Thursday 4th November, 1999 G No. 9898جريدة الجزيرة الخميس 26 ,رجب 1420 العدد 9898


في ذكرى الإعصار

تناقلت وسائل الاعلام بشتى صورها وطرقها وألوانها وعناوينها خبر اعصار القرن,, الذي مر على ولاية فلوريدا الامريكية, وغيره من الاعاصير المدمرة التي مرت وستمر بإذن الله كما كتب لها على هذه الارض.
فما هي يا ترى حقيقة الاعصار؟
وكيف ينشأ الاعصار وما هي مظاهره؟
وهل يمكن ان نتحاشاه؟ وقبل ذلك نتنبأ به؟
وماهي آثاره على كل المستويات؟
وماهي حالة الناس اثناء الاعصار.
من المستفيد من الاعصار ومن المتضرر؟
اسئلة تثور وتثار احيانا عند مرور مثل تلك الاخبار ورؤية احداث الاعاصير من قبل الناس، وانا هنا سأحاول الاجابة عنها ولكن بصورة غريبة نوعا ما,, وليعلم القارىء الكريم اني لست بالمتخصص في هذا المجال ولكني مخلوق بشري يشمله امر الله سبحانه وتعالى بالتدبر والتفكر في مخلوقاته سبحانه وانا والاعصار من مخلوقات الله والامر بأخذ العبر والدروس من سنن الله الكونية.
وكما يعلم الجميع هذا الامر ورد في القرآن الكريم والسنة بمواقع مختلفة وألفاظ مختلفة تناسب المقام والحال فمنها قول الحق سبحانه أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون .
والاعصار مخلوق من مخلوقات الله كغيره من المخلوقات، كما الزلازل والبراكين وكلها تسير وتتكون وتحدث ضمن قدر الله وامره فله الحكمة البالغة.
وفي محاولة ذات هدف مقصود احاول صياغة افكار مفيدة وعبر مستلهمة من هذا الامر لعله يكون من باب الاعتبار والتفكر ومن باب النصح وفتح الاذهان لمثل هذه الظواهر وربطها ببعض المظاهر, فأقول وأسأل الله التوفيق فيما اقول.
حقيقة الاعصار؟
عبارة عن كتلة من الهواء تدور على محور بشكل لولبي تسير باتجاه معين وحسب سرعة الهواء وقوة دورانه، تتشكل في النهاية كتلة مرئية لسير الهواء مرتفعة في السماء الى مستوى يصعب الوصول بالنظر الى آخره بالعين المجردة، تحدث هذه الكتلة هالة عظيمة من المتغيرات المرئية على سطح الارض وكذلك في الجو الذي فيه الاعصار ومن ابرز مايميز الاعصار مظاهر منها:
* سرعة تشكله وظهوره بشكل مفاجىء احيانا.
* عدم القدرة على التكهن وبشكل دقيق بسرعته وشدته واتجاهه.
* ظهوره في الغالب على سطح البحر ويتجه نحو الارض المستوية ذات السهول والهضاب.
* عدم مروره في الغالب على الجبال او الظهور بينها.
* كلما زادت سرعة الدوران داخل الاعصار كان تأثيره اشد فتكا.
* يدمر الاعصار كل ما يمر عليه من بنايات واشجار ومزارع واعمدة وجسور وغيرها.
* لايمكن التنبؤ بالاعصار بوقت يسمح باتخاذ التدبيرات التي تخفف الخسائر الا عن طريق بعض المخلوقات من الحيوانات التي تشعر به وبقدومه بوقت قصير.
* الاعصار ليس لديه اي مشاعر واحاسيس بل هو جماد صلب على هيئة هواء يطير.
* الاعصار لا يفرق بين ماهو نافع او ضار بل يدمر كل ما يمر عليه ولسان حاله يقول: انا الاعصار,, انا الاعصار,.
هذه بعض مظاهر الاعصار ومميزاته ولكن ياترى كيف ينشأ الاعصار ومم يتكون هذا المدمر؟
تبدأ انطلاقة الاعصار والله اعلم من نسمة هواء عليلة على سطح بحر هادىء يطول بها السفر وتصاب بالملل فتتضايق وتكتئب فهي كسولة ملولة ثم تلتقي بنسمة اخرى اصيبت بما اصيبت به الاولى فتلتقي الفكرة بالفكرة,, عفوا فتلتقي النسمات ويعلوها الضيق لعدم اكتراث البحر لها ولا تعدو امام البحر الا ان تكون نسمة هواء تتطاير لا غير,, وهذا مايدعو النسمة التي تصر على إثبات وجودها أن تكون مؤثرة على البحر وتصبح تيارا هوائيا يدور حول نفسه من شدة الغيظ وتعلو في ذاته الرؤية لنفسه فيتعاظم ويكبر ويتكبر ومع هذا الدوار يجتذب اليه نسمات تتطاير حوله حائرة فيلفها التيار فتندمج بل تدخل جزيئاتها في التيار الام ليشكل عاصفة تبدأ بالتأثير على البحر وما ان ترى العاصفة نفسها مؤثرة عليه حتى تزداد ضراوتها ويزداد عنفوانها وتهاجم البحر لتخرقه دون ان تغرق فيه والبحر ليس الا سطحا مائيا يرحب بكل متقن للسباحة او لديه مركب متين جيد وليس لديه تحيز او حقد على احد، فالضعيف ليس له مكان في البحر الا بالتزود والاستزادة من العلم والمعرفة القوية الصحيحة المتينة للسباحة وفنونها او الركوب داخل مركب يحميه ويحفظه من الغرق.
نعود الى عاصفتنا التي اصيبت بالجنون والغرور محاولة اختراق الماء وتقليبه لا لشيء الا اثباتا للوجود فتدرك شيئا يسيرا من ذلك فتزداد اصرارا ويزداد نهمها باندماج نسمات اكبر حتى يحصل لها التأثير الاكثر فتصبح العاصفة ماردا جبارا لا يأتي على شيء حتى يجعله هشيما كالرماد وبقايا ممزقة وتصبح اعصارا.
وهذا التأثير يرفع درجة الجنون والعظمة فلا يكتفي الاعصار بما ادرك وحقق بل يطمع بالمزيد كالنار التي تأكل نفسها ان لم تجد ما تأكله، فيقرر الاعصار التحدي لينتقل من البحر الى اليابسة ليفرض سيطرته عليها ولا يجعل على اليابسة اي رطب او حياة,, فيستعد لغزو اليابسة ويعد العدة ويحشد الحشود ويزيد الدوران الذي يعطيه القوة والقسوة، فيقترب من اليابسة ويبحث عن ضعيف الارض وبسيطها خوفا من جبالها المتينة القوية التي يعرف الاعصار انه يتحطم عليها ويموت في احضانها,, فلا يقربها ويبحث عن سهول الارض المنبسطة منها,.
ومن عجائب صنع الاعصار انه يظهر لاهل اليابسة من بعيد بحلة خادعة جميلة المظهر, فليس في الافق الا بعض سحب وومضة برق خاطف ونسمة هواء عليلة تغذي الارواح وتنعش النفوس، فيغتر اهل اليابسة بهذا ويجلسون على شاطىء البحر يلتقطون صورا جميلة لذلك المنظر البديع البادي في الافق ويستبشرون بالقادم على انه مطر يسقي الارض ويلطف الاجواء، فيسعدون ويبتهجون بل احيانا يغنون فرحا باستقباله.
وكل هذا مايزيد الاعصار الا حقدا فهو لايرضى الهدوء ولا السكون ولا السلام ولا البناء ولا العطاء ولا اجتماع الشمل ولا لحظات الفرح والسرور ولا القوة ولا العلم ولا النور.
فهو لايريد سوى الدمار والهدم والدماء والايتام والاحباط وبكاء الرجال قبل النساء والتفريق بين الاحباب وتشتيت الجمع وتكسير الوحدة ونشر الضيق والضوضاء واقتلاع الاشجار الخضراء ورميها بعيدا عن اصولها المتينة وارضها القديمة.
وها هو يقترب والناس في غفلتهم لاهون وبالمظاهر مخدوعون وبأنسهم وفرحهم لاهون,, فما هي الا لحظات,, ويصرخ العارفون,, انه الاعصار,,انه الاعصار.
حل الاعصار,, وذكر الناس بيوم القيامة,, فلم يعد بالامكان النجاة,, فهو الاعصار,, قد حل بالديار، ودخل اليابسة يلبس ثوبا اسود,, يلف الديار والاموال والبنايات الشاهقة والعربات الثقيلة والاشجار التي كانت باسقة,, وها هي اشلاء طفل تتطاير,, يقذفها الاعصار يمينا ويدور بها شمالا,, فيزداد نهمه وتزداد حدته,, اما البضاعة ومحلاتها,, والكتب والثقافة والعلوم النيرة فأصبحت خبرا بعد عيان وذكرى يلفها الاعصار في قلبه يمزقها يفرق الحرف عن الحرف والورقة عن الورقة وكأنما هي العدو الوحيد له.
اما اهل اليابسة,, فلم يعد كثير منهم قادرا على الثبات ولم يعد لكثير منهم القدرة حتى على المحافظة على الثياب على اجسادهم,, فهم يلهثون ذات اليمين وذات الشمال باحثين عن ملجأ ومخبأ,, ومكان لايصله الاعصار,.
وهي لحظات لاتطول كثيرا,, فالاعصار لايزيده الدمار والخراب الا وحشية ونهما فيجن جنونه وتزداد حدته فيطلب المزيد ويرحل الى ديار عامرة ليجعلها قاعة صفصفا وينقلها من الحياة الى الموت فهو كما جاء سريعا ذهب سريعا, ولكن ماذا خلف وترك؟ وما الاثر والذكرى؟
الذين بقوا على قيد الحياة بعد الاعصار تمنوا الموت عندما ادركوا اثر الاعصار وافعاله, فلقد كان بعضهم يستقبل الاعصار قبل وصوله بالغناء والفرح وها هي المكافأة والجائزة, وياليت شعري كم من يتيم خلفه الاعصار,, وكم من انسان فقد عزيزا عليه وغاليا لديه,, كم من زوجات ترملن وأمهات تثكلن,, وصحيح اعيق ليعش بقية الحياة شبه ميت,, يا الله كم هو قاس ذلك الاعصار.
بدأ الناس يتلاومون ويتخاصمون على فعلهم قبل الاعصار,, ولكن لات ساعة مندم,, الخبراء منهم كانوا مشغولين عن رصد الاعصار بالتقاط صور للافق الجميل المليء بالسحب البراقة كالذهب ومن خلفها قرص الشمس يطل تارة ويختفي اطول منها, كانوا يفعلون ذلك وهم يعتقدون ان مجالسهم وجدران بيوتهم ستتزين بتلك الصور والمناظر الخلابة,, ولكن الحقيقة انه لم يعد هناك جدران ولا بيوت لتوضع عليها الصورة,, فالاعصار دمرها,, والاعصار كسرها,, فلم تنفع الخبرة الخبراء ولا المعرفة العلماء,, حينما لم يعملوا بها,, وغفلوا عنها,.
والسؤال الجاري الآن والغريب في نفس الوقت هل من مستفيد من الاعصار؟
الجواب نعم,, نعم,, اولئك النفر الذين ادركوا الخطر,, وعرفوا الضرر من الجشعين انسانيا وممن يفرحون بمصائب غيرهم,, ابتعدوا عن طريق الاعصار,, ولم ينبهوا الناس عنه او يحذروهم منه,, لأهداف غير نبيلة,, وغايات دنيئة,, فهم يريدون ان يرثوا الناس بعد الاعصار,, فيحتكرون الزاد والمؤن والدواء والبناء والغطاء والثبات والحذاء,, ليهنئوا بالثروة منه,, وليمتصوا اقوات الناس بالجشع والطمع,, فهم في الحقيقة خلفاء الاعصار,, واذنابه,, ومصائب قوم عند قوم فوائد.
هذا عزيزي القارىء هو الاعصار في ذهني وتصوري، ولعل بعض الصور والامثلة قد وضعت في ذهنك الدرس المراد والهدف المقصود,, وليس لي قبل الختام الا طرح سؤال جال في خاطري وانا اقرأ اخبار الاعاصير,, وهو: ألا يوجد اعاصير بشرية تأخذ اوصاف الاعاصير الطبيعية؟,, هل هنا في عالمنا الاداري,, والاقتصادي,, والاجتماعي,, والاخلاقي,, وجوانب حياتنا المتعددة المادية منها والمعنوية,, هل يوجد اعاصير إنسية؟,, تكون في ظاهرها جميلة الكلمة وبديعة المنظر,, وحنونة الملمس,, وما هي الا صورة ظاهرة كتلك التي في الافق ولا تظهر ما خلفها الا بعد تمكنها,, وسيطرتها,, ولكن لانقول الا اللهم سلم,, اللهم سلم,, اللهم سلم,.
يوسف بن محمد المانع

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولـــــــــــــــى
محليــــــــــــــات
فنون تشكيلية
مقـــــــــــــــالات
المجتمـــــــــــــع
الفنيـــــــــــــــــة
الثقافية
الاقتصـــادية
محاضرة
منوعــات
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
ساحة الرأي
الريـــــــاضيــــة
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved