هو مسجد وجامعة من كبريات الجامعات في العالم آنذاك,, خرّجت العلماء الأفذاذ، والموسوعات الذائعة الصيت، وأسعفت في جلاء الظلام عن الغرب في الفلسفة والأفكار والعلوم، وبها تخرج الإمام الفحل أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم رضي الله عنه,, وكانت زيارتي لقرطبة العظيمة المدمية للقلب في وقتنا الراهن ظهر وعصر يوم الأحد، ولم أُقدِّم على جامعها أي أثر، وكنت أريد المبادرة الى الصلاة في محرابه إلا أن فتاة تشرح للسياح والدكتور فواز يتابعها ثم يترجم لي، فاهتبلت هذه الفرصة حتى نفد ما في جعبتها، فبادرت الى المحراب فصليت ركعتين، ثم صليت أنا والدكتور فواز الظهر والعصر جمعاً وقصراً,, وهذا المحراب تحت قبة مزخرفة عازلة للصوت,, وهذه الهندسة المعمارية تسمح بتردد الصوت وسماعه في ارجاء المسجد على سعته وكثرة من يحتشد فيه,, واخبرني المهندس فواز ان هذا التصميم عند انشائه درس فنياً على نحو مسرح اغريقي.
قال ابو عبدالرحمن: وسيأتي ان شاء الله الكلام عن قصر الخلافة بقرطبة,, إلا انه يوجد على يمين المحراب باب يخرج على بناء أُزيلت آثاره زعمت مرشدة السياح انه قصر الخليفة، وقد وهمت وابعدت النجعة، وإنما ذلك المقصورة لا القصر,, ولو لم تصفه باستراحة في طرف المسجد لقلت: انها تريد الطريق الطويل الى القصر الذي ذكره الادريسي فيما يأتي من كلامه، ولان آثار القصر لا يزال معظمها ماثلاً,, والمقصورة تقليد اموي اندلسي للسيرة الاموية في المشرق، حيث يحدث للسلطان بناء مقصورة يصلي فيها وينعزل عن الجمهور، ومن ثم لا يؤذن للعامة بالصلاة فيها، وقد قال الامام ابن حزم عنها: (والصلاة في المقصورة جائزة، والاثم على المانع لا على المطلق له دخولها,, بل الفرض على من امكنه دخولها ان يصل الصفوف فيها، لان اكمال الصفوف فرض كما قدمنا، فمن اطلق على ذلك فحقه اطلق له، وحق عليه لم يمنع منه، ومن منع فحقه منع منه والمانع من الحق ظالم، ولا اثم على الممنوع، لقول الله تعالى: لا يكف الله نفساً إلا وسعها سورة البقرة/ 286 1 )
قال ابو عبدالرحمن: ابو محمد بديع البيان، ساحر الاسلوب,, ولكنه هذه المرة جاء بالكلام المعقد، والاسلوب الذي لا يغري، وذلك دليل على نقص البشر,, ومعنى كلامه رحمه الله تعالى كالتالي:
أ- الإثم على من منع العامة في الصلاة في المقصورة.
ب- من أُذن له بدخولها فلا إثم عليه في حرمان العامة من دخولها؛ لانه ليس بصاحب الامر، بل الاثم على المانع.
ج- ولكن عليه ان يصل الصف بها؛ لان وصل الصفوف واجب,, وهو له حق الدخول في المقصورة ولم يمنع منه، فحقه اطلق له,, واقامة الصف واجبة عليه؛ فذلك حق عليه لم يمنع منه.
د- لا إثم عليه ان منع.
قال ابو عبدالرحمن: اذن 2 يخرج من المقصورة، ويصل الصف بالمسجد ان لم يكن مكرهاً على دخولها، او مضطراً عليه لوظيفته,, ولا ارى المقصورة إلا بدعة من البدع احدثها بنو امية ترفعاً لا خوفاً، ولا ارى جوازها حتى تتعين ضرورتها، وتبقى ما بقيت الضرورة,, وبيان ذلك ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وهو مضرب المثل في العدل والورع- قتل في المسجد، وتجرّأ البدعيون على قتل افضل الخلفاء بعده وهما عثمان وعلي رضي الله عنهما ولعن قتلتهما، فحراسة ولي الامر في صلاته واجبة بعد هؤلاء الفضلاء، فإن علم اهل الشأن والاختصاص ان المقصورة وسيلة حراسة متعينة فصلاة الخاصة فيها مشروعة، وان اغنى عن ذلك الحراسة على ابواب المسجد واسواره مع قائمين على إمام المسلمين يحرسونه بين الصفوف واطرافها فينبغي الغاء المقصورة واتصال الصفوف، ويلي إمام المسلمين حاشيته,, واما الترفه بالمقصورة عن الخلطة من غير خوف فلا يجوز.
قال ابو عبدالرحمن: والرواق الداخلي المحيط بفناء مسجد قرطبة رواق مؤلف من مجموعة اقواس واعمدة رخامية على الطراز المعماري الاموي يظله كرنيش علوي يستند عليه السقف المائل، وتحت الكرنيش دعامات ذات زوايا كل واحدة نصف دائرية.
وارضية الفناء مرصوفة رصفاً جميلاً بالحصى الحجري الملون بألوان متعددة، والقطعة بيضاوية الشكل، وقد رصفت القطع طولاً، وألحمت بالجص.
قال ابو عبدالرحمن: وأحب ان اراوح بين مشاهدتي لمسجد قرطبة حالياً، ومشاهدة الواصفين له في سالف الزمان مكتفياً هذا الاسبوع بنص نفيس لابي عبدالله محمد بن محمد الشريف الادريسي,, قال رحمه الله عن قرطبة: وفيها المسجد الجامع الذي ليس بمساجد المسلمين مثله بنية وتنميقاً وطولاً وعرضاً,, وطول هذا الجامع مئة باع مرسلة، وعرضه ثمانون باعاً,, ونصفه مسقف ونصفه صحن للهواء، وعدد قسي مسقفه,, تسع عشرة منها قوساً,, وفيه من السواري- اعني سواري مسقفه بين اعمدته وسواري قبلته صغاراً وكباراً مع سواري القبة الكبيرة وما فيها - الف سارية، وفيه مئة وثلاث عشرة ثريا للوقيد,, اكبر واحدة منها تحمل الف مصباح، واقلها تحمل اثنى عشر مصباحاً,, وسقفه كله سماوات خشب مسمرة في جوائز سقفه، وجميع خشب هذا المسجد الجامع من عيدان الصنوبر الطرطوشي,, ارتفاع خد الجائزة منه شبر وافر في عرض شبر إلا ثلاثة اصابع,, في طول كل جائزة منها سبعة وثلاثون شبراً، وبين الجائز والجائزة غلظ جائزة,, والسماوات التي ذكرناها هي كلها مسطحة فيها ضروب الصنع المنشأة من الضروب المسدسة والموربي، وهي صنع الفص، وصنع الدوائر والمداهن,, لا يشبه بعضها بعضاً,, بل كل سماء منها مكتف بما فيه من صنائع,, قد احكم ترتيبها، وابدع تلوينها، بألوان الحمرة الزنجفرية، والبياض الاسفيذاجي، والزرقة اللازوردية، والزرقون الباروقي، والخضرة الزنجارية، والتكحيل النقسي,, تروق العيون، وتستميل النفوس باتقان ترسيمها، ومختلفات الوانها وتقسيمها,, وسعة كل بلاط من بلاطات مسقفه ثلاثة وثلاثون شبراً، وبين العمود والعمود خمسة عشر شبراً، ولكل عمود منها رأس رخام وقاعدة رخام,, وقد عقد بين العمود والعمود على أعلى الرأس قسي غريبة فوقها قسي أخر على عمد من الحجر المنجور متقنة,, وقد جصص الكل منها بالجص والجيار، وزينت عليها بحور مستديرة ناتية بينها ضروب صناعات الفص بالمغرة,, وتحت كل سماء منها إزار خشب فيه مكتوب آيات القرآن.
ولهذا المسجد الجامع قبلة تعجز الواصفين اوصافها، وفيها اتقان يبهر العقول تنميقها، وكل ذلك من الفصفص المذهب والملون مما بعث به صاحب القسطنطينة العظمى الى عبدالرحمن المعروف بالناصر لدين الله الاموي,, وعلى هذا الوجه - اعني وجه المحراب- سبع قسي قائمة على عمد، وطول كل قوس منها اشف من قامة,, وكل هذه القسي مزججة صنعة القوط,, قد اعيت الروم والمسلمين بغريب اعمالها ودقيق تكوينها ووضعها، وعلى أعلى الكل كتابان مسجونان بين بحرين من الفص المذهب في ارض الزجاج اللازوردي، وكذلك تحت هذه القسي التي ذكرناها كتابان مثل الاولين مسجونان بالفص المذهب في ارض الزجاج اللازورد من الفص الملون، وعلى وجه المحراب انواع كثيرة من التزيين والنقش وفي عضادتي المحراب اربعة اعمدة: اثنان اخضران واثنان زرزوريان لا تُقوَّم بمال، وعلى رأس المحراب خصة رخام,, قطعة واحدة مشوكة محفورة منمقة بأبدع التنميق من الذهب واللازورد وسائر الالوان، وعلى المحراب مما استدار به حظيرة خشب بها من انواع النقش كل غريبة,, ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الارض مثله صنعة خشبه ابنوس وبقس وعود المجمر,, ويحكى في كتب تواريخ بني امية انه صنع في نجارته ونقشه سبع 3 سنين، وكان عدد صنّاعه ستة رجال غير من يخدمهم تصرفاً، ولكل صانع منهم في اليوم نصف مثقال محمدي,, وعن شمال المحراب بيت فيه عُدد وطسوت ذهب وفضة وحسك، وكلها لوقيد الشمع في كل ليلة سبعة وعشرين من رمضان المعظم,, ومع ذلك ففي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لتثقله فيه اربع اوراق من مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وهو المصحف الذي خطه بيمينه، وفيه نقط من دمه,, وهذا المصحف يخرج في صبيحة كل يوم، ويتولى اخراجه رجلان من قومة المسجد، وامامهم رجل ثالث بشمعة,, وللمصحف غشاء بديع الصنعة منقوش بأغرب ما يكون من النقش وادقه واعجبه، وله بموضع المصلى كرسي يوضع عليه، ويتولى الامام قراءة نصف حزب منه, ثم يرد الى موضعه.
وعن يمين المحراب والمنبر باب يفضي منه الى القصر بين حائطي الجامع في ساباط متصل، وفي هذا الساباط ثمانية ابواب: منها اربعة تنغلق من جهة القصر، واربعة تنغلق من جهة الجامع,, ولهذا الجامع عشرون باباً مصفحة بصفائح النحاس وكواكب النحاس,, وفي كل باب منها حلقتان في نهاية من الاتقان، وعلى وجه كل باب منها في الحائط ضروب من الفصفص المتخذ من الآجر الاحمر المحكوك,, انواع شتى، واجناس مختلفة من الصناعات والترييش وصدور البزاة,, وفيما استدار بالجامع في اعلاه- لتمدد الضوء، ودخوله الى المسقف- متكآت رخام طول كل متكإٍ منها قدر قامة في سعة اربعة اشبار في غلظ اربعة اصابع,, وكلها صنع مسدسة ومثمنة مخرمة منفوذة لا يشبه بعضها بعضاً.
وللجامع في الجهة الشمالية الصومعة الغربية الصنعة، الجليلة الاعمال، الرائقة الاشكال، التي ارتفاعها في الهواء مئة ذراع بالذراع الرشاشي,, منها ثمانون ذراعاً الى الموضع الذي يقف عليه المؤذن بقدميه,, ومن هناك الى اعلاها عشرون ذراعاً، ويصعد الى اعلى هذه المنارة بدرجين احدهما من الجانب الغربي والثاني من الجانب الشرقي اذا افترق الصاعدان اسف الصومعة لم يجتمعا إلا اذا وصلا الاعلى منها,, ووجه هذه الصومعة كله مبطن بالكذان اللكي، منقوش من وجه الارض الى اعلى الصومعة صنع مقسمة تحتوي على انواع من الصنع والتزويق والكتابة والملون,, وبالاوجه الاربعة الدائرة من الصومعة صفان من قسي دائرة على عمد الرخام الحسن,, والذي في الصومعة من العمد بين داخلها وخارجها ثلاثمائة عمود بين صغير وكبير، وفي اعلى الصومعة بيت له اربعة ابواب مغلقة يبيت فيه كل ليلة مؤذنان على توال، وفي اعلى الصومعة على القبة التي على البيت ثلاث تفاحات ذهب واثنتان من فضة واوراق سوسنية,, تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين 4 رطلاً زيتاً,, ويخدم الجامع كله ستون رجلاً، وعليهم قائم ينظر في امورهم,, وهذا الجامع متى سها امامه لا يسجد لسهوه قبل السلام، بل يسجد بعد السلام.
ومدينة قرطبة في حين تأليفنا لهذا الكتاب طحنتها رحى الفتنة، وغيّرها حلول المصائب والاحداث مع اتصال الشدائد على اهلها، فلم يبق بها منهم الآن إلا اليسير,, ولا بلد اكبر اسماً منها في بلاد الاندلس, 5
قال ابو عبدالرحمن: هذا النص مليء بمصطلحات معمارية، والفاظ غريبة، واسلوب صعب، وتحتاج مفرداته الى تفسير من مثل تكملة المعاجم العربية لدوزي، وكتب الدخيل والمعرب، وكتب المصطلحات الحضارية والمعمارية,, ولعلي أفي بذلك او اكثره حينما يكون هذا البحث مادة كتاب,, وإنما المهم انه نص نفيس كتب في القرن السادس الهجري سيكون معلماً للمقارنة بين ماضي هذا المسجد وحاضره بعدما طرأ عليه من تغيير,, ومعظم هذه الاوصاف باق مرمم.
قال ابو عبدالرحمن: ومع هذا البحث الاشكال التالية:
1- الشكل الاول: رواق مسجد قرطبة.
2- الشكل الثاني: قبة مزخرفة مع العقود والاقواس مع فتحات الانارة في سقف المسجد.
3- الشكل الثالث: اسوار المسجد الحالي من الخارج.
4- الشكل الرابع: مشهد داخلي لبعض الاقواس والاعمدة بالمسجد.
5- الشكل الخامس: اسوار المسجد الخارجية من جهة اخرى.
1 المحلى 3/290.
2 تمنى المبرد ان يكوي يد من يكتبها هكذا: اذاً.
3 في الاصل المطبوع: سبعة.
4 في الاصل: ستون
5 نزهة المشتاق في اختراق الآفاق 2/575-579.
|