هذه الطاولة المستطيلة تمتد كعادتها في كل اجتماع، فوقها أوراق بيضاء وأقلام رصاص أمام كل مقعد، أما المقاعد فهي تتحوطها من حولها كالسوار,, لا تلبث أن تتحرك من مواقعها في أهبة الاستعداد لاستقبال أي قادم كي يقتعدها,,.
على رأس الطاولة مقعد وثير يختلف عن الباقية,,,، هناك سوف يجلس الرئيس ,, الحجرة هادئة على جوانبها دواليب رُصَّت فيها مجموعة من الكتب بعناية، وبعض الإضبارات التي تحمل محاضر كل اجتماع يحدث هنا، كلٌ حسب موضوعه على مدى زمني ليس بالقصير,,.
لذا فإن أجواء هذه الحجرة مشبّعة ومكتظة بأصوات كثيرة، وبأفكار كثيرة، وبأمور كثيرة,, وكذلك بمواقف كثيرة,, ولاشك أن الهاتف الذي ينتصب عند رأس الطاولة يعرف ذلك.
كنت أفكر في هذا الأمر,, قبل أن يكتمل عُقد الاجتماع,,, وقد بدأ واحد تلو آخر في الحضور وهو عندما يأتي يلقي التحية باقتضاب، ويحرك المقعد في اتجاه استيعابه، وما يلبث أن يضع هاتفه الجوال بجوار أوراقه أمام مقعده على الطاولة، ويحرك نظارته إن وجدت، ويعدل من شماغه قليلاً، يفتح أوراقه يطالعها أحيانا، أو يمد رأسه إلى أذن من بجواره تارة ليفضي إليه بشيء من القول، حتى إذا ما قدم الرئيس,,, تململ بعضهم وقوفاً، ومن كان قريباً تحرك للسلام,,, ثم يبدأ الاجتماع,,, الذي لا يقتحمه إلا ذلك المرحب بفناجيل القهوة، أو رنين الهاتف،,,.
تخيلت كل قطعة أثاث في هذه الحجرة تتفرج على الإنسان،
الطاولة ماذا تقول عن كل الذين مروا بالجلوس إليها، ولامستها بصمات أيديهم، وتحمّلت لساعات أوراقهم وكتبهم، وهواتفهم وحقائبهم؟,,, ومن قبل ومن بعد خبطات قبضاتهم فوقها، أو قرع أقلامهم عليها، وأصواتهم، بتفاوت نبراتها تجلجل فوقها؟!
المقاعد ماذا تقول عن كل الذين مروا بالجلوس فوقها، لا تختلف هي في شكلها وتكوينها بينما يختلف الجالسون عليها,,, ويفترض أن كل الذين مروا بها من أولئك المقلدين بأوسمة المناصب والمراكز أو الدرجات العلمية أو الرتب,,,، وحدِّث ولا حرج كيف هو وزن كل من جلس عليها، أخفيفٌ تهزّه الريح، وتعصف به الحوارات، ويطوّحه الجدل، أم ثقيلٌ لايتحرك إلا بحساب ولا ينطق إلا بميزان، وهل الأوسمة ثابتة فوق رأسه أو كتفه أو صدره، أم هي تميل مع كل حركة فعل، أو حركة ردة فعل,,؟,.
المقاعد المتشابهة ماذا تقول عن اختلاف الجالسين عليها في الأطوال والألوان؟ بل وفي الأصوات والأقوال؟
أما الإضاءة في هذه الحجرة فقد خيِّل إليَّ أنها ليست ناصعة، ترى هل خفتت مما يكتظ من أصوات مرت بهذه الحجرة، أم أنها تمارس النصوع في صمت يتفاوت بتفاوت الموقف؟,,.
هذه الأوراق على الطاولة لا تزال بيضاء لم يخدشها أحد، وكذلك الأقلام الرصاص التي وضعت بعناية بجوار كل ورقة أمام كل مقعد بعدد من سيجتمعون,, خُيلَّ إليَّ أنها تتسال: ماذا سيكتبون، هل خربشة يداعبني بها أحدهم عند متابعته للحوار؟ أم كلمات متقاطعة يختطفها من أفواه المتحاورين؟ أم سيدلي من رأسه بما يعتلج فيه؟,,, أم سأظل بيضاء؟ أم سوف أُسَوَّدُ بما يهرفون وما ألبث أن أُزج في سلة النفايات، أو على الأرجح أمرُّ بمكنة الطحن تمزقني إرباً دون أن يكون لي ذنب إلا أنني وُضعتُ لعبث العابثين؟!
لحظات واكتمل العقد,,,، وبحضور الوَقور الذي افتقد الكرسي الفريد في تصميمه على رأس الطاولة بدأ الاجتماع,,,، لحظات أخرى بعد تبادل التحايا والتبريكات، والأماني والأحلام، فُتحت الأوراق,,, وبدأت المقاعد تئز تحت الجالسين عليها,,, وتتحرك الأوراق بين أيديهم، وتنتصب الأقلام بين أصابعهم، ويتسلل النور في كل جزئيات اللوحة التي تحته,,, وظل كل شيء في الحجرة على ما هو عليه يتلقى السماع، وتتسلل إليه الأصوات,,,، ويشاهد الوجوه، ساعة وبعض الساعة وفُضَّ الاجتماع,,, ذهب من ذهب معاجلاً، ووقف بعضهم في مزيد من تحايا الود، وربط أواصر المعرفة، وهناك اثنان احتلاَّ جانباً قصياً من الحجرة,,, بجوار دولاب الكتب يتهامسان في أمر,, ما لبث أن رفع أحدهما يديه إلى رأسه يصكه بهما صكاً,, فيما فغر الآخر فاه دهشة,,, تحرك الجميع ومضى الجميع.
أما الطاولة فبشموخ امتدادها لم تتحرك,,.
الأوراق بعضها يتناثر وآخر بقي كما هو كأن لم تمر به يدان,,,، وبعضها ذهب وكأنه لم يكن وترك مكانه فارغاً، وكذلك الأقلام، أما المقاعد فلقد تحركت في غير انتظام، بعضها ارتفع عالياً، وبعضها انخفض إلى الأسفل، وبعضها ظل في مستواه، فوق الطاولة أكواب الماء وقد فرغت، وشيء منها لم تمسّه يد,,,،
الأصوات لم تعد,,.
لكن كل شيء في الحجرة ينطق، كان هنا ثلة من الناس، قالوا ما قالوا,,,، وأضافوا إلى رصيد التخزين في قاع هذا الفضاء في الحجرة مما قالوه,,,، تركوا بصماتهم، وصدى أصواتهم، وشيئاً من بقاياهم,,.
ترى لو نطقت كل قطعة في هذه الحجرة ما تقول:
ما مدى الصدق فيما قيل؟
ما حجم التجرد فيما قيل؟
ما هي نتائج ما اجتمعوا له؟
كيف يكون الفعل لكل الأقوال التي أهدرت؟
ما مصير الأوراق التي حُبّرت؟
وربما من قبل ومن بعد،
تقول لنا المقاعد وحدها دون سواها شيئاً عن أوزان الذين جلسوا إليها؟ هل تتناسب وحجم الأوسمة التي تعتلي رؤوسهم أو صدورهم أو أكتافهم؟ وربما لو نطقت المقاعد لقالت لنا أشياء كثيرة,,.
وربما لو علم أو عرف الجالسون عليها ماذا تقول أو قالت، وماذا خزَّنت عنهم هذه الحجرة بكل ما مرَّ بها، لفكروا ملياً كيف يوازنون بين ما يحملون من أوسمة وبين ما يفعلون أو يقولون.
|