* القاهرة - مكتب الجزيرة - سامي القمحاوي
أبو المعاطي أبو النجا اديب استطاع ان ينسج خيوط تجربته القصصية بحيث لم يقع اسير الواقع الحرفي، ولم يهرب الى عالم الفنتازيا بتهاويله الخرافية فجاءت مجموعاته القصصية كتجارب حافلة بكل ما هو إنساني، فهو يرصد الواقع بمفرداته الحسية وتفصيلاته الدقيقة وفي نفس الوقت لا تغفل عيناه عن الشخصية الإنسانية فيتوغل في تضاربها النفسي ويبرز قسماتها حتىشهد له النقاد بانه ابرع اديب عربي كتب القصة النفسية.
اصدر روايتين هما (العودة إلى المنفى) عام 1969، (ضد المجهول) عام 1975، واصدر كتابا نقديا يضم مقالات في نقد القصة والرواية العربية عام 1997 تحت عنوان (طرق متعددة لمدينة واحدة) كما اصدر ما بين عامي 1961-1984 سبع مجموعات قصصية هي (فتاة في المدينة)، (ابتسامة غامضة)، (الناس والحب)، (الوهم والحقيقة)، (مهمة غير عادية)، (الزعيم)، (الجميع يربحون الجائزة)، وبعد غياب عن الكتابة الإبداعية اصدر مؤخرا مجموعته القصصية الثامنة (في هذا الصباح) ضمن سلسلة اصوات ادبية التي تصدرها هيئة قصور الثقافة المصرية.
الكتابة الجميلة كالدعاء مستجاب
* جاءت مجموعتك الجديدة (في هذا الصباح) بعد غياب طويل عن الكتابة الإبداعية، لماذا كان هذا التوقف وهل للنقد علاقة بذلك؟.
- الكتابة عندي ليست نوعا من الوظيفة او العمل الذي يجب ان يقوم به الإنسان كل يوم ولست اريد ان اقلل من قيمة اولئك الكتاب الذين يمارسون الكتابة كل يوم فبعض كبار الكتاب يفعلون ذلك ولهم حجج معقولة عن الجوانب الإيجابية لعادة الكتابة اليومية، ولكن لا احد يعرف على وجه التعيين متى ولا كيف تجيء الكتابة الجميلة كما لا يعرف المؤمن متى يتقبل الله دعاءه ولهذا فجب ان يدعو كل يوم.
المسألة باختصار تختلف من كاتب لآخر اما بالنسبة لي فدعني اقول لك تبريرا دون ان اطلب منك تصديقه فانا لا اتوجه لكتابة الا اذا كانت لدي فكرة اتوهم انها جديدة ومختلفة - على الاقل بالنسبة لما سبق لي ان كتبته - او ما كتبه غيري ممن اتيح لي ان اقرأ لهم او عما هو سائد بين الناس من افكار او رؤى والذي حدث في السنوات والعقود الاخيرة ان الدنيا قد زلزلت واصبحت المقدمة الطبيعة لتقديم فكرة جديدة تعني ان نفهم اولا ما الذي جرى لنا ومن حولنا وهذا امر يدعو على الاقل الى شيء من الترتيب صحيح ان المبدع يمكن ان يجىء ابداعه تعبيرا عن هذه الحيرة واظن انني فعلت ذلك مرة او مرات ولكنني لا احب ان افعل ذلك دائما واحيانا افضل الانتظار وهكذا جاءت (في هذا الصباح).
* تركز في معظم إبداعاتك - وفي هذا الصباح - على الجانب النفسي الداخلي للإنسان,, ما اهمية البعد النفسي في بناء الشخصية عندك؟!
- في ظني ان الجانب النفسي الداخلي للإنسان وللشخصية الروائية بخاصة هو الجانب الذي تسعى كل الاعمال القصصية او الرواية لرصد حركته ولتسجيل نبضاته بقوة وأمانة كل ما في الامر ان الكتاب في سبيلهم للوصول الى هذه الغاية يسلكون سبيلين فبعضهم يهتم برصد السلوك الخارجي للشخصية، السلوك الظاهر للعيان قولا او فعلا وهو هنا يرصد هذا السلوك في علاقته بسلوك الشخصيات الاخرى وفي الواقع الخارجي المرئي ويرى ان هذا الرصد هو الطريقة المثلى والاكثر صدقا في رصد الجانب النفسي الداخلي، كما ان الاكتفاء بمثل هذا الرصد الخارجي يترك هامشا واسعا من الحرية للقارىء في استكشاف الجانب النفسي الداخلي وهو ما يناسب القارىء ويمنح فرصة لتعدد التاويلأت والتفسيرات.
اما البعض الاخر من الكتاب واظنني منهم فهم لا يركزون على رصد السلوك الخارجي وحده، وانما يتابعون مظاهروخفايا هذا السلوك في الخارج كما هو في الداخل وفق ما تقتضيه طبيعة الموقف في القصة او في الرواية المهم ان يتم هذا الرصد لسلوك الشخصية سواء في الداخل او في الخارج بقدر هائل من الحياد والشفافية ومن خلال وجود مساحة بين الكاتب وشخصياته تسمح بالقدر نفسه من حرية للقارىء في تفسير سلوك الشخصيات وتأويلها.
بين الإبداع والنقد
* اصدرت كتابا نقديا في نقد القصة والرواية بعنوان (طرق متعددة لمدينة واحدة),, ايهما اقرب الى نفسك الكتابة الإبداعية ام النقدية وكيف ارتبط في عالمك النقد بالإبداع وكيف كانت العلاقة بينهما؟!
- الكتابة الإبداعية هي الاقرب الى نفسي كما كانت هي الاكثر انجازا علي، ان حجم الإنجاز عندي سواء في القصة القصيرة ام في الرواية ام في النقد كان يتأثر دائما بظروف خارجية وانتهز فرصة هذا السؤال لاعترف لك بانني كنت دائما اعايش هاجسا داخليا ملحا كان يجعلني اعتقد بانني لابد وان اكتب للمسرح واتذكر انني كتبت بعض القصص القصيرة التي تنطوي على افكار تصلح لمسرحيات في انتظار ان تسمح الظروف بإعادة كتابتها في مسرحيات ولكن الكتابة للمسرح كانت تتطلب ظروفا غير التي عشتها كانت تتطلب علىالاقل ان اعيش في كواليس المسرح وان اقترب من عالمه الفعلي، وهذا ما لم تسمح به ظروف حياتي وربما شخصيتي الاقرب الى الانطوائية لقد كانت القصة القصيرة هي الشكل الاكثر مناسبة لظروف حياتي ولشخصيتي التي تميل الى الانطوائية والتأمل، وحين واتتني فرصة للتفرغ اثناء وجودي في الوطن كتبت روايتين وكان لدي مشروع روائي لرصد جوانب من حياة ذلك الجيل الذي خرج من الحياة في الريف الى الحياة والعمل في المدينة ولكن هذا المشروع توقف بعد سفري للعمل في الخارج.
وخلال حياتي في الخارج كانت القصة القصيرة مرة اخرى هل الشكل الاكثر ملاءمة للكتابة الادبية فهي عمل يتوقف انجازه على جهودي وحدها، كما انها عمل يمكن انجازه في اوقات الفراغ المتقطعة التي بالكاد تسمح بها ظروف العمل في الخارج كما ان كتابة المقال النقدي كانت هي الاخرى ملائمة لهذه الظروف، وفي الواقع ان ميلي للكتابة عن الكتب وبخاصة القصة والرواية كان ميلا قديما وله صلة بميلي للتأمل والعزلة وفي اثناء الغربة كان عندي دافع قوي لمتابعة الاعمال القصصية والروائية التي تصدر في ارجاء الوطن العربي لكي ارى بعيون المبدعين العرب خفايا ذلك التغيير العاصف الذي ألم بوطننا العربي بل وبالعالم كله في السبعينات وما بعدها كما ان فرصة العمل في مجلة العربي اتاحت لي فرصة هذه المتابعة النقدية ونشرها في المجلة كجزء من هذا العمل وكتابة المقال النقدي عندي تشبه الى حد كبير كتابة القصة القصيرة، فهي نوع من الإبداع يثيره عندي قراءة مجموعة قصصية او عمل روائي اعيد قراءته فيما اكتب بحثا عن المعاني والدلالات الظاهرة والخفية فيه مثلما اكتب قصة قصيرة عن تجربة امر بها في حياتي في كلا الحالتين تأثر بتجربة في كتاب و في الحياة وعملية فك وتركيب بحثا عن المعنى والدلالة وتطلعا الى ان يجيء المقال النقدي مثلما تجيء القصة القصيرة عملا موازيا للنص الادبي والنقد فكلاهما عملية تحليل وتركيب للواقع او لنص ادبي وصولا الى صياغة جديدة موازية ومرتبطة ومستقلة في الوقت ذاته.
الغربة تثري الرؤية
* قضيت خمسة عشر عاما بعيدا عن مصر,, ماذا اضافت تجربة الغربة والعمل في الخارج لابو النجا المبدع وماذا اخذت منه؟!
- في تقديري ان تجربة الغربة والعمل في الخارج كانت لها على عملي الإبداعي تأثيرات مختلفة يمكن ان نصف بعضها بالإيجاب وبعضها بالسلب، فمن جوانب الإيجاب انني اقتربت بحكم العمل في الكويت من مجموعات المثقفين العرب الذين عملوا هناك في الفترة التي عشتها هناك ومن فئات اخرى من العاملين وتعرفت على رؤاهم المختلفة لقضايانا الثقافية والحياتية ومشكلات العمل خارج الوطن وتناولت في القصص القصيرة التي كتبتها في تلك الفترة وقد ظهرت في بعض مجموعاتي القصصية العديد من هذه المشكلات برؤية اظنها ما كانت تتاح لي لو بقيت في مصر، كما ان زياراتي لمعظم الاقطار العربية وهي الزيارات التي اتاحها لي عملي في مجلة العربي اتاحت لي الفرصة للتعرف عن قرب على جوانب من واقع الحياة في تلك الاقطار كما أتاحت لي الفرصة لإجراء حوارات مع عدد من الادباء والمفكرين العرب واعترف ان هذه اللقاءات والزيارات اسهمت كثيرا في إثراء رؤيتي للعديد من قضايانا القومية والوطنية والثقافية، فحياة الكاتب داخل حدود وطنه فحسب تعمل بطريقة آلية - ومهما تكن وسائله للاتصال بالخارج - على تثبيت كثير من الرؤى والمسلمات وهو الامر الذي لا ينجح في زلزلته سوى الخروج والاتصال المباشر بمواقع جديدة واناس مختلفين، فانت خارج وطنك تصبح اكثر فردية واكثر استقلالا في تفكيرك كما انك تكتشف في نفس الوقت ينابيع جديدة لتغذية هذه الفردية وهذا الاستقلال فتصبح أكثر قدرة على الالتحام بالآخر والحوار معه والاقتراب منه وفهمه.
اما الجوانب السلبية فقد كان من اهمها التوقف الذي حدث لمشروعي الروائي، الذي كان يحتاج المضي فيه الى نوع من التفرغ المستمر لم اكن املكه وانا اعمل في الخارج بشروطه وظروفه، كما كان يحتاج الى قدر من المتابعة المستمرة للمتغيرات اليومية داخل الوطن الذي اصبحت بعيدا عنه إلا من زيارة او زيارتين كل عام.
على كل مازلت اطمح وقد عدت الى الوطن والتحمت به فترة يمكن ان تملأ الفراغ الذي حدث وان اعود الى تجربة روائية مختلفة تلتحم خلالها تجربة العمل في الخارج مع تجربة العودة الى الوطن في وحدة لاتشكو من الصدع أو التشقق.
* كنت تطالب بمساحة اكبر للثقافة في التلفزيون,,, فماذا يمكن ان تقدمه القنوات الثقافية للأدب من وجهة نظرك، وكيف تخدمه السينما ايضاً؟
- التلفزيون بعامة وليست القنوات الثقافية وحدها يمكن ان يسهم في احداث ثورة ثقافية بالفعل، والامر يتوقف على تحديد الدور المناط بهذا الجهاز الخطير وبخاصة في مثل ظروف بلادنا,فالتلفزيون يمكن ان يحسم تلك الحرب الممتدة منذ عقود طويلة ضد الأمية لتنتهي تلك الوصمة عن بلادنا فيصبح في عالمنا العربي مائتا مليون قارىء ولك ان تتصور تأثير ذلك على عالم الثقافة والمعرفة في امتنا العربية كما ان العديد من الأعمال القصصية والروائية يمكن ان تتحول الى مسلسلات تلفزيونية جيدة تدفع بملايين من القراء الى البحث عن هذه الأعمال في شكلها القصصي والروائي وليس مجرد الاكتفاء بمشاهدتها.
كما ان عددا من اصحاب المواهب الروائية الاصيلة قد يتجهون رأسا الى كتابة اعمالهم في شكل سيناريو للتلفزيون وما يعنيه ذلك من الارتقاء الطبيعي بنوعية المسلسلات التلفزيونية وبما يضيق المسافة بين الرواية الجيدة والمسلسل الجيد.
اما القناة الثقافية فيمكن من خلال برامج حوارية وثقافية جيدة ان تلقي بالضوء على الكتب الثقافية الهامة وعلى الأعمال الروائية الجيدة والتي قد لا تصلح إلا للقراءة وحدها فتلفت انظار المشاهدين للبحث عن مثل هذه الكتب والروايات وقراءتها,وما قلناه عن التلفزيون يمكن قوله عن السينما مع مراعاة الفوارق بين الأداتين بما يلائم اختلاف نوعية المشاهد بين السينما والتلفزيون.
|