قبائل البلوش بباكستان، تتميز بعادات وتقاليد عريقة متوارثة حتى يومنا هذا، و البلوش شعب قبلي مسلم بعيد عن التعصب الديني او العرقي، فهو عبر تاريخه عاش مع وإلى جانب اقليات عرقية ودينية مختلفة، ولكنه لم يدخل في اي من الصراعات معها، وكانت علاقاته بها دائمة سليمة وأخوية.
والبلوش يتمتعون في باكستان بنوع من الاستقلال الاداري، يعطيهم مبدئياً الحق في انتخاب قياداتهم المحلية في منطقة تسمى بلوشسان التي تعد افقر الاقاليم الباكستانية واقلها تطوراً.
البلوشي يحرص على تعليم ابنه منذ طفولته احترام تلك التقاليد والتمسك بها، وقد كتب العديد من المؤرخين والرحل الذين زاروا المنطقة عن البولجميار اي مجموعة التقاليد والاعراف غير المكتوبة، ذات الاركان التسعة، وقوامها: الثأر، والحماية، والكرم، والسماحة، والشرف، ومساعدة الضعيف، والثقة والبقاء على الوعد، والتوبيخ عند الخطأ,, وهي قيم لا يتنازل عنها البلوشي لأنها في حساب شرفه وكرامته هذا، وتتعارض هذه الاعراف القبلية في كثير من الاحيان مع قوانين الدولة ومبادئها الحديثة، مما يسبب صدامات بين القبائل والسلطة، ومن المعروف ان (البلوش) يتميزون في القتال بالشراسة وفي الثأر.
وقد حاول المستعمرون الانجليز في القرن التاسع عشر والقيادات الوطنية الحديثة محاربة تلك التقاليد او تعديلها، فجرى مثلاً سن قوانين يستبدل فيها بالثأر بالدية المالية التي يدفعها اهل القاتل لأهل القتيل، ولكن هذه القوانين لم تقبل حيث ترفضها عاداتهم التقليدية,, وجدير بالذكر ان شراسة (البلوشي) لا تتجلى في الثأر او الانتقام فحسب وانما ايضاً في قيم انسانية هامة، مثل حماية الضعيف، والمحتاج، واكرام الضيف، والدفاع عنه، والحفاظ على الوعد والكلمة وحفظ الامانة.
ويقال انك يمكنك ان تأتمن (البلوش) على اي شيء فهو ان اعطى وعداً استمات في الحفاظ عليه، فمن المعروف ان البلوشي اذا أتى من يطلب حمايته - صديقا كان ام عدوا - فهو يفعل المستحيل من اجل اكرامه وحمايته حتى لو كانت هذه الحماية على حساب مصلحته وراحته، والدليل على ذلك ان غريباً جاء ديار احدى القبائل وطلب من شيخها حمايته من اعداء يلاحقونه وبعد ان قبل الشيخ حمايته ضيفه واسكنه خيامه، جاء اليه ابنه يخبره ان الضيف ما هو الا قاتل اخيه - اي ابن الشيخ - ولكن الشيخ الوالد رفض ايذاء ضيفه قائلاً: انه قطع على نفسه وعداً بحماية الرجل، ولن يتنازل عنه,, فانتظر الابن حتى جاء الليل وانسل الى خيمة الضيف وقتله انتقاماً لاخيه, وفي الصباح عندما استفاق القوم وعرفوا بما جرى، غضب الشيخ غضباً شديداً، واعتبر ان ما جرى اهانة لشرفه، فقتل ابنه غسلاً للعار.
ولا شكل ان الطبيعة الجبلية القاسية في بلاد البلوش قد جعلت من البلوش انساناً شرساً وصلباً, مضطراً للدفاع عن نفسه، والصمود أمام اصعب الظروف - ولكنها في الوقت نفسه - منحته قلباً كريماً يدفعه لاستقبال المشرد، والتائه، والخائف، الذي يطلب حمايته، وتكريمه تكريما يليق بأرفع الضيوف منصبا.
حمزة سعد