لحظاتُ تحركِ حجم المكروباص باتجاه الحي السكني الضخم، انقذف رجل بجسده المنهك وكأنه مليون شخص، لقد كان مشتتا وبدا هذا التشتت واضحاً على سحنته، لقد كان يريد ان يلملم ذاته فيفشل, وكانت ثمة حقيبة جلدية مهترئة بيديه، أجال بنظرات عجلى بين المقاعد وسط نظرات الركاب المتهاطلة عليه وارتمى على مطرح بحجم نصف مقعد مسبباً الضيق في الجلوس للراكبين الجالسين في ذات المقعد حيث رمى بجسده كجثة وينظر اليهما بنظرات توسلية ليسمحا له اوحتى ليرحماه, اطلق صفيراً على شكل حريق وانتشى قليلاً عندما تأكد بأن الرجلين سمحا له بذلك, في تلك اللحظة تناهى صوتُ ابنتُه ذات الست سنوات في مسمعه: هات لي معك كتاب قراءة,.
مدّ اصابعه الى احشاء الحقيية، تلمس الكتاب واحس باطمئنان, تناهى صوت ابنته ذات التسع سنوات: هات لي كتاب ديانة,, مدّ اصابعه الى احشاء الحقيبة الجلدية السوداء المهترئة تلمس الكتاب واطمئن عليه.
ران صدى صوت ابنته ذات الاثني عشر ربيعاً: هات لي خارطة الوطن,, مد اصابعه الى احشاء الحقيبة، تلمس الخارطة واطمئن عليها.
عندئذ غاب في غفوة لم يكن ليحس بشيء من حوله لولا صوت الجابي الذي انهضه طالباً اجرة الركوب، وبغتة انتفض واحس بنفسه وقد سقط في بئر عندما مدّ يده الى الحقيبة ولم يجدها على ركبتيه!!.
صرخ بالجابي وبكل الركاب: من اخذ الحقيبة؟ وانهالت عليه نظرات الدهشة من الجميع,, ومع صراخه توقف الميكروباص واتفقوا فيما بينهم بأنه رجل مهلوس فأجبروه على النزول ليتخلصوا من صراخه,, ولكن الرجل لبث يصرخ وهو يجري خلف المكروباص: الحقيبة,, الحقيبة,, الحقيبة,, ومع كل نداء يزداد قناعة بأنها كانت بحوزته بالفعل وانه لابد وان يعثر عليها ويأخذها لاولاده الذين ينتطرونها.
عبدالباقي يوسف