Wednesday 3rd November, 1999 G No. 9897جريدة الجزيرة الاربعاء 25 ,رجب 1420 العدد 9897


قراءة متأنية في حوار الأمير نايف
حمد بن عبدالله القاضي

** أول قراءة تبدت لي هي المصداقية -أولاً وأخيراً- تلك التي تبدّت في حديث سمو الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية في جميع اجاباته بكل مضامينها ووضوحها ودلالتها.
وليس مثل الصدق خصلة يفخر بها الإنسان والمتحدث، وليس مثل الصدق فضيلة تتوج أي حديث أو حوار.
أليس الصدق هو رسالة وغاية ومطلب الأنبياء والمرسلين، فسيدنا إبراهيم كان دعاؤه لربه:واجعل لي لسان صدق في الآخرين .
والقرآن وصف النبي يوسف بالصدق يوسف أيها الصدِّيق ، واسماعيل كان صادق الوعد كما وصفه ربه.
إن من قرأ حديث سمو الأمير نايف بن عبدالعزيز لصحيفة السياسة ، والذي نقلته وكالة الأنباء السعودية يحس أن هذا الرجل لا يتحدث على طريقة أكثر وزراء الداخلية في هذا العالم وفي العالم النامي على وجه الخصوص حيث يتحدثون من أبراج عاجية وبعبارات نارية تجيء مدججة بالنار كما هي جيوبهم واكتافهم مدججة بالأسلحة,!
إن الأمير نايف كان حديثه في هذا اللقاء حوار المواطن قبل المسؤول وحوار المحب لا الكاره حوار المبشر لاحديث المنذر, والذين يعرفون سمو الامير نايف يعرفون هذه الخصال وأكثر منها,, إنني لا أزال أذكر كلمة صادقة قالها لي رجل من زملائه الوزراء وهو تماماً مثل سمو الأمير نايف ممن يزنون كلماتهم ولا يلقونها جزافاً,, يقول هذا الوزير عن زميله الأمير نايف: من توفيق الله وجود الأمير نايف على رأس وزارة الداخلية بكل ما يحمله من حلم وحكمة .
وقد صدق وصف هذا الرجل عن هذا الرجل، وانني أذكر هنا كلمة سمعتها من سموه عن رجل ما من جلسائه المقربين,, لقد قال سموه عنه إنني أحب هذا الرجل لأنه إنسان صادق إن هذا هو معيار تعامل الأمير مع الآخرين وبناء علاقاته معهم.
***
** أعود لحديث سمو الأمير لأكشف في سطور معدودات كيف تجلت المصداقية في هذا الحديث، وكيف توشحت إجاباته بالواقعية والصدق,!
عندما سئل سموه عن انتهاك حقوق الإنسان أثناء التحقيق وأن الصايغ يواجه خطراً على مصيره:
أجاب سموه وبلغة لا يفهمها إلا الصادقون لقد قال سموه:
هذا هو قميص عثمان أو المشجب الذي تعلق عليه هذه القوى المعترضة مبرراتها, إذا كانت هذه الأوساط التي ذكرتها تريد أن تدخل في مساجلة مع الكيان السعودي فنحن نقول لها إننا نطبق شرع الله في بلادنا وشرع الله يشكل السقف الأعلى للقيم الإنسانية ويحث على تكريم الإنسان وكذلك فإن أخلاقنا العربية لا تسمح بانتهاك حقوق الإنسان, لقد تعرضت المملكة الى ارباكات أمنية سابقة وكان لديها مواطنون تعرضوا للتحقيق وهم الآن خارج الاجراءات الأمنية ليذهبوا إليهم ويقولوا لنا هل وجدوا بينهم مشلولاً أو مكسور اليد أو الرجل أو هل وجدوا مصاباً بعاهة بعد أن انتهى التحقيق معه أو يعاني من قصور في وظائف العقل .
ويتجلى صفاء الصدق مرة أخرى عندما سئل سموه عن الفترة الصعبة التي شعر فيها أن الأمن في المملكة يثير القلق,, وعند اجابة سموه لم ينف الأشياء التي أثارت القلق ولكنه أوضح انه تم التعامل معها وفق خصوصية المملكة,, اقرؤوا معي ما قاله سموه، الذي أُحس أنه كان يتحدث إلى الزميل رئيس تحرير السياسة كما يتحدث في مجلسه العام أو الخاص بكل الشفافية والوضوح والمباشرة، إذ ليس هناك أمور يمكن اخفاؤها أو التمظهر بغيرها لقد قال هذا الرجل الذي أمضى ثلاثين سنة عمل في وزارة الداخلية:
إن هذه الوزارة عندنا تختلف عن غيرها في دول أخرى، خصوصيتها مختلفة لأن الأعمال مختلفة الى جانب اختلاف القانون هناك الخصوصية السعودية, لقد مر الوضع الأمني في المملكة في أشياء كثيرة والسنوات الثلاثون التي امضيتها في الداخلية حفلت بمتغيرات لكن الوزارة استطاعت التعامل مع هذه المتغيرات وفق خصوصيتها وأقصد المتغيرات السياسية في المنطقة وما أفرزته من انعكاسات على الأمن, لقد كانت السعودية مستهدفة في بعض الأوقات، أمنها كان مستهدفاً لكن أحمد الله أنني في أكثر الأيام لم يقلق منامي خبر أمني مزعج كانت كل القضايا أمامنا يجري البت فيها بعد دراسة متأنية ويصدر قرارها بسرعة، ثلاثون عاماً من عملي في الوزارة منها خمس سنوات أمضيتها في البداية نائباً للوزير كانت حافلة وأستطيع أن أقول لك إننا اجتزنا كل ما مر بنا من متغيرات وفق طبيعة هادئة في التعامل والله تعالى أراد بنا خيراً .
هذه نماذج -فقط- من المصداقية التي طبعت حوار وزير الداخلية.
***
** وأتوقف هنا عند الحاءات الثلاث التي يمتاز بها سمو الأمير نايف إنساناً ومسؤولاً ألا وهي: الحلم والحكمة والحزم والتي تبدت في مواقع مختلفة في حديث سموه، وهذه الخصال الثلاث -في تقديري- أهم الخصال التي يلزم توفرها في الانسان والمسؤول خاصة وفي وزير الداخلية على وجه الخصوص، إن هذا الرجل يشهد كل من عمل أو تعامل أو تزامل معه أو حتى تعرف عليه أن هذه السمات هي مفاتيح شخصيته، وأنه يعمل بها ويتعامل مع كل سمة منها في موضعها,, فلا يضع السيف مع موضع الندي، ولا الحلم مكان الحزم,, بل لكل موقعه ومكانه,, وليعذرني سموه على كلمة الحق هذه لأني أعرف أنه يكره الاطراء ولكنها كلمة حق لابد من قولها هنا لكيلا أكون ,,, .
لنقرأ اجابة سموه على أحد الأسئلة لنكشف جانب الحلم فيها، فعندما سئل سموه حول موضوع طرحه الزميل الجار الله من خلال قراءاته لمنابر الاعلام وما تسربه بعض الصالونات السياسية الخارجية عن صراعات غير ظاهرة بالأسرة الحاكمة السعودية، وهنا لم يغضب الأمير الحليم نايف أو يحتج أو يتجاهل طرح هذا السؤال، أولاً ليقينه من عدم صحته، وثانياً لأن حلمه جعله يجيب عليه اجابة طرفاها الصدق والحلم إذ أجاب سموه بقوله:
نسمع هذا الكلام وتعترينا ابتسامة عريضة,, هذه الأسرة احتفلت بمائة عام على توحيد المملكة، هذه الأسرة تدرك ان الخلافات شر وأنها مفرقة وأنها طاردة للاستقرار,, الملك عبدالعزيز -رحمه الله- موحد هذه المملكة والتي هي في التاريخ العربي تعكس أحلام العرب وتطلعاتهم نحو لم شعوبهم,, نحن في هذه الأسرة ندرك ان الخلاف فرقة، ولذا فان تبادل السلطة تبادل يتم وفق أخلاق عالية ووفق احترام لا حدود له بين أفراد هذه الأسرة، أخ أحمد اطمئنك وأعرف لماذا أنت تسأل هذا السؤال,, أننا نسمع بهذا اللغط ونقول انه لغط فيه أمل وأحلام للذين يريدون فعلاً ان يدب بيننا الخلاف، ولكن ليس فيه حقيقة فصغيرنا يحترم الكبير وكبيرنا يوجه صغيرنا وأوامر الكبير لدينا ومن هم في مقدمة السلطة تطبق بالسمع والطاعة، نحن نعرف أنهم يتحدثون عن خلافات بين أفراد الأسرة، هذا غير صحيح، هذه فقط آمالهم، ولكن كما قلت لك الأمل شيء والواقع شيء آخر، وأحب أن أضيف وأقول لك إن هذه الأسرة عشقها الحقيقي هو الوطن السعودي واستقراره وسلامته وعلاقاته وأمانيه وازدهار شعبه .
إنها اجابة صادقة وحكيمة فقأت حصرما في وجوه من يرجونها لمرض في أنفسهم، وسوء في أفكارهم، جعل ظنونهم تكون هي الأخرى أكثر سوءاً ألم يقل الشاعر العربي الحكيم قبل ألف عام:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدق ما يعتاده من توهم
***
** ولنقرأ ما بين ثنايا هذه الاجابة لنتبين خصلة الحكمة عندما سئل - رعاه الله وأعانه- عن القرار الذي اتخذه وندم عليه- ومثله إن شاء الله لا يندم- اقرأوا الاجابة لتعرفوا سر غياب الندم عند اتخاذ أي قرار منه كوزير داخلية ينطلق من ثوابت دينه في التأني وعدم الرجم بالغيب، ومن توجيهات قادة بلاده في التريث والتثبت يقول سموه:
أذهب إلى فراشي دون أن يقلقني شيء يتصل بالأمن فنحن عندما نتخذ قراراً لا نعمل به إلا بعد اخضاعه للدراسة المتأنية ونتأكد من الكثير من سلبياته وايجابياته ولهذا السبب استطعنا خلال ثلاثين سنة أن نواصل التعامل مع كل المتغيرات التي طرأت على العالم العربي وتأثرت بها الساحة السعودية من منطلق هذه الرؤية التي تسبق اصدار القرار وتطبيقه كما أننا لا نعتمد على الاجتهادات فقط، ولكننا نعتمد الدراسات الموثقة وهناك دراسة حديثة نجريها من جميع الجوانب بما في ذلك الجانب الانساني، نحن نراعي الله في كل أعمالنا، بهذا المفهوم نتعامل مع الناس وعندما نرى أن هناك شخصاً خطراً على الأمن نعيده قليلاً إلى نفسه حتى يعود إلى رشده لكننا نتعامل معه ضمن اخلاقيات الاسلام وكل حرصنا ينصب على ابعاده عن التأثير على الأمن .
***
** أما صفة الحزم فقد بدت في أكثر من اجابة فكما أن للحلم - عند هذا الرجل- موقعاً لا يضيعه,, فان للحزم مكاناً لا يهمله,, ولكن ميله -بحمد الله- إلى الحلم أقرب، لقد سأل رئيس تحرير السياسة الأمير نايف عن قسوته على جهاز وزارة الداخلية فلم ينف أو يجامل بل قال باجابته كاشراقة الشمس وكيقين الأمن على هذه الأرض:
أنا أقسو على كل من يستغل الصلاحية وهذه مسألة لا أتساهل فيها أبداً هناك قضايا تابعتها بنفسي وطلبت تشديد العقوبة على مرتكبيها خصوصاً الناتج منها عن استغلال رجل أمن لمركزه وهذه القضايا لا أرتاح لها لأني اعتقد ان الأمن أمانة ولا يريحني ان يأتي مواطن ويقول ان رجل الأمن هذا استغل سلطته وصلاحياته,, أريد أن يكون رجل الأمن شكلاً حضارياً يرتاح إلى رؤيته الناس ويتعاملون معه من خلال شعورهم بالسكينة تجاهه وبالهدوء .
***
** واختتم مقالي هذا عند آخر سؤال وجه إلى سمو الأمير نايف,, وتوشحت اجابته عليه بالوضوح والواقعية التي يطبعها الصدق ليس إلا,, لقد بدت حكمة هذا الرجل عندما أجاب على سؤال عن قيادة المرأة السعودية للسيارات وأقرأوا معي اجابته واحكموا:
نحن نعرف فلسفياً ان السيارة وسيلة مواصلات كما كان الحال لوسائل المواصلات السابقة والتي كانت تستخدم فيها الوسائل البدائية وكانت المرأة تستخدمها، نحن لا نستطيع ان نتجاهل رغبات مجتمعنا، ومجتمعنا حتى الآن رافض هذه النقطة ونحس ان هناك رفضاً لدى الكثيرين لمبررات واعتبارات كثيرة قد تكون منطقية وقد لا تكون، وهذه القضية ليست بالأهمية ذاتها التي كان عليها، مثلاً تعليم المرأة في السابق واجه قرار السماح بتعليم المرأة الجدلية نفسها لكن كان لهذا القرار أهمية اجتماعية ودينية، ولذلك اتخذ القرار يومها على رغم وجود من كان يعارض، قيادة السيارة ليست بمستوى أهمية التعليم حتى يكون للدولة رأيها المؤكد والسريع, كما قلت لك في بداية الحديث السعودية لها خصوصية وهذه الخصوصية نتعامل معها بشفافية ونتعامل معها أيضاً بسياسة الأهم ثم المهم، لدينا أولويات لكل واحدة منها ترتيباتها وأهميتها، وربما سرعة القرار فيها .
***
** وبعد,!
لندرك جميعاً ان الأمن أمننا جميعاً قادة وقاعدة,, حكاماً ومحكومين,, وما دمنا متمسكين بايماننا، منكبين على حب وطننا عملاً لا قولاً، وعطاء لا شعاراً، وحفاظاًعلى منجزاته وأمنه سوف تبقى - إن شاء الله- دعوة نبينا إبراهيم مظللة سماء هذا الوطن رب اجعل هذا البلد آمناً ,!
وليصدق علينا قول بارئنا: الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون .
إن خيمة الأمن واحدة لا تتجزأ، وإذا سقط أو تقاعس أو تخاذل عامود منها إنهار سقفها، فلنحفظ خيمة الأمن لنحافظ على ترابنا وأرواحنا وأعراضنا وأموالنا.
لنضرب عرض الحائط بارجافات أولئك الذين في قلوبهم مرض، وفي نفوسهم داء بل أدواء، ان هؤلاء لما خربت أوطانهم يريدون أن تخرب بلاد الآخرين حسداً من عند أنفسهم.
لنبتعد عن ترويج الشائعات المغرضة، ولنعرض عن أبواق القنوات المضللة، وأقلام بعض المأجورين المنته، اللهم اجعل هذا البلد آمنا .
لقد كنت أردد هذا الدعاء وأؤمن عليه طفلاً وأنا لا أعقله، أما الآن فأنا أردده ساجداً وقاعداً بعد أن فهمت كل معانيه ومراميه عندما أدركت أن طيب العيش هو الأمن كما قال أحد الحكماء.
***
شهوات للتأجيل,,!
** الانسان في هذه الحياة
من المستحيل أن يحقق كل ما يطمح إليه
أو يصل إلى كل ما تشرئب إليه ذاته
فإذا حقق أملاً كانت دون الآمال الأخرى بيد دونها بيد.
وإذا شبع من رغبة جاع إلى رغبات أكثر لا يستطيع إلى وصولها سبيلا
وإذا ما نال شهوة تاقت نفسه الى شهوات أخرى يحيط به العجز دونها فلا يستطيع أن يبلغها.
وكم أخذت بمجامع نفسي هذه المقولة الرائعة لأحد الحكماء الذين عجموا عيدان الحياة وفهموا أسرارها:
ما دمت لا تستطيع ولن تستطيع أن تحقق كل الرغبات والشهوات في الدنيا، فعليك بالممكن ألا وهو زيادة الصالحات من الأعمال والحسنات لتستكمل بقية الشهوات التي تقت إليها في الدنيا ولم تحصل عليها .
وهذا حق
وهذه المقولة حقيقة
فأنت -في الدنيا- عندما تستمر في الركض وراء الرغبات والشهوات فمن المتيقن أنك لن تحصل عليها كلها، وقد تحصل على القليل منها.
وحتى الظفر بهذا القليل مؤقت سرعان ما ينتهي
إما لعجز
أو قلة ذات اليد
أو مرض
أو موت.
***
** آخر السطور
** للشاعر: البهاء زهير:
سقى الله أرضا لست أنسى عهودها
ويا طول شوقي نحوها وحنيني
منازل كانت لي بهن منازل
وكان الصبا إلفى بها وقريني
زمان عهدت الوقت لي فيه واسعا
كما شئتُ من جد به سُكون

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولـــــــــــــــى
محليــــــــــــــات
مقـــــــــــــــالات
المجتمـــــــــــــع
الفنيـــــــــــــــــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـــــــاضيــــة
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved