Wednesday 3rd November, 1999 G No. 9897جريدة الجزيرة الاربعاء 25 ,رجب 1420 العدد 9897


بضعُ وقفاتٍ للتأمل في قصيدة سقوط
للشاعر أسامة علي أحمد
عبدالوهاب طه محمد

الذي أتناوله بالتحليل - ولا اقول النقد- شاعر شاب، يأبى إلا أن يكون ممتزجاً كل الامتزاج، بالتسامي فوق صغائر الأمور، وذائباً,, متخللا حد الانصهار والحلول، في بوتقة العقيدة الصافية,, ميمماً بنظرة الثاقب صوب آماد من أمجاد بناها الآباء، على آثار الأجداد، خلال قرون انسلخت من عمر أمته,, وهي أمجاد لا ينكر خطرها منكر، ولا يستطيع الاضافة اليها مدّكر.
وعلى الرغم من أنني لا أُنكر - على الملأ- احتفالي الواضح بالكلاسية، واشتغالي الكبير بطروحاتها الأدبية والفنية التي تدعو لتجذير الأصالة وتكريسها في مجتمعاتنا النامية، إلا أنني لا أجحد كذلك، خطر بعض المذاهب الحداثية التي تأثر بها عالمنا العربي خلال نصف القرن الفارط,, والتي شقّ الطريق - عبرها- القليل من المبدعين، والكثير الكثير من الزعانف وأنصاف المبدعين,وشاعرنا أسامة علي واحد ممن أرى أن الطريق أمامهم مفتوح وممهد,, فقط إذا عمل وعملوا، على اكمال أدواتهم الحسيّة واللُّغوية لصناعة شعر أصيل يساهم في استيفاء المعاني حقها كاملا، على أن يخوضوا في سبيل إعلاء الضاد صراع الليل والنهار,, فالأماني العظام لابد لتحقيقها من دفع أغلى المهور.
التحليل:
في قصيدته سقوط يمر أسامة في رحلة تكوينها ببضع محطات لا غَناء عنها - لأي مسافر- يستروح فيها بعض الوقت، من عناء رحلته ووعثائها اللاهب، وهي محطات نستصحب فيها شاعرنا، مستقلين قطاراً سريع الحركة ينهب الأرض نهباً، فيختصر الأبعاد والمسافات الى أدنى حدود الإمكان.
***
,, لست أدري ما الذي سبق ذلك السقوط الممرحل لشاعرنا، من أحداث، ولا السبب الذي يقف وراءه -السقوط- ولكن الذي أراه أن ذلك الكامن خلف الكواليس لا يهمُّ المتلقي في شيء، بقدر ما هو من صميم خصوصيات الشاعر، وشئونه العالقة به,.
يقول مخاطبا نفسه، أو من يعنيه أمره:
,, وتسقط,.
يائساً من حالقِ الأحلام
لا أملٌ ليطفىء رأسك المحموم
لا تحتاجُ معجزةً,.
,, تقيك صلابة الأرضِ,.
وأقول:
السقوط هنا، سقوط له إرهاصاته، ودواعيه القوية، فالمخاطب - في غالب الأمر- هو من أسقط نفسه عامداً متعمداً، بعد أن أخذ منه اليأس والقنوط كل مأخذ,, وإذا تساءلنا: من أين كان ذلك السقوط؟ أتتنا الاجابة عجلى، وكأنها سهم مارق,, لقد سقط من حالق الأحلام، على أمِّ رأسه الذي عصرته آلام الحمى عصراً بحيث فقد -بالكلية- الأمل في معالجة ذلك الرأس المصدوع,, وما هو كذلك بحاجةٍ الى معجزة يستعين بها على مجابهة الأهوال والصعاب التي يزخر بها كوكبنا، الأرض.
وليسمح لي القارىء الفاضل، أن ألفت نظره الى ملاحظة دقيقة عنّت لي حول ما يتعامل معه أسامة من مفردات شعرية تتمثل في استخدامه أحياناً، ألفاظاً لا تخلو من غرابة,, فهو يقول على سبيل المثال:
,,وتسقطُ,.
يائساً ,, من حالقِ الأحلام
فيستخدم لفظة حالق بمعنى: شاهق.
ويقول في موقع آخر:
,,وتسقطُ,.
في دجى الأيام
نجماً,, ناعس الومضِ
فيأتي بعبارة نجما ناعس الومض يعني بذلك: أنه نجم خافت الومض، أو الوميض.
***
ونيمم صوب المحطة التالية، التي ما إن نصلها حتى ينطلق صوت شاعرنا عالياً يجاوبه رجع الصدى:
,, وتسقط في سكون الشيب
وثبات الصِّبا تمضي,.
هكذا فقط,, سقوط قسري في عالم المجهول سكون الشيب ، وانفراط حتمي لفورة الصبا وميعته التي لا تحتمل المساس بها، حتى لا تُشرخ صورتها الرائعة,.
والذي لا أجد له تفسيراً صريحاً، سؤال ينتصب أمامي شامخاً، ما يفتأ ظله يلازمني ملازمة الحسام قرابَه ويؤانسني مؤانسة الضرغام غابَه: لمَ هذا الاقتضاب الشديد في التعبير؟
ألأن السقوط كان هذه المرة في فخ خريف العُمر ولوازمه: من وقار الشيب، وسكون الحركة، والوداع المُرّ لوثبات الصبا الذي تصرّمت سنواته,, ومضت سراعاً، بحيث تغدو عودتها مستحيلة، إلا إذا ولج الجمل في سَمِّ الخياط!!
هذا، ولا أجمل من استخدام الشاعر المفردة وثبات وهو يستعرض أيام الصبا الخوالي، فبها - حسبما أرى - قد استوفى المعنى حقه تماماً، وأتى بما يقنع الذائقة الشفيفة، والطبع السليم.
***
ثم نغذُّ السير مجتهدين حتى ندرك محطتنا الثالثة,, وفيها نُلقي عصا التسيار مستريحين من وعثاء السفر وكآبة المنظر وما إن تسترجع أنفاسنا طبيعتها، حتى يتشكل أمامنا ما هو أشبه بالانقلاب الصيفي عقب جوٍّ هادىء ساكن، متمثلاً في استخدام شاعرنا ألفاظاً تتناسب وتلك المرحلة: تشرخ، حرَّى، التصابي، لا تغضي,, .
والمتأمل لآخر ما ذكرنا، يلاحظ صورتين متقابلتين,, فهنا نظرة حرّى تصيب وقار الشيب وحكمته في مقتل، يقابلها سقوط الشاعر في شراك التصابي، وقد انفضح أمر عشقه لمحبوبه,, فهو يقول:
,,وتشرخُ
نظرة حرّى وقار الشيب
تسقطُ,.
في التصابي,.
لا تداري عشقك المفضوح
,, لا تغضي,.
وثمة علاقة توافقية، أراها تبدو جليّة بين ذلك الموقف، وموقف أبي الطيب المتنبي إذ يقول:
قفي تغرَمِ الأولى من اللحظ مهجتي
بثانيةٍ,, والمتلفُ الشيء غارمُه
وربما أخطأتُ الهدف، ولكنه جهد المُقِلّ,.
***
وتتهادى أنفاس القطار، وهو يزحف بنا رويداً رويداً، صوب آخر المحطات، والتي ما إن يتوقف عندها تماما، حتى تسكن -شيئاً فشيئاً - حركته التي كانت تبدو من قبل وكأنها أتون حرب شعواء، مستعرة الأوار، بين المغول والتتار,, ومع توقف حركة قطارنا، يحدث على التو والفور، السقوط الرابع لالشاعر ,, ويا له تلك المرة، من سقوط,, فهو سقوط أحسب ان الشاعر جسّده أبلغ تجسيد إذ يقول:
وتسقطُ,.
في خنوع قناعةٍ خرساء
ترضى في خريف العُمر
من بعض السنين,.
البيض,, بالبعضِ,.
والذي أرى,.
أن المتأمل للمقطع السابق ذكره، يتراءى له الكثير من مفاتح كنز محكم الغلق، فإلى جانب السقوط: هناك الخنوع، الخرس، الرضا- على عمهٍ - بما استأنست به قناعة شاعرنا الخرساء,, وهي مفردات تنحدر من منبعٍ واحد، وينتهي بها المطاف الى مصبٍّ واحد، وليس بمُكنتها استيعاب غيرها من المفردات، ذات النشاط والفاعلية.
وهنا,.
تشخص أمامي إشارة حمراء أجدني مجبراً على الوقوف عندها مستفسراً عن سر اختيار الشاعر عبارة خريف العمر وهو -حسبماأعرف- لا يكاد يتجاوز الثلاثين، وربما حام حولها شيئا يسيرا، بزيادة أو بنقصان، اللهمَّ إلا أن يكون قصد بذلك من يخاطبه، كما أسلفنا القول.
وإشارة أخرى لا تقلُّ أهميةً وخطراً عن سابقتها، هي عبارة السنين البيض ,, وأقول:
إن التمثيل بالأبيض كثير الورود، شائع الدوران عند العرب,, فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع، في معرض محضه النصح أمَّته: تركتكم على المحجة البيضاء: ليلُها كنهارها ,.
وقال بشامة بن حَزن النهشلي يفاخر بقومه:
بيضٌ مفارقُنا، تغلي مراجلُنا
نأسو بأموالنا آثار أيدينا
يُكنّي بذلك عمّا يتصف به قومه من شمائل الجود والكرم على الرغم مما يتميزون به من شدة البأس وقوة الشكيمة,.
وقال آخر:
علّلاني فإن بيض الأماني
فنيت,, والزمان ليس بفانِ
وقال أبو طالب,, في (ابن أخيه) النبي صلى الله عليه وسلم:
وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه
ثِمالُ اليتامي عِصمةٌ للأراملِ
***
ويقولون في مناسبات العُرس بالسودان في شأن العروس وعِرسه ضمن أهازيجهم: العديل والزين,, العديلة يا عديلة الله,, العديلة تقدِّمه وتبراه,, العديلة سهلة ليك بيضا أو شيئا قريبا من ذلك وبيضا: أي بيضاء,, وتقدمه وتبراه: أي تسايره وتتبع خطاه,, أما العديل والزين: فهو تعبير عن كل ما هو حسن,, وقديما شبّه العرب المرأة الجميلة ذات الدلِّ والخفر ببيضة الخدر لبياض لونها ونعومة بشرتها,.
***
وتأتي خاتمة المطاف بما يشير إليه الشاعر بنجمتين، أحسب ان لهما عنده مغزاهما العميق,, وتمثلان المقطع الأخير من القصيدة الذي هو كذلك، المشهد الأخير في أحداثها المتراتبة، والنتيجة الحتمية التي لا فرار منها للكائنات جميعا على الرغم مما يجلِّلها من سواد، وما يشوبها من مرارة:
- وتسقطُ,.
في دجى الأيام,.
نجماً ناعس الومضِ,.
- ستسلك للمنى درباً,.
لغير الموت، لا يُفضي
فللمخاطب، كما لسواه من البشر، أحلام وأماني جمّة، ولكنه في سبيل جني ثمار هذه الغايات وتلك الأماني والأحلام، لا ينبغي له إلا أن يسلك طريقاً عصيّاً أوحد,, طريق المهامة والأهوال العظام.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولـــــــــــــــى
محليــــــــــــــات
مقـــــــــــــــالات
المجتمـــــــــــــع
الفنيـــــــــــــــــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـــــــاضيــــة
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved