الإبداع تحت مجهر علم النفس د, مصري حنورة : نجيب محفوظ مبدع بحساب ,, ويوسف إدريس تلقائي |
* القاهرة- مكتب الجزيرة- كريم طارق
منذ نصف قرن -تقريباً- بدأ الاهتمام الجدي من الدراسات النفسية بالمبدعين وابداعهم، وكان أول من وضع مقاييس هذا الاهتمام هو العالم الأمريكي جلي فورد الذي توفي قبل ثماني سنوات وزميله بول تورانز ,, وعدد من تلاميذهما.
وفي مصر حدث اهتمام مماثل وان تلاه بعده سنوات، بدأ مع الخمسينات على يد العالم الدكتور مصطفى سويف ، الذي نجح في وضع أسس أول مدرسة علمية عربية لدراسة الإبداع نفسياً ، أفرزت هذه المدرسة حتى الآن ما يقارب من 30 عالماً ومتخصصاً، تناول كل منهم ظاهرة الإبداع من زاوية مختلفة، وبمناهج علمية لها خصوصيتها وجدتها.
ولمحاورنا د, مصري حنورة باع طويل في هذا المجال، ففي مؤلفاته العديد يتجلى اهتمامه بالأسس النفسية للإبداع الفني,,من الرواية إلى الشعر والمسرح، أبرزها دراسته الشهيرة مسيرة عبقرية التي ارتحل بها في عقل وابداع نجيب محفوظ .
وقد حصل د, مصري حنورة استاذ ورئيس قسم علم النفس والعميد السابق لكلية الآداب بجامعة ألمنيا، على جائزة الدولة التشجيعية في علم النفس عام 1988، وعلى وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في ذات العام عن كتابه سيكولوجية التذوق الفني ,, الذي قدم فيه نظريته التكاملية للإبداع ,, ثم حصل على نوط الامتياز المصري عام 1991.
إبداع نجيب محفوظ
* سألته الجزيرة عن أعمدة نظريته؟
- تعتمد على عدة مكونات,, أولها مكون معرفي أو عقلي أو ذهني,, عبارة عن المخ بأجهزته المختلفة الوظائف، وذاكرة وخيال وقياس منطقي,, الخ، ثم مكون وجداني أو انفعالي,, يتعلق بالدوافع والاتجاهات والانفعالات الجمالية,, والإيقاعية التي يصب فيها المبدع أنماطه الابداعية، وأخيراً المضمون أو المكون الثقافي، ويشمل الفلسفة الذاتية أو التراث والحكاوي التي يختزنها المبدع في عقله ويصبها -ولو بلا وعي- في قوالبه الابداعية، هكذا نحن أمام موقف ابداعي ضخم,, وبمعنى أدق سلوك ابداعي متكامل، وهناك من يغلب العواطف والانفعالات,, فيكتب بتلقائيته وبحدسه بحيث يكون دور العقل في المرتبة الثانية بعد العواطف، لتأتي الاستنتاجية والاستدلالية والمنطقية تالية للدوافع الوجدانية.
* وكيف وجدت نتيجة تطبيق نظريتك على ابداع نجيب محفوظ ؟
- نجيب محفوظ ,, مهندس مفكر,,منطقي,, وفيلسوف بالدرجة الأولى، وهو أيضاً فنان متمكن تماماً من أدواته وقوالبه الابداعية التي يصب فيها رؤاه، ومن يتابع تطور انتاجه الابداعي، يجد أنه لم يعد لديه مشكلة -منذ عقود- في البحث عن قوالب فنية، فهي تأتيه بعفوية وتلقائية، وستجد مكونه الثقافي جاهزاً ، لأن لديه مخزون ضخم من الذكريات والمعلومات,, والايديولوجيا الخاصة به، والتي عبرها يبلور أفكاره,, ويصبها في قوالبه,, أما العواطف,, فقد تمكن من السيطرة عليها مبكراً.
* وكيف ترى سيطرته على المكون الوجداني؟
- نجيب محفوظ ليس بالكاتب الانفعالي,, فهو كاتب متحكم في وجدانه كما أنه كشخص عادي قادر على اخفاء مشاعره,, فلا يمكنك قراءة تعبيرات وجهه لمعرفة حقيقة ما يفكر فيه، كما انك تستطيع الامساك بما يرغب فيه، ولو جلست معه عدة ساعات لن تخرج منه إلا بما يريد اعطاءه لك.
* ألا ترى في ذلك جانباً سلبياً؟
- محفوظ لا يكذب عندما يعطيك جزءاً من الحقيقة، لأنها متعددة الأوجه عنده,, وعند غيره من الناس,, ونجيب يعرف الوجه الذي يرغب فيه من أمامه فيعطيه له.
* وكيف انعكس ذلك على كتاباته؟
- دائماً ما يأتي المكون العقلي في المرتبة الأولى عند محفوظ دائماً تجده يقدم العقل أو المنطق الذي يفلسف الوقائع ويعطيها شكلها المقبول اجتماعياً، دون أن ينسى نقد هذا الواقع,, لكن بأقل قدر من الخسائر الذاتية، وبأكبر قدر ممكن يسمح له بتفجير قضية أو ترويج مقولة، ونجيب هنا يختلف تماماً عن مبدع مثل يوسف إدريس ,, الذي يحرك وجدانه عقله، فيكتب بتلقائية المبدع الحدثي الذي لا يحسب حساباً للمكسب أو الخسارة.
هروب الفنان
* وبعيداً عن العملاقين محفوظ وإدريس ، لماذا التداخل بين الدراسات النفسية والإبداع؟
- الإبداع سلوك بشري، ولأنه كذلك,, اهتم علم النفس بدراسته مثل أي نشاط انساني، إلا أن كونه نشاطاً متميزاً يتطلب برامج مستقلة لدراسته.
* وفي ضوء هذه البرامج المستقلة كيف ترى ظاهرة الهروب إلى عوالم الطفولة التي رصدها البعض عند العديد من المبدعين منذ نهاية السبعينات؟
- لا أراها تمثل ظاهرة، بل تيار أو حالة مفارقة في وجدان أو عقل هؤلاء الكتاب- وهي مفارقة لها ما يبررها، لأنه احياناً ما نجد موجة تحاول تتبع أو تقليد نموذج ما نجح,, ليصبح محلاً للاستلهام، وقديماً وجدنا التحدث عن معين الذكريات أو العودة الى مكنون الذات، وهذا لا يمثل هروباً إلى الماضي من واقع كئيب,, ان كنت تلمح إلى هذا، بقدر ما يمثل تكنيكاً أو اسلوباً يراه المبدع مناسباً لصب الهاماته فيه.
* بعيداً عما ألمح أنا إليه,, ألا ترى في استمرار هذا التيار أو الحالة منذ نهاية السبعينات دلالة ما؟
- المبدع مثل أي انسان، في ظل الظروف الضاغطة قد يهرب البعض إلى ذكرى,, أو حضن دافئ يتمثل في مرحلة سنية أو قومية معنية، وهو ما يمثل نوعاً من التماس اليقين أو الأمان للخروج من أزماته,, أو أقل نوعاً من أحلام اليقظة، يجتر فيها الحالم شكلاً من المتعة الخيالية، لكنني لا أرى كل المبدعين ضمن ظاهرة الهروب التي تشير إليها، لأن معظمهم على درجة عالية من الوعي بحدود وأبعاد موقفهم الابداعي.
هل الفنون جنون؟
* لكن هذا الوعي قد يقودهم الى أمراض نفسية أو عقلية,, وعادة ما يربط البعض بين الإبداع والجنون ,, أياً كان ما يقصده بالجنون ؟
- لا أجد مبرراً للربط بين الإبداع والمرض النفسي، المبدعون قد يصابون بنوع من الانعصاب ,, أي الوقوع تحت ضغوط ضخمة ومتعددة,, والمبدع الموفق يستطيع تحمل هذه الضغوط، ويستثمر خصائصها ومعانيها كدافع لإفراز اعماله الابداعية, ومن لا يتحملها يقع سريعاً,, سواء في بداية الطريق أو في منتصفه,, وربما بعد قطع مسافة طويلة منه.
* لكن بعض المهتمين بالدراسات النفسية الإبداعية يشيرون إلى تزايد الأمراض النفسية لدى المبدعين؟
- اختلف معهم، ومن واقع دراساتي أؤكد أن نسبة المرضى النفسيين بين المبدعين لا تزيد عنها بين باقي الفئات، وربما تتوقف الأضواء عند أمراض المبدعين لوجهاتهم الاجتماعية، ووجودهم المتميز وشهرتهم، وهنا لا نستطيع أن نغفل بعداً هاماً، وهو الحساسية النفسية التي يتميز بها المبدعون والمثقفون عامة، فالمبدع حسب تعريفه، شخص ذو حساسية خاصة تجاه المشاكل والقضايا، لديه القدرة على الاستشعار -سواء عن قرب أو بعد- بأوجه القصور في البيئة المحيطة به.
وبمعنى آخر,, المبدع بمثابة جهاز رصد لواقع مجتمعه، ودائماً ما يعاني -من حساسية وجودية عالية,,والرغبة في اصلاح العالم، وعدم الرضا عما يرضي به عامة الناس، كل هذا يحفر طرقه داخل عقل ووجدان المبدع، مما يؤدي به لحالة من حالات القلق الوجداني الدائم، ومن هنا يرى البعض فيه نوعاً من الشذوذ في معاملاته وآرائه,, وأفكاره، التي من الطبيعي أن تكون مختلفة وربما صادمة,, لا تنسى أن الابداع نادر,,والندرة شذوذ عن القاعدة.
|
|
|