* الرياض - الجزيرة
ألقى معالي وزير المعارف د, محمد بن أحمد الرشيد مساء أمس الاربعاء كلمة المملكة امام المؤتمر العام الثلاثين لمنظمة اليونسكو، الذي ينعقد خلال الفترة من 17/7 إلى 9/8/1420ه في باريس.
وقال معاليه في كلمته: أود ان اؤكد لكم حرص المملكة على دعم اليونسكو إيمانا منها بمبادئها وأهمية الاهداف التي قامت عليها، وهذا الايمان راسخ منذ ان اشتركت المملكة في اجتماع لندن التأسيسي للمنظمة وصادقت على ميثاق التأسيس فكانت بذلك ثالث دولة من الدول الاعضاء، ،من الدول السباقة للتعبير عن موقفها تجاه منظمتنا العتيدة.
ولست هنا في سبيل تعداد اوجه التعاون بين المملكة وبين المنظمة منذ ذلك الزمن لانها كثيرة ومتنوعة، ولكني اقرر ان ابرز البراهين على دعمنا لليونسكو هو اقدامنا على ترشيح احد ابناء المملكة الاكفاء ليكون مديراً عاماً لليونسكو وتبنت هذا الترشيح كل الدول العربية، ودول منظمة المؤتمر الاسلامي، وحين رشح المجلس التنفيذي لليونسكو لمؤتمركم العام مديراً عاماً آخر سارعنا إلى الترحيب به والتعبير عن استعدادنا للاستمرار في التأييد والتعاون, وأرغب المبادرة بالتأكيد على دعوة المدير العام المرتقب لزيارة بلادي، لعلها تكون اول رحلة له خارج مقر المنظمة.
ومضى د, الرشيد يقول: واسمحوا لي في هذه المناسبة التي يوشك ان ينهي معالي البروفوسور فيدريكو مايور فيها مهام عمله مديرا عاما للمنظمة، ان اهنئه من الاعماق على ما أنجزه، واشكره على كل مواقفه البناءة وسعيه الحثيث للمضي باليونسكو نحو الغاية المرسومة لها من خلال برامجها وأوجه نشاطها، وأدعو له بالتوفيق وأؤكد له ان صداقته مع المملكة صداقة دائمة ومستمرة.
وأضاف معاليه: ان قوة منظمتنا وسحر جاذبيتها لم يأت من فراغ، فقد انشئت، ونرجو ان تبقى ذلك الضمير الحي المجتهد الذي يزداد نضجا باستحواذه على القدرات الفكرية والمادية والتقنية المتطورة، ويعين الدول الاعضاء في كل ما يخص نماء الحوار الحقيقي بين الثقافات والأديان ويجنب الشعوب المخاطر والمخاوف التي نمت وترعرعت نتيجة ثورة المعلومات، ويحفظ للشعوب والدول هويتها وتقاليدها وتراثها، ويحميها من هيمنة وسيطرة وتحديات العولمة, لهذا كان لابد من وجودنا في مثل هذا المحفل، لكي يتغلب حوارنا المتكافئ على اختلافاتنا، ولهذا نوقن بالدور القيادي لهذه المنظمة، ونزداد ايمانا بمبادئها وميثاقها وأهدافها وبرامجها التي نسعى معا إلى تحقيقها.
وفي سياق تعزيز مسارات منظمتنا، وبمناسبة تعيين مدير عام جديد لها، اسمحوا لي ان اتقدم الى مؤتمركم باسم بلادي برؤية نتمنى فيها على المدير العام الجديد ان يبذل قصارى جهده بالتعاون مع المجلس التنفيذي لتحقيق اهداف المنظمة السامية من خلال الآتي:
- أن تزداد قوة المنظمة باعادة هيكلة البنية على اسس سليمة تمنع التشتت وبعثرة الجهود والازدواجية.
- أن تكثف المنظمة جهودها وخبرتها بالتعاون مع الدول الاعضاء من خلال خطة عمل واضحة واسلوب ومنهج قابلين للتنفيذ.
- أن يتوفر للأمانة الكفاية والخبرة، وقوة التنؤ ورصد المشكلات والقدرة على المتابعة.
- تبقى المنظمة العين المراقبة، والضمير الواعي، لمعرفة ما يدور في عالم البيولوجيا للحفاظ على النسل البشري وحمايته من المستحدثات المهددة لوجوده أو نقاوته.
- أن تعيد النظر في حسن استعمال الموارد المخصصة بالمكاتب الميدانية، فتلغي بعضها، وتجمع بعضها الآخر، وتولي امر اللامركزية البعد اللازم لانجاحها.
- أن تعمل المنظمة بموجب الانظمة والقواعد التي وُضعت لتحكم سير عملها، فلا تترك فرصة للخروج عن القواعد الضابطة التي تخص مختلف اوجه عمل الامانة.
- وأخيراً لابد للمنظمة من تنفيذ ما ورد في ميثاق اللجان الوطنية من حيث اعتبارها الشركاء الاوائل المعنيين في اداء رسالة المنظمة.
وأضاف معاليه: لقد كان لنا شرف المشاركة في اعمال المجلس التنفيذي خلال السنوات الاربع الماضية، وتناول المجلس ولجانه المختلفة بكثير من التمحيص والتدقيق والمناقشة والمراجعة تفاصيل ما ورد في مشروع البرنامج والميزانية لفترة 2000 - 2001م واننا نؤيد ما ورد في المشروع وفي الملحق الذي تقدم به المجلس، وستقوم اللجان المنبثقة عن المؤتمر بوضع اللمسات الاخيرة على ما ورد في مشروع الخطة.
ولكننا على يقين بأن نتائج تنفيذ هذا البرنامج تتوقف أولا وآخرا على المدير العام والامانة التي تعمل تحت رعايته، ولهذا لابد لنا من ضرورة التأكيد على الآتي:
1- أهمية التقيد بالاولويات في كل برنامج رئيسي وفرعي.
2- مراعاة التوازن الجغرافي الذي يجب ان يحكم تنفيذ الانشطة.
3- الاهتمام بالنشاط الذي يدعم مجمل الجهود المحلية والوطنية والاقليمية.
4- اعتماد مبدأ الترشيد بالانفاق مع حسن الاداء والتنفيذ.
5- تبني مبدأ التقويم والمتابعة والشفافية في كلتا الحالتين.
وفي السياق نفسه، لابد من الالحاح على ضرورة الاهتمام بالتراث العربي والاسلامي الذي يمكن ان تلتقي مضامينه ومحاوره مع الثقافات الاخرى، كما نشدد على ضرورة دراسة اوجه القصور التي أدت إلى التقلص في استعمال اللغة العربية واصدار مطبوعاتها،هذه اللغة الحية لغة القرآن الكريم ، برهنت وأكدت ان المعرفة الانسانية متراكمة، لا يستغني فيها المتأخر عن المتقدم، وقد كان للعرب فضل المحافظة على علوم حضارة اليونان، ونقلها، وتنقيحها، والزيادة عليها، فكانت الاندلس المعير الاول للحضارة العربية الاسلامية إلى الديار الغربية من اوروبا.
وشدد معاليه في كلمته على ان القضاء على الامية والفقر، والتخفيف من قسوة الشقاء الانساني وتوجيه الانظار للاولويات التي وردت في البرنامج 2000 - 2001 يستوجب عملا وجهدا وعزما وارادة سياسية على الصعيد الوطني كما يستوجب تصميما دوليا وتضامنا وسخاء لمد يد العون الفني والمادي للدول المحتاجة لهما, بذلك تترسخ الاسس المتينة لدرء النزاعات، وتقليل الفوارق والتفاوت، وغرس الديمقراطية وممارساتها، والوصول إلى المجتمعات المحلية والمحرومة والمهمشة، وغيرها، من اجل ان تتسع شواطئ السلام.
والسلام في رأينا لا تتسع افاقه ولا تحترم قدسيته إلا اذا استطاع المجتمع الدولي تحرير الشعوب من ظلم وبطش وقهر سلطات الاحتلال، كما هو حال شعوب الاراضي المحتلة في فلسطين والجولان ولبنان وغيرها، وبالتزام دولة الاحتلال بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، فالسلام في الشرق الاوسط إذا لم يكن عادلا شاملا ترعاه الشرعية الدولية يكون كمن زرع الريح، فلا يحصد إلا العواصف.
وعلى الصعيد العالمي قال معاليه: نجد انفسنا امام اختلال المعادلة بين عظمة تقدم الانسان في المعرفة وتراجعه في السلوك، كما يشهد عالمنا نزاعات مؤلمة وعنفا وعدوانية، لم نسمع بها من قبل، مما أدى إلى اتساع الفوارق داخل الامم وفيما بينها، وإلى تفشي العدوان، وتراجع القيم النبيلة التي هي جوهر الحضارة الانسانية، وأصبحنا في وضع من يبحث عن سبيل الخلاص، واصبح ما يهدر في ميزانيات التسلح أو وقف النزاعات اضعاف اضعاف ما يصيب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويبدو ان آمال المتفائلين بالرخاء والسلام العالمي، بعد انتهاء الحرب الباردة، لم تتحقق، فما زال المجتمع الدولي دون نظام دولي اخلاقي عادل يعيد للدول الطمأنينة ولشعوبها حق العيش بسلام.
وفي إطار ثورة المعلومات، يبدو لنا واضحا كيف ان الانجازات المتسارعة في هذا المجال قد احدثت اختلالا في التوازن بين حق الانسان في الحصول على المعلومات ووسائلها، وانعدام السبيل لاقتنائها من جهة، وبين وفرتها لغيره في شعوب وامم اخرى من جهة ثانية، الامر الذي يستوجب دعم التوجه الذي تقوده اليونسكو للحفاظ على هذا التوازن وحماية الثقافات المختلفة من الخلل، كما يستدعي دعم جهود الدول الاعضاء من اجل تضييق الفجوة التي اخذت تتسع بين الذين يملكون المعرفة المتقدمة وأدواتها، وبين المحرومين منها.
إن ما نشهده من سرعة تطور المعلومات وأدواتها يفوق باضعاف ما تقوم به على الصعيد الوطني من تدريب وتجهيز وبرمجة للاستفادة منها، لكن مواكبة هذه القفزات العلمية والتقنية ليست بالامر اليسير، لأن التحدي الكبير الذي يواجه جهود التنمية يستوجب التعاون الثنائي والدولي وإعطاءهما اهم الاولويات في اعمالنا.
وأبد معاليه ما ورد من توجهات في مشروع البرنامج والميزانية من حيث توجيه الانظار نحو الاولويات في برنامج افريقيا، وتركيز الجهود لمصلحة الدول الاعضاء الاقل نمواً، والدول الاعضاء ذات الكثافة السكانية لتشمل الأنشطة - فيما تشمل - الفعاليات الموجهة نحو المرأة والشباب، والمحرومين، ورفد جهود الدول الاعضاء، واعانتها في استيعاب الاطفال في سن التعليم كي تتعزز في قلب الانسان وروحه قيم تقدير الحق الانساني، والحفاظ على حقوق الآخرين وتتعاظم أيضا قدرة الانسان في بناء القيم الاخلاقية التي تحمل في مضمونها وجوهرها ابعاد التفاهم المشترك فيما بين البشر والعيش المشترك في هذه القرية الكونية.
ونحن في المملكة بتأييد متواصل من قيادتنا السياسية وبمساهمة واعية من فعاليات مجتمعنا، وبمشاركة دؤوبة من اسرة التربية بمختلف مستوياتها، قد انجزنا العديد من المشاريع في تطوير نظمنا التربوية وأساليبها من خلال تنفيذ خطة ذات مراحل واضحة وآليات تضمن دقة التنفيذ والمتابعة بما يتطلب الامر من مرونة وتيسير في التطبيق.
ومن هذا المنطلق تتواصل جهودنا لاثراء مضامين التعليم، لتنتقل في اناة ودأب مخطط، ومع العزم والتصميم، الى التكامل، وممارسة التفكير الناقد، والتأكيد على التطبيق والتجاوب مع البيئة ومتطلبات سوق العمل، ومن التجزئة المعرفية إلى التفاعل والتكامل بين المواد والتخصصات وحقول المعرفة الانسانية.
وقال معاليه : إن جهود المملكة لم تتوقف عند حدود التنمية والتربية على الصعيد الوطني، فقد رعت المملكة وأسهمت وتبرعت وقدمت خلال العقدين الاخيرين مليارات الدولارات لمشاريع التنمية في عدد من الدول الاعضاء في مختلف القارات، ولا يتسع المجال هنا لتعدادها او ذكرها, فلقد كان ذلك نابعا من ايمانها العميق بالاسلام الحنيف راعي الخلق والاخلاق، ومصدر القيم الروحية التي تعزز مكانة التسامح والتعددية وتآخي الانسان بأخيه الانسان، ويكرم المرأة والرجل على السواء ويقدس حقوقه المحفوظة بتعاليم الله في كتابه العزيز القرآن الكريم ويؤمن بأهمية الانسان صانع الحضارة الانسانية.
وقال معاليه: اننا نعي تمام الوعي ابعاد المشكلات التي نواجهها في اعداد الانسان في مسيرتنا، وندرك ان الطريق طويل، لكن رحلة الالف ميل - كما يقال- تبدأ بخطوة، وقد أمرنا الاسلام بالعمل وبالسعي، الذي يجب الا يتوقف ليعيش الانسان اولا بسلام مع النفس، ويعيش ايضا بسلام مع مجتمعه ومع الكون الذي يعيش فيه، وبذلك تنطلق طاقات الانسان للابداع ويستشعر متعة العطاء ويمتلئ قلبه بحب الآخرين، ويتعفف عن كل ما يلوث نعم الله عليه.
أصداء كلمة المملكة
هذا,, وقد وجدت كلمة المملكة العربية السعودية تفاعلا كبيرا من الحضور حيث رحبت الاوساط الاعلامية والثقافية المحيطة بأجواء هذه المناسبة العالمية الكبرى,, رحبوا بحرارة منقطعة النظير,, وطال ترحيبهم وتصفيقهم اعجابا بموقف المملكة العربية السعودية الحضاري الذي عبر عنه معالي وزير المعارف نائب رئيس المجلس التنفيذي لليونسكو في هذه الكلمة.
وكان هذا التصفيق الدال على شدة الانبهار والاعتزاز والاكبار لمواقف المملكة العربية السعودية الثابتة والمتزنة من القضايا العالمية التي تحمل مضامين الرؤية المشتركة لمصلحة الانسانية عموما، والتي انتهجتها السياسة الحكيمة لهذه البلاد المباركة عندما أكد معالي د, الرشيد دعم المملكة ومباركتها فوز مرشح اليابان ماتسورا وقال معاليه: ان المملكة العربية السعودية حين رشحت احد اعلامها لمنصب مدير عام اليونسكو انما تعيد إلى الاذهان حرص قيادة هذه البلاد المباركة على المشاركة العملية الدائمة في تدعيم عمل هذه المنظمة وغيرها من الهيئات والمنظمات ذات الأهداف السامية العليا وقد زاد من اعجاب الحضور الدعوة التي وجهها معاليه للمدير العام المنتخب عندما قال: إننا نتشرف بأن تكون المملكة العربية السعودية اول بلد يدعو ماتسورا (مرشح اليابان) لزيارتها بعد فوزه بمنصب المديرالعام لليونسكو.
ولقد كان هذا الترحيب الحار شهادة قوية لتواجد المملكة العربية السعودية على المستوى العالمي صوتا يمثل الامة العربية في هذه المحافل الدولية الكبرى، ومعبرا حقيقيا لمواقف المملكة التاريخية الثابتة تجاه كل القضايا العالمية المشتركة التي تهدف لخير الانسانية جمعاء.
وعد المراقبون هذا الموقف بأنه موقف حضاري للمملكة عندما اشاروا إلى ان المملكة العربية السعودية استطاعت من خلال مشاركتها في هذه المناسبة العالمية وتأكيد موقفها الثابت ان توصل صوت الامتين العربية والاسلامية بلغة العصر التي تنبني في مجملها على الثقافة والحضارة والحوار باعتبارها الوعاء الحقيقي للاندماج في موسوعة الاتصال العالمي عبر هذه المنظمة,, باعتبار المملكة الدولة الساعية دوما لابراز مكانة ومواقف الامة العربية في كل المحافل الدولية، وباعتبارها احدى اكبر الدول المحبة لخير البشرية والداعية عمليا إلى تحقيق التآلف العالمي، خاصة ونحن على اعتاب ألفية ثالثة من تاريخ البشرية، هذه الحقبة الزمنية الخطيرة التي تشهد نقلة علمية وحضارية كبرى تتطلب ان يكون العالم اكثر التحاما وتواصلا وانفتاحا على الثقافات ومعطيات الحضارة.
وهي بذلك تجسد دعمها ومواصلتها لاحتضان المشاريع العالمية العظمى، خصوصا وأنها - وفق كلمة معالي د, الرشيد من أوائل الدول التي وقعت على ميثاق هذه المنظمة انطلاقا من إيمانها القوى بالعمل الانساني المشترك، حيث كانت ثالث دولة تصادق على ميثاق اليونسكو في العام 1946م وهي منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا الحاضر تقدم كل الدعم والمؤازرة لليونسكو لإيمانها بمبادئها النبيلة.
|