تفجر امريكا هنا وهناك قنابل سياسية موقوتة الهدف منها فرض سيطرتها على مختلف اقاليم العالم، والقنابل السياسية الأمريكية ألعن وأخطر من القنابل الموقوتة التي يستخدمها الارهابيون في تفجير الطائرات والسفارات، وان كانت كلتا القنبلتين الموقوتتين: السياسية والفعلية ضرباً من ضروب الارهاب، إلا أن نتائج القنبلة الفعلية محدودة الأثر لتدميرها الموقع الذي غرزت فيه وقتلها للناس الذين يتواجدون به في ساعة الانفجار,, أما القنبلة السياسية فهي تدمر إقليماً بأكمله وتقضي على حياة الناس جميعاً فيه.
بعد أن شاركت وزيرة الخارجية الأمريكية في جنازة الزعيم الافريقي جوليوس نيريري رئيس جمهورية تنزانيا السابق في دار السلام فجّرت مادلين كوربيل اولبرايت القنبلة السياسية الأمريكية بإعلانها رفض الوساطة المصرية الليبية بين الحكومة السودانية في الخرطوم وبين التجمع الوطني الديمقراطي السوداني الذي تعمل تحت مظلته كل المعارضة بسماتها المختلفة ضد النظام السياسي في الخرطوم.
لم يأت موقف وزيرة الخارجية مادلين كوربيل أولبرايت من فراغ، وانما جاء مستنداً الى السياسة الأمريكية المبنية على فرضية خاطئة تقرر باستحالة التفاهم العملي بين الحكومة السودانية والمعارضة القائمة ضدها لأن فلسفة الحكم بمعطياتها الديكتاتورية تتعاكس مع رغبة المعارضة في العمل السياسي تحت مظلة الديمقراطية.
هذا الموقف الأمريكي دفع المعارضة في شكلها الموحد تحت مظلة التجمع الوطني الديمقراطي الى طلب الحوار مع وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين كوربيل اولبرايت لتحديد أساليب العمل السياسي الذي يحقق السلام بين كافة الأطراف التي تعارض الحكومة، وفي نفس الوقت تحديد طبيعة العلاقة بين الاحزاب السياسية في العمل السياسي المرتقب بعد ان تتم المصالحة بين الحكومة والمعارضة والأخذ بأسلوب التعددية في ممارسة الحياة السياسية.
هربت مادلين كوربيل أولبرايت من تنزانيا حتى لا تعقد مثل هذا الحوار مع زعماء المعارضة، لأن القنبلة السياسية الموقوتة التي فجّرتها في دار السلام لتصيب كل الاطراف السياسية في الحكم والمعارضة بالسودان لم يقصد بها ايجاد سبل للتفاهم بين هذه الأطراف السياسية، وانما كانت تستهدف ترسيخ الفُرقة بينهم لتكون أرض السودان ميداناً للصراع على الحكم بعيداً عن المظلة الدستورية، وبالتالي يستمر الحوار بالمدفع بعد أن تتعطل لغة الكلام.
فضح وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان هذا التوجه الأمريكي بقوله ان واشنطن تريد ان تكرر معنا في السودان ما فرضته في اندونيسيا من انفصال إقليم تيمور الشرقية عن السيادة التي تتمتع بها جاكرتا على هذا الاقليم، ويتضح ذلك من عملها المستمر الرامي إلى فصل جنوب السودان عن السيادة التي تتمتع بها الخرطوم على أرض إقليمها الجنوبي، ووصف هذا المسلك الأمريكي بالتدخل السافر في شؤون الوطن السوداني، وبالتالي تصبح ضد الحكومة السودانية وفي نفس الوقت ضد المعارضة السودانية الحريصة على وحدة السودان بدليل عملها الموحد تحت مظلة التجمع الوطني الديمقراطي.
عداء أمريكا لا ينصرف فقط على السودان، وإنما هو عداء لكل الاقليم، بدليل اقامتها حلفاً عسكرياً يربط تركيا بإسرائيل بهدف اخضاع هذا الاقليم للسيطرة العسكرية التركية الاسرائيلية,, والبلدان لهما روابط حميمة مع واشنطن: أنقرة بعضويتها في حلف شمال الأطلنطي الناتو وتل أبيب باعتبارها الحليف الاستراتيجي لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط، فإن تمت سيطرتهما العسكرية على الاقليم تحقق لواشنطن من خلالهما السيطرة عليه وإخضاعه للنفوذ الأمريكي الذي أخذت تتضح معالمه من وساطتها في المباحثات الرسمية في منطقة الشرق الأوسط التي اتسمت بالهوى الذي يعشق اسرائيل ويعادي العرب بكل ما أدى إليه ذلك من تعثُّر للمفاوضات مع الفلسطينيين وإيقاف للمفاوضات مع السوريين، وضرب للبنانيين لترسيخ الاحتلال لأراضيهم في الجنوب.
الحلف الاسرائيلي/ التركي جعل انقرة تتجاهل تماماً المساعدات العربية في نكبة الزلزال الذي ضربها في اسطنبول وتهلل للمساعدات الاسرائيلية المحدودة نسبياً بما قدمه العرب من مساعدات كبيرة لها، الترحيب التركي جعل رئيس الوزارة الاسرائيلية يهودا باراك يصل تركيا يوم الاثنين الماضي 25 أكتوبر 1999م ليفتتح القرية الاسرائيلية التركية التي قامت ببنائها وزارتا الدفاع والخارجية الاسرائيليتان وتحملت تكاليفها الولايات المتحدة الأمريكية للتخفيف من آثار الزلزال الذي ضرب تركيا.
لم تكن زيارة رئيس الوزارة الاسرائيلية يهودا باراك لافتتاح تلك القرية الاسرائيلية التركية لأنه أجرى مباحثات موسعة في أنقرة مع الرئيس التركي سليمان ديميريل ورئيس الوزارة التركي بولنت أجاويد واتفق معهما على توسيع مجالات التعاون بين البلدين في كل المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية الأمر الذي استلزم إنشاء صندوق مشترك للتعاون التكنولوجي والاقتصادي.
واجتمع على الجانب الآخر مع وزير الدفاع التركي سبحتين تشيمكودلو وعقد معه مفاوضات بحضور العديد من الجنرالات الأتراك وأبرم معهم أربعة صفقات عسكرية كبيرة الهدف منها تقزيم الدول في إقليم الشرق الأوسط حتى تستطيع أنقرة وتل أبيب السيطرة الكاملة على مقدرات هذا الاقليم بعد أن تتحول دوله الى دويلات صغيرة لا تستطيع الدفاع عن مصالحها.
التقزيم لدول الشرق الأوسط هو في واقعه سياسة أمريكية ورد ذكرها في الفصول الثلاثة المنزوعة من كتاب الدكتور هنري كيسنجر بامر من مجلس الأمن القومي الامريكي، وظهر كتابه أيامي في البيت الأبيض بدون هذه الفصول الثلاثة، غير ان عمال المطبعة الذين طبعوا هذا الكتاب استطاعوا تهريب هذه الفصول الثلاثة وتم توزيعها كمنشورات في داخل أمريكا وانتقلت الى خارجها حتى وصلت إلينا بدون تنسيبها للدكتور هنري كيسنجر، لأنها خارجة عن نطاق كتابه.
هناك من يقول في الأوساط الثقافية ان تهريب عمال المطبعة لتلك الفصول الثلاثة قد جاء بأوامر صادرة من البيت الأبيض الذي أراد ان يعلن عن سياسته في تقزيم دول منطقة الشرق الأوسط دون أن يستطيع أحد القول اشهدوا عليه غير أن محاولاته الرامية الى تنفيذ سياسة التقزيم على دول الاقليم تقدم الدليل القاطع على البيت الأبيض ممارسته للإرهاب ضد الدول والاقليم بالقنبلة السياسية الموقوتة التي فجّرتها مادلين كوربيل أولبرايت في دار السلام ضد السودان خصوصاً وأنها أخذت تطالب بدعم جون قرنج للانفصال بالجنوب لإقامة دولة مستقلة عليه بحجة الاختلاف العرقي الذي يفصل الجنوب بأصوله الزنجية عن الشمال بأصوله المرتبطة بالعروبة.
لم تكن هذه القنبلة السياسية الموقوتة هي الممارسة الأمريكية الارهابية الوحيدة، فلقد سبق ان فجرت امريكا قنبلة موقوتة في مصر بادّعاء الاقباط المصريين الذين يعيشون خارج مصر وبصفة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية بأن الأقباط في الوطن المصري يسامون سوء العذاب بسبب التفرقة الدينية، غير أن مصر استطاعت التصدّي لهذه القنبلة وأبطلت مفعولها بفتح حوار حضاري مع اقباط مصر وكان أبرز المتحدثين منهم البابا شنودة الذي قرر بوضوح ان الاقباط بمصر ينعمون بكامل حقوق المواطنة ولا فرق في المعاملة بين الناس بمصر على أساس الاختلاف الديني، لأن المصريين سواءٌ يتشاركون في الافراح والاتراح ويتكاتفون في الكفاح ضد المستعمر عندما كانت بريطانيا تحتل وطنهم ويحاربون جنباً الى جنب في سبيل تخليص ارض بلادهم وكانت حرب 6 أكتوبر أكبر دليل على ذلك حيث شارك فيها المسلمون والاقباط.
لم تخجل أمريكا من الموقف الذي أعلنه البابا شنودة عن اقباط مصر ووصف فيه الاقباط المصريين في المهجر بالجهل لطبيعة أوضاعهم في داخل بلادهم وأن أقوالهم الانفعالية مرتكزة على الباطل بعد أن قامت امريكا بتسييس عقيدتهم الدينية في سبيل أهدافها داخل هذا الاقليم، وإنما صدرت من أمريكا أقوال أكثر انفعالاً تقرر بأن ما قاله البابا شنودة غير صحيح وأنها لا تصدقه حتى لو جاء الى واشنطون وردّد هذه الأقوال أمامها.
مهما كان الموقف الأمريكي فان رأي الاقباط الصاعد من داخل مصر قد ألغى مفعول القنبلة الموقوتة ضدها واستطاعت الحفاظ على وحدة الوطن حتى ولو كره الامريكان وبالتالي استطاعت ان تصفع الباب في وجه واشنطن التي أرادت توظيف قضية الاقباط في خلخلة الوحدة الوطنية وحرمان مصر من عمقها الدفاعي، وهما يجعلانها قادرة على الوقوف العسكري والسلمي ضد الحلف الذي أقامته امريكا في منطقة الشرق الأوسط بفتح الروابط بين أنقرة وتل أبيب لتوظيف عدائهما التقليدي ضد العرب,, تركيا التي لا تنسى محاربة العرب لها في أثناء الحرب العالمية الأولى وتواصل وصفها لهم بعرب خيانات وتنسى متعمدة بأن خروج العرب عليها جاء من عدوانها عليهم بسياسات التتريك التي فرضها حزب الاتحاد والترقي,, وعداء اسرائيل للعرب قد بدأ من يوم اغتصابهم لأرض فلسطين في سنة 1948م وزاد من معدلات هذا العداء مطالبة العرب باسترجاع أراضيهم المحتلة في سنة 1967م مقابل الاتفاق معهم على السلام.
بعد ان فشلت امريكا في تقزيم مصر عن طريق الضغط على الاقباط بها بالاقباط من خارج مصر، لجأت الى استغلال الأوضاع القائمة بالسودان والوقوف ضد كل صلح بين الحكومة والمعارضة، حتى تستطيع تحريض جون قرنج على الانفصال بجنوب السودان لتقوم عليه دولة جديدة مستقلة، فتصبح دولة قزمة في الوقت الذي تقزم فيه السودان بفصل جزء من إقليمه عنه، وبالطبع يقوم العداء بينه وبين الدولة الجديدة المنفصلة عنه، ويؤدي ذلك الى استمرار الحرب بين الدولتين، إما بالصدام العسكري وإما بحرب باردة ينفق عليها أموال طائلة من البلدين بصورة تحجب عنهما القدرة على الانفاق في مجالات التنمية والتطور فيظل الشعب بهما مكانك سر في متاهات العوز والفاقة اللتان تحجبان عنهما الحياة الديمقراطية، لأن الناس في هذه الأوضاع المتردية سيهتمّون بالجري وراء لقمة العيش والانصراف الكلي عن المساهمة في الحياة السياسية داخل البلدين، فالجوع بطبيعته يلغي الاهتمام بكل الحقوق الانسانية الاجتماعية والسياسية.
غياب الاحساس بهذه الحقوق يجعل من المستحيل الوصول الى اتفاق بين المعارضة السودانية التي يعبَّر عنها التجمع الوطني الديمقراطي، وبين الحكومة القائمة في الخرطوم، فتتواصل الحرب بينهما بسبب غياب المؤسسات الديمقراطية التي تحقق التقارب بينهما لانصراف الحكومة الى مسارات تسعى فيها لتوفير لقمة العيش للشعب المسحوق بالقتال والمعاني من نقص في الأموال والأرزاق.
الموقف الأمريكي يتناقض مع نفسه بأفعاله التي تختلف عن أقواله، فهو ينادي بالديمقراطية، ويسعى الى ترسيخ الديكتاتورية في السودان، ويطالب بعبارة حقوق الانسان في الارض، ويعمل على انتهاك حقوق الانسان في السودان، والحق يقال ان الموقف الأمريكي لا يرسخ الديكتاتورية وينتهك حقوق الانسان في السودان وحده، وإنما في العديد من دول العالم في اقاليم مختلفة، لأن محرك السياسة الخارجية الأمريكية هو رغبتها في السيطرة على الجميع من خلال فرض المعاناة عليهم.
هذا المسلك السياسي الامريكي القائم بزرع القنابل السياسية الموقوتة في الاقاليم المختلفة يمثل أبشع صور الارهاب السياسي الذي يفوق في حجمه ونتائجه عدوان العصابات الارهابية، لأن امريكا بأعمالها الارهابية تضحي بكل الناس وتعتدي على كل الأوطان في سبيل تحقيق مصالحها الذاتية الرامية الى حكم الجميع.
|