إن الشريعة الاسلامية وهي خاتمة الشرائع السماوية، ولذلك فإنها جاءت عامة، يطلب من كل انسان الالتزام بها، عربياً كان او اعجمياً، ابيض كان او احمر او اصفر او اسود، قال تعالى وأرسلناك للناس رسولا النساء: 79 وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ، وذكر منهن انه ارسل للناس عامة، وأن غيره من الرسل كان يبعث الى قومه خاصة، ومن اجل هذه الخاتمة وهذا العموم، جاءت شريعة الاسلام كاملة تامة وشاملة، غير ناقصة ولا متناقضة، صالحة لكل زمان ومكان وأمة، يقول الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا المائدة:3 ويقول سبحانه: ما فرطنا في الكتاب من شيء الأنعام 38, ويقول ايضاً: ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء النحل:89 ، وقال أبو ذر رضي الله عنه: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً ، وفي صحيح مسلم عن سلمان رضي الله عنه انه قيل له: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال:نعم لقد نهانا ان نستقبل القبلة ببول أو غائط .
يقول ابن القيم رحمه الله: سبحان الله الذي فرض الفرائض، وحرّم المحارم، وأوجب الحقوق، رعاية لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وجعل شريعته الكاملة قياماً للناس، وغذاء لحفظ حياتهم، ودواء لدفع أدوائهم، وظله الظليل الذي من استظل به أمن من الحرور، وحصنه الحصين الذي من دخله نجا من الشرور، فتعالى شارع هذه الشريعة الفائقة لكل شريعة ان يشرع فيها الحيل التي تسقط فرائضه، وتحل محارمه، وتبطل حقوق عباده، ويفتح للناس ابواب الاحتيال، وأنواع المكر والخداع، وأن يبيح التوصل بالاسباب المشروعة الى الامور المحرمة الممنوعة، وان يجعلها مضغة لأفواه المحتالين، عرضة لأغراض المخادعين، الذين يقولون ما لا يفعلون، ويظهرون خلاف ما يبطنون، ويرتكبون العبث الذي لا فائدة فيه سوى ضحكة الضاحكين وسخرية الساخرين، فيخادعون الله كما يخادعون الصبيان، ويتلاعبون بحدوده تلاعب المجان, فيحرمون الشيء ثم يستحلون اياه بعينه بأدنى الحيل، ويسلكون اليه نفسه طريقاً توهم ان المراد غيره, وقد علموا انه هو المراد لا غيره، ويسقطون الحقوق التي وصى الله بحفظها وادائها بأدنى شيء, ويفرقون بين متماثلين من كل وجه، لاختلافهما في الصورة او الاسم او الطريق الموصل اليهما، ويستحلون بالحيل ماهو اعظم فساداً مما يحرمونه، ويغالون بها ماهو اعظم وجوباً مما يوجبونه.
والحمد لله الذي نزه شريعته عن هذا التناقض والفساد، وجعلها كفيلة وافية بمصالح خلقه في المعاش والمعاد، وجعلها من اعظم آياته الدالة عليه، ونصبها طريقاً مرشداً لمن سلكه اليه، فهو نوره المبين، وحصنه الحصين وظله الظليل، وميزانه الذي لا يعول، لقد تعرف بها الى ألباء عباده غاية التعرف، وتحبب بها اليهم غاية التحبب، فأنسوا بها منه حكمته البالغة، وتمت بها عليهم منه نعمته السابغة.
هي شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الاقسام، مبرأة من كل نقص، مطهرة من كل دنس، مسلمة لاشية فيها، مؤسسة على العدل والحكمة والمصلحة والرحمة، قواعدها ومبانيها، اذا حرمت فسادا حرمت ما هو أولى منه او نظيره، واذا رعت صلاحاً رعت ما هو فوقه او شبهه، فهي صراطه المستقيم الذي لا امت فيه ولا عوج، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيق فيها ولا حرج، بل هل حنيفية التوحيد، سمحة العمل، لم تأمر بشيء فيقول العقل: لو نهت عنه لكان أرفق، ولم تنه عن شيء فيقول الحجي: لو اباحته لكان ارفق، بل امرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث، فأوامرها غذاء ودواء، ونواهيها حمية وصيانة، وظاهرها زينة لباطنها، وباطنها اجمل من ظاهرها، شعارها الصدق، وقوامها الحق، وميزانها العدل، وحكمها الفصل، لا حاجة بها البتة الى ان تكمل بسياسة ملك، او رأي او قياس فقيه، او ذوق ذي رياضة، او منام ذي دين وصلاح، بل لهؤلاء كلهم أعظم الحاجة اليه، ومن وفق منهم للصواب فلاعتماده ولتعويله عليها، فقد أكملها الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك، وحيل المتحيلين، وأقيسة القياسيين، وطرائق الخلافيين، وأين كانت هذه الحيل والاقيسة، والقواعد المتناقضة، والطرائق القدد، وقت نزول قوله:اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً المائدة: 3 .
وأين كانت يوم قوله صلى الله عليه وسلم:لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك .
ويوم قوله صلى الله عليه وسلم: ما تركت من شيء يقرّبكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أعلمتكموه , ثم ساق رحمه الله احاديث اخرى ذكرناها في مقدمة المقال، واردفها بقوله: فأين علمهم الحيل والمخادعة والمكر، وأرشدهم اليه، ودلّهم عليه؟ كلا والله، بل حذرهم اشد التحذير، وأوعدهم عليه اشد الوعيد، وجعله منافياً للايمان، واخبر عن لعنة اليهود لما ارتكبوه، وقال لأمته لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل .
واغلق ابواب المكر والاحتيال، وسد الذرائع، فصل الحلال من الحرام، وبيّن الحدود، وقسم شريعته الى حلال بيّن، وحرام بيّن، وبرزخ بينهما، فأباح الاول، وحرّم الثاني وحضّ الامة على اتقاء الثالث خشية الوقوع في الحرام، وقد اخبر الله تعالى عن عقوبة المحتالين على حل ما حرّمه عليهم، واسقاط ما فرضه عليهم في غير موضوع من كتابه ا,ه.
نسأل الله العلي القدير ان يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وان يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والاخلاص والاحتساب في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
د, سليمان بن عبدالله أبا الخيل
وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية