت ما يقدر فلم تفعل، إذا كنت انت من لديك مخزون الحب فحجبته عن غيرك ممن هم احوج إليه، إذا كنت أنت من بيده رسم الابتسامة الجميلة على الشفاه المحرومة فحجبتها عنهم، إذا كنت أنت صاحب الذوق الرفيع والاسلوب المميز في المعاملة وكل الصفات الجميلة إذا كنت انت صاحب كل ذلك وتتخلى عن كل ذلك لغيرك فهل تلوم غيرك ممن ليس لديهم معشار ما لديك؟ قل لي بالله عليك!
همسة
حينما ارى الناس وأراك,.
يزداد اعجابي بك,.
يتعاظم حبي لك,.
وحينما اقارن غيرك بك,.
ادرك كم أنا محظوظ بمثلك,.
كم أنا سعيد بصحبتك,.
لانك اليد التي تدفعني للعطاء,.
والضوء الذي يرشدني للخير.
والمعنى الحقيقي للحياة,.
***
بل حينما ارى ما أنا فيه من سعادة,.
ابتسم بيني وبين نفسي,.
خشية ان يحسدني غيري,.
ولا أملك حينها,.
سوى ان ارفع كفي للسماء,.
وأدعو الله بكل صدق,.
أن يديم عليّ سعادتي,.
وأن يحفظك لي من كل شر,.
الّا تفارقني لحظة واحدة,.
|