تصر الاطراف الثلاثة,, الفلسطيني المغلوب على امره,, والاسرائيلي المعتدي على غيره,, والامريكي الذي ينصر القوي على الضعيف,, على ان اجتماعهم في اوسلو عاصمة النرويج، ليس بهدف ايجاد استراتيجية جديدة للسلام، وانما لمعالجة الاوضاع التي تعرقل السير في طريق السلام الذي وضعت خططه من خلال لقاءات سرية بين الفلسطينيين والاسرائيليين في الماضي بنفس الموقع بهذه المدينة التي تقع في اقصى الشمال الاوربي.
الاتفاق السري في اوسلو قوبل بالرفض من الجماعات الفلسطينية، واعتبروه معاهدة سرية هدفها الانقاص من حقوقهم العادلة والمشروعة، وفي نفس الوقت لم تلتزم اسرائيل بتنفيذ هذه المعاهدة السرية لانها ترفض اعادة بعض من الاراضي التي تحتلها في الضفة الغربية، ودفعت حاخامات اسرائيل الى اصدار فتوى تحرم اعادة ارض الميعاد التي اعطاها الله لشعبه المختار.
من الخطأ ان نتصور بأن قمة الثلاثة الفلسطينية الاسرائيلية الامريكية ستتوصل الى نتائج تعالج السلام المتعثر على المسار الفلسطيني، وهو ما اكده الرئيس الامريكي بيل كلينتون بقوله: ان اجتماعنا لا يستهدف تحقيق انتصارات جديدة، وانما سيدور داخل اطر ماسبق الاتفاق عليه في اوسلو وغيرها من عواصم ومدن عالمية .
على الجانب الآخر التقى رئيس الوزارة الاسرائيلية بنظيره رئيس الوزارة النرويجية بعيداً عن القمة المنعقدة في اوسلو، واعلن بعد الاجتماع للصحافيين ان السلام مع الفلسطينيين لن يتكامل الا اذا تم الاتفاق مع اللبنانيين والسوريين لان السلام يمثل قضية كلية في اقليم الشرق الاوسط,, وهو قول معسول يتناقض مع تصرفات اسرائيل بضربها لجنوب لبنان وعدوانها على الوطن اللبناني، ويتعارض في نفس الوقت مع اصرار اسرائيل على بدء التفاوض من اول وجديد، وليس من عند النقاط التي تباحثوا حولها في واشنطن منذ اكثر من سنتين ماضيتين, الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يقول: نحن لا نحيط هذه القمة بآمال كبيرة لاننا لو فعلنا ذلك لحكمنا على القمة المنعقدة في اوسلو بالفشل، وهو ما لا نرغب فيه لاننا نسعى الى ايجاد سبل للتفاهم في سبيل اقامة الوطن الفلسطيني الذي غيب لأكثر من نصف قرن من الزمن عاش فيه المواطن الفلسطيني تحت ظروف صعبة للغاية .
يبدو ان التاريخ يعيد نفسه لان الفلسطينيين لم يتعلموا الدرس من لقائهم السري بإسرائيل في المرة السابقة لانهم جاءوا الى هذه القمة العلنية دون ان يكون معهم اوراق بالمطالب او رؤى للتفاوض وكل ما يأملون فيه تكثيف الدور الامريكي في العملية السلمية من خلال اعطائها ادوارا اكبر من خلال هذه القمة في اوسلو.
الثقة في امريكا ثقة في غير محلها لانها تتعاطف مع اسرائيل وتعمل على فرض زعامتها لاقليم الشرق الاوسط، وقد تم تشاور طويل بين تل ابيب وواشنطن قبل انعقاد هذه القمة في اوسلو، حدد من خلاله الادوار التي تقوم بها اسرائيل ،والادوار التي تقوم بها امريكا ليأخذ المسار السلمي الفلسطيني الاتجاه الذي ترغب فيه اسرائيل بدعمها ما تحمله من خطط عن المباحثات السلمية تتحدث عما دار فيها من انجازات وما ترمي اليه من نتائج في مرحلة المباحثات القارية على المسارات الثلاثة الفلسطينية واللبنانية والسورية حتى تحول القمة الثلاثية المنعقدة في اوسلو الى برنامج عملي للسلام لكل الاطراف المعنية حتى وان لم تشارك في اعماله وتنعقد على مبادئه.
يتضح الدور الامريكي من دعوة الرئيس بيل كلينتون الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزارة الاسرائيلية يهود باراك الى واشنطن في شهر يناير القادم في العام القادم 2000م بهدف عقد مؤتمر جديد يماثل ما عقد في الماضي بكامب ديفيد، ومن المتوقع ان يعقد ايضا في كامب ديفيد، والهدف من ذلك هو الغاء كامب ديفيد السابق الذي ترفض مبادئه اسرائيل اليوم، واقامة اتفاقية كامب ديفيد ترضى عنه اسرائيل، وبالتالي يصبح ملزماً لكل الاطراف الراغبة في التفاوض من اجل السلام، ويقصد بذلك الزام دمشق وبيروت باتفاق كامب ديفيد الثاني لانه سيمثل الوعاء القانوني للمباحثات السلمية بين العرب واليهود.
من الواضح ان كامب ديفيد الاول يحدد السلام بمعطيات تقوم باعادة كامل الاراضي المحتلة في سنة 1967م بينما كامب ديفيد الثاني يرمي الى تجزئة الاراضي المحتلة ليعاد منها الاجزاء التي ترغب في اعادتها اسرائيل لتحتفظ لنفسها بالاجزاء الباقية من الاراضي المحتلة تحت شرعية دولية يضع قواعدها الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي.
هذه المؤامرة الامريكية الاسرائيلية تفسر لنا الكلام المعسول الذي قاله يهودا باراك في اوسلو بعد اجتماعه مع رئيس وزراء النرويج بأن السلام لا يتكامل الا بالاتفاق الشامل الذي يتطلب الصلح مع دمشق ومع بيروت على اعتبار ان السلام الاقليمي المطلوب يشمل كل الاطراف المتخاصمة حول الارض المحتلة.
وحتى تتكامل اركان هذه المؤامرة يروج رجال من حول الرئيس الامريكي بيل كلينتون بأنه يرغب في خلق امجاد لنفسه قبل خروجه النهائي من البيت الابيض في يوم 20 يناير من سنة 2001م، وهو قول باطل لان الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر الذي تم في عهده وتحت اشرافه ابرام اتفاقية كامب ديفيد التي اقامت الصلح بين مصر واسرائيل ووضعت قواعد السلام في منطقة الشرق الاوسط لم يحقق مجداً وسقط في الانتخابات الرئاسية بحقبة ثانية، وجيء بدلاً منه بالرئيس رونالد ريجان.
قيل في ذلك الوقت ان جيمي كارتر بعد من سدة الحكم حتى لا يشرف على تنفيذ اتفاقية كامب ديفيد التي لم تنل رضا الصهاينة في بلده من اصحاب النفوذ بالدهلزة وكان اختيارهم لرجل اعنف في صهيونيته من الصهاينة اليهود.
الرئيس بيل كلينتون يرغب في انهاء عهده بتقديم خدمة جليلة لاسرائيل، ولكنه لن يستطيع بحكم الدستور متابعة تنفيذ اتفاقية كامب ديفيد الثانية التي يخطط لابرامها في يناير القادم لانه سيتحول الى مجرد بطة خشبية فيما تبقى من عهده، وسيتولى تنفيذها من يأتي بعده الى البيت الابيض الذي يتنافس على دخوله مرشح الحزب الجمهوري جورج بوش الابن ومرشح الحزب الديمقراطي نائبه آل جور، وبالتالي سيكون اتفاق كامب ديفيد في موازين المرشح الديمقراطي عند الدهلزة الصهيونية وهذا يعني ان الرئيس بيل كلينتون يتلاعب بمقدرات الاقليم لخدمة مصالح حزبية في داخل وطنه الامريكي.
ان ما تم في قمة اوسلو الثلاثية، وما يخطط لإتمامه في يناير بأمريكا بين الثلاثي الفلسطيني والاسرائيلي والامريكي يغتال المفاوضات السلمية على المسارين السوري واللبناني سواء اتخذ مساراً واحداً كما ترغب سوريا او مسارين كما تخطط اسرائيل، لان دمشق ترفض الخروج عن الارادة الدولية التي تقرر كامل الارض المحتلة في مقابل السلام مع اسرائيل، ولان بيروت تصر على الانسحاب الاسرائيلي من اراضيها في الجنوب بالارادة الدولية التي تفرض الانسحاب الفوري منها بدون مفاوضات لان احتلال اراضيها جاء غزواً بدون حرب في سنة 1982م.
الموقفان السوري واللبناني يبطلان معطيات كامب ديفيد الثاني الذي ترغب فيه اسرائيل وتخطط امريكا لتنفيذه لانه في حالة قيامه سيحكم فقط العلاقة التفاوضية بين الفلسطينيين والاسرائيليين ولا يمكن ان يمتد بآثاره ليحكم التفاوض الاسرائيلي مع سوريا ولبنان.
نحن على يقين بأن اسرائيل لن تلتزم بما يتم الاتفاق عليه في كامب ديفيد الثانية، وستدخل في علاقات عبثية وانصرافية مع الفلسطينيين لان نيتها سرقة الارض الفلسطينية على مراحل زمنية متتابعة بتخطيط محكم فضح امره بالتصادم القائم في داخل اسرائيل بين رئيس الوزراء يهودا باراك وبين حاخامات اليهود الرافضين اعادة ارض الميعاد للاغيار الفلسطينين في سبيل السلام معهم.
تخفيف حدة التوتر بين الحاخامات وبين الحكومة جاء من خلال اجتماعات مطولة بينهما اتضح منها ان لاخلاف بينهما من حيث المبدأ وان الخلاف يدور فقط حول وسائل التنفيذ، فالحاخامات يريدون ضم الارض فوراً لاسرائيل باعتبارها ارض الميعاد لمواطنيها اليهود شعب الله المختار، والحكومة تريد ضم الارض تدريجياً لاسرائيل على مراحل تتفق مع الظروف الدولية والاوضاع الاقليمية السائدة في منطقة الشرق الاوسط.
هذا الواقع يجعل من قمة اوسلو الاخيرة، وكامب ديفيد الثانية المتوقعة مجرد خطوات في طريق المؤامرة الاسرائيلية الامريكية الرامية الى ضم ارض الميعاد لاسرائيل.
|