رغم ثراء مونتيني الا انه لم يكن وسيما ، لذا كان يعاني شعورا حادا بالنقص والسخرية من الذات ، ولم يستطع أن يتجاوز عيوبه الجسمانية الا عن طريق الفن والابداع ، فراح يصف نفسه في اسلوب ادبي ساخر ولاذع ,
يقول إن طولي اقل من متوسط اطوال الناس , وهذا العيب ليس من سيئته القبح فحسب ، بل هو فضلا عن هذا مجلبة لقلق النفس وقلة الرضا ,, وليت شعري ماذا عساي أن اقول عن انفي !! انه ليس بالانف المعقوف ولا بالاقني ، انه انف غليظ ,,
وهكذا يواصل مونتيني تجريح نفسه ونقدها ، لانه اكتشف فجأة افتقاره للصفات التي يتحلى بها سائر الشباب ، وقد المه هذا اشد الالم ، اذ لا يجد ما يتباهى به كسائر اقرانه , وبدلا من أن يحاول لفت الانظار بأي طريقة اخرى آثر أن يواصل استشفاف خبايا نفسه ، بطريقة لا هوادة فيها ولا رحمة وعني بالنفاذ الى اعماقها المظلمة وانفاقها المعقدة ، راصدا العواطف الصغيرة والحبيسة ، فيمسك بزمامها في امانة تامة واخلاص كامل في كل ما يسجله عن نفسه , وكثيرا ما كان يقارن مونتيني نفسه بأبيه الراحل ، الذي على النقيض منه تماما ، حيث كان رجلا رياضيا يهوى السباحة والملاكمة ، جادا وقورا ومعتدلا في مسلكه ، حريصا على النجاح في عمله وفي بيته ايضا , اما مونتيني الابن فكان دميم الخلقة والخلق ، مترهلا فاترا ، قليل السيطرة على كبح جماح نفسه ، وليس له اية مواهب خاصة , فعندما التحق بالمدرسة شعر بالغربة وبأنه غبي ومتخلف ,, وعن ذلك يقول : كنت شديد الثقل ، شديد الغباء، غير ميال الى شيء قط حتى لم يكونوا يستطيعون انتشالي من هذه البلادة لكي امارس اية تمرينات رياضية ولا اخراجي من المنزل للعب , وهكذا ظل مونتيني يعاني من شبح ابيه الناجح والمناقض له تماما، مما دفعه دائما الى التغني بأمجاد ابيه حينا والانتقاص من مواهبه في احيان اخرى ,
اراد له هذا الاب أن يكون محاميا ناجحا ، وبعد انتهاء دراسته اشترى له وظيفة قضائية تبعا للنظام المعمول به آنذاك ، ولكن مونتيني لم يعمل بالمحاماة سوى سنوات قليلة ثم تركها الى غير رجعة معتمدا على الثروة التي ورثها عن ابيه ، والتي لم يعرف كيف يديرها ، حيث لا يدري شيئا عن شئون الزراعة ، كما كان مهملا ، ضعيف الذاكرة ، لدرجة انه لا يقدر على قراءة ما كتبه بخط يده بعد يومين من كتابته !! ولولا حكمة زوجته لانهارت اسرته وضاعت معها ثروة ابيه ,
كان مونتيني يعاني من الازدواجية والتناقض ما بين الثابت والمتحول ، وتلك هي نقطة الارتكاز في فكر مونتيني وفلسفته ، حيث يقول : لا يمكن أن يكون لدينا شيء من المعرفة الاكيدة الثابتة ,, نرى امامنا عالما متغيرا, حتى الشيء الذي يكون موضع ملاحظتنا مهما كان ثابتا، فانه ينعكس في ذهن متغير متعدد الاحوال والصور , وهذا كاف لكي يجعلنا غير مسئولين بحال من الاحوال عن حقيقة أي شيء خارج نطاق الصورة المؤقتة التي انطبعت لهذا الشيء في اذهاننا , انعكست هذه الفكرة الرئيسية على ذائقة مونتيني واهتماماته الادبية فهو يقول : كنت احب كورني حبا كبيرا وكنت اكاد امقت راسين واضيق به , اما الآن فأنا اكاد افضل راسين في حين اصبحت لا احفل بكورني !! وعلى صعيد حياته العملية حاول مونتيني - بعد وفاة ابيه - الحصول على منصب رفيع في البلاط ، وعاش عامين في العاصمة باريس من اجل تحقيق هذا الامل ، الا أن الحروب الاهلية الطاحنة حالت دون ذلك , وفي سنة 1572م حدثت مجزرة سنت بارثولوميو المرعبة ، وابى مونتيني الانضواء الى جانب احد من الفريقين المتناحرين ، وقرر أن يعتزل الحياة العامة مشيحا عنها مشمئزا ، لانه كان بطبعه رجلا مسالما يمقت جميع صور القسوة والتعصب وعدم التسامح ,
رحل مونتيني الى قصره يعيش عزلة اختيارية بعدما اودت الحرب الاهلية بثمانمائة الف شخص وخربت مدنا عامرة نتيجة التعصب الديني والسياسي ، وآثر أن يبدأ في كتابة شروحه وتعليقاته ، بعناية ودقة فائقتين، فسجل وصفا لحفلات الختان وانطباعات عن الباعة والفلاحين ، وزار العديد من الدول الاوربية ، ثم عاد الى فرنسا وانتخب عمدة لمدينة بوردو- نفس المنصب الذي كان يشغله والده من قبل - وقام باصلاحات كثيرة الى أن حدث طاعون سنة 1587م فرحل مونتيني عن المدينة ولزم ضيعته مما كان سببا في اتهامه بالاهمال في القيام بواجباته , والحقيقة أن مونتيني كان قد سئم الحياة السياسية تماما - أن لم نقل قد سئم الحياة كلها - فاعتزل من منصبه وتفرغ تماما للكتابة ، فكان ينقش الحكم على شراعات مكتبه وعلى جدران القصر : انا لا اقطع برأي في شيء انا لا افهم امور هذه الدنيا ، انني ارجىء القضاء ، انا افحص ,, ومن ذلك ايضا الناس تعذبهم افكارهم عن الامور وليست الامور نفسها ,, ويبدوا انه شخصيا ينطبق عليه هذا الكلام ، بسبب احساسه بالعجز وعدم القدرة على الفعل وعدم الثبات على رأي ما ,, ورغم محاولاته المتعددة في العزلة وفي الابتعاد عن مواقع الفتنة الا انه كاد أن يسجن بسبب مقالاته ضد الحزب الكاثوليكي ، كما اتهم باغتيال دون دي جيز، لكنه افلت في الوقت المناسب من تلك التهمة بعد سجنه عدة ساعات , ويبقى القول إن الوجه الحقيقي لعبقرية مونتيني يتلخص في محاولته الدائمة لأن يكون انسانا عاديا يكتب كما يعيش ويعيش كما يكتب ، ولا يلزم نفسه بأن يخبر القارىء بأي شيء انه يكتب الحياة بخيرها وشرها ، ويسجل توافه الامور بنفس الموضوعية التي يسجل بها أعظم الامور .
ومن هنا اوجد وشائج القربى بين الارواح العظيمة وبين الناس العاديين والبسطاء , وهذا ما جعل لتن ستراتشي يتهمه بأنه لم يكن فنانا عظيما ولا فيلسوفا كبيرا وكان في ذلك متأثرا بالوهم الشائع بأن العبقرية هي أن يأتي صاحبها شيئا خارقا للعادة , في حين كان مونتيني انسانا عاديا لاهيا احيانا,, جبانا احيانا,, يطمع في الحياة ويعتزلها ,, يراقبها وينغمس فيها ,, واصيب بالهلع الشديد عندما علم انه يعاني من حصوة في الكلي وظل يترقب الموت في أية لحظة وشبه الموت الذي يتحرك نحوه ، براكب سفينة يشعر بحركة الشاطىء ولا يدري ايهما يتحرك نحو الآخر ,
شريف صالح