Saturday 13th November, 1999 G No. 9907جريدة الجزيرة السبت 5 ,شعبان 1420 العدد 9907


قراءة في الأعمال الشعرية للعواجي
حمد حميد الرشيدي

صدرت في الآونة الاخيرة المجموعة الاولى من الأعمال الشعرية لمعالي الدكتور الشاعر/ ابراهيم بن محمد العواجي عن دار المداد للنشر والتوزيع وتقع هذه المجموعة في حوالي 584صفحة من القطع المتوسط,وقد ضمت هذه المجموعة خمسة دواوين شعرية سبق للشاعر اصدارها وهي على النحو التالي: المداد، نقطة في تضاريس الوطن، قصائد راعفة، مدّو الشاطىء أنتِ، وشوم على جدار الوقت.
إن أول مايلتمسه قاريء الأعمال الشعرية للعواجي هو سهولة اللغة وبساطة تركيبها بساطة تجعلها أقرب ماتكون للسهل الممتنع بحيث لايحتاج قاريء المجموعة أو سامعها إلى قاموس أو معجم لغوي يلجأ إليه في لحظة الشعور بلذة القصيدة والتحليق في أجوائها، مما يفسد عليه بالتالي هذا العنصر الممتع من عناصر التذوق الشعري للنص.
ولاشك ان توقف قاريء النص الشعري أوسامعه عند لفظ غريب المعنى من ألفاظه، أو كلمة من كلماته يقطع تلك النشوة الشعرية التي يستحضرها هذا المتلقي أو ذاك أثناء القراءة الآنية للنص.
ولذلك فإن العواجي قد نجح في حفاظه على المسافة بينه وبين المتلقي بحيث لايكون قريباً جداً منه، فيحرم بذلك قارئه من لذة البحث عنه، ولايكون بعيداً عنه في الوقت نفسه بشكل يوجد فراغاً كبيراً بين الاثنين، ويجعل المتلقي غير قادر على ادراك كوامن الجماليات الشعرية لدى الشاعر.
ولعل هذه السمة هي من ابرز السمات التي اتّسم بها شعر العواجي في جميع قصائده الواردة في دواوينه آنفة الذكر.
فممَّا قاله في قصيدته ياقريباً من ديوان المداد :
ياقريباً كقرب نبضي لحسّي
يابعيداً ظننته بُعدَ أَم سي
أيّ دربٍ إليك غير انتظاري
أيّ ذنبٍ فعلته أيّ رجسِ
قاربي تاه و المسافات زادت
كلّما خِلتُ أنني كدتُ أُرسي (1)
وللملاحظ أن يلاحظ وبشكل واضح بساطة ألفاظ هذه القصيدة وسلاسة معانيها كغيرها من عشرات القصائد التي ضمتها هذه المجموعة.
وأعتقد أن الشاعر المبدع فيمايخص الصورة الشعرية ودرجة وضوحها هو اشبه مايكون بالمصّور الفوتوغرافي الذي يعرف كيف يلتقط الصورة للاشياء التي يراها امام عدسة الكاميرا فلايزيد كمية ضوء الفلاش مما يؤدي بالتالي إلى احتراق الصورة، ولايبعد المسافة بينه وبين مايريد تصويره بحيث تكون النتيجة صورة عمياء لامعنى لها، وإنما يجب عليه أن يتخذ المسافة المناسبة بينه وبين الشيء المراد تصويره.
أما فيما يتعلق بالتوجّه الشعري للعواجي فَلمتصّفح المجموعة أن يرى عدم تعصبه أو انحيازه لأي مذهب أو مدرسة من مدارس الشعر سواء كانت قديمة أو حديثه، بل هو شاعر يمارس طقوس الكتابة الشعرية بحياد واستقلالية، ويكتب الشعر من أجل الشعر وليس لأي شيء آخر، وذلك بدليل تنوع كتاباته الشعرية بين قصيدة عمودية وأخرى تفعيلية بالإضافة إلى تنوع مجالاتها وتعددها كقصائد وطنية ، ومناسبات، ورثاء، وغزل,, الخ.
ومما قاله على سبيل المثال من قصيدة تصدرت أولى صفحات ديوانه قصائد راعفة :
بأحرفٍ من دمي أهديك ياوطني
قصائداً كتبت من دفقِ أَوجاعي
القلب حجرتي والنبض قافيتي
رسومه فوق إحساسي و أَضلاعي
أوتار راعفةٍ تحكي جداولها
حكاية الحبّ في أعماق مُلتاعِ (2)
ويتبين لنا من خلال هذه الأبيات شفافية لغة العواجي وجمالها بعيداً عن أيّ تعقيد لفظي أو معنوي، ليس هذا فحسب، وإنما يتجلَّى لنا أيضاً حبه الشديد لوطنه الذي يسري بكل جارحةٍ من جوارحه كسريان الدم في الجسد، إذ إنه لاحياة لجسد دون دم.
ولعل قصيدة نقطة في تضاريس الوطن هي أنموذج شامل ومتكامل لالتصاق العواجي بوطنه، وحبه النقي الطاهر لأرضه وأهله ، وهي قصيدة تفعيلية طويلة ورائعة اثبتت طول نفسه الشعري ، وبإمكاننا أن نطلق عليها (القصيدة الديوان) أو (الديوان القصيدة) إن صح التعبير، وذلك لأنها القصيدة الوحيدة التي ضَمَّها ديوانه نقطة في تضاريس الوطن وممَّا جاء فيها قوله:
ويفيقُ الناسُ يسعون
إلى الأرض حفاة ,,سعداء
فَتُراب الأرض طهر ونقاء
كانَ يوماً خَدّ (خَلدا) ,,وابتسامات (خديجة)
يحرثون الأرض فالأرض حياة
وَشقاءٌ مستحبّ (3)
وفي شعر المناسبات يتجلّى لنا حضور الشاعر وتفاعله مع محيطه ، وتعاطفه الإنساني مع بني جلدته، وغيرته على أعراضهم وأراضيهم ودمائهم كما في إحدى قصائده التي قالها في أزمة الكويت ومالاقته من جرّاء الغزو العراقي الغاشم على أرضها حيث قال:
كويتُ ياوردة كانت مُفَتَّحةً
أَهدَت شذاها لأهليها ومُغتَربِ
غداً لكِ العودُ ورداً فيه شوكته
في وَجهِ مُغتَصبٍ أو وجه مُنقلِب (4)
أما في الرثاء فقد ضرب العواجي لنا مثلاً رائعاً للابن البارّ بأبيه بكل ماتحمل كلمة برّ من معنى، فهو بارّ بأبيه، مخلص ووفيّ له بشكل يجعلنا: جميعاً لا نملك إلا أن نقف احتراماً وتقديراً لهذه العلاقة الإنسانية الحميمة، ولهذه الرابطة المتينة التي تربط كلاًّ من الابن وأبيه ببعضهما كلما قرأنا قصائد العواجي في رثاء والده رحمه الله تلك القصائد الرثائية الحوليَّة التي عكف على كتابتها بذكرى وفاة والده من كل عام، حيث يقول من قصيدة له بعنوان أبا المكارم :
عامٌ على الأنفاس وَدَّعَنا
ذِكراكَ ياسيَّدي هل ينفع الكَلِمُ
سحابة ماتَوارت عن مَدامعنا
يوماً وجرحٌ عميقٌ ليس يلتئمُ
إلى أن قال:
خَلدتَ ياوالدي ذكرى معطَّرةً
عن وصفها يعجزُالإِبداع والقَلَمُ
وعهدنا أن نفي ماكُنتَ تأمله
فينا وفي ظله ننمو ونَلتَحِمُ (5)
وفي البيت الأخير تظهر لنا صورة الابن المخلص، الحافظ لأبيه في حياته وموته، والوفاء له بكل ماينبغي على الابن فعله تجاه أبيه.
أقول ذلك بعد أن لاحظت بعض الانحسار لهذا اللون الشعري من شعرنا العربي الحديث، ألا وهو شعر الرثاء وذلك بعد أن جرفته تيارات الحداثة، وأغرقته في رموزها ومُعَمَّياتها حتى صرنا نسمع ونقرأ كلاماً مختلطاً ببعضه أشبه مايكون (بأضغاث الأحلام) التي لاتفسير لها، والتي هي أبعد ماتكون عن أن نسمَّيها شعراً.
كما أنني متفائل بتجربة العواجي في القصيدة الرثائية، وفي أن يكون هناك من أمثاله من شعرائنا من يعيد لقصيدة الرثاء وهجها وتألقها، ويجدِّد بصماتها الخالدة في تراثنا الشعري العربي.
أما عن الجانب الوجداني أو الغزلي في هذه المجموعة فقد
اثبت العواجي قدرة شعرية فائقة في تصوير معاناته ومشاعره وأحاسيسه تجاه النصف الآخر وارتقى غزله العذري العفيف بالمرأة عن أن تكون مجرَّد متعة مادية، أو لَذَّة من المَلذَّات الزائلة إلى كونها نصفاً آخر مكملاً للرجل لامعنى للحياة بدونه,ولذلك فقد تجلَّت المرأة كثيراً في شعره بمسمَّيات عديدة لهانفس المعنى، فهي الأرض، وهي الوطن، وهي الحياة والشمس والهواء ,,,, الخ.
ومَمّا قاله في ذلك من قصيدة بعنوان أحلى النداءات :
رَفيقةَ الدَّربِ أوما شئت من جُمَلٍ
أَحلى النداءاتِ أن أدعوك عاشقتي (6)
إنه يخاطبها هنا ب رفيقة الدرب ولاشك أن المرأة هي رفيقة الرجل في الحياة، وفيها أنسه وسكناه وراحته في كل زمان ومكان,وليس عندي هنا أبلغ ممَّا قالته الكاتبة العربية الكبيرة الأستاذة/ غادة السَّمان من قراءة لديوان مَدّو الشاطيء أنتِ على الغلاف الأخير للمجموعة حين تحدثت عن صورة المرأة في شعر العواجي قائلة:
حين تطالع الشاعر العواجي جيداً تجد أن المرأة عنده ليست أرضاً فحسب، بل هي العناصر كلها، إنها الماء والنار والهواء والتراب ، وأنشودة امتداد المرأة الحبيبة في تراب الوطن، الأم تتكرر بإيقاعات جميلة مختلفة في قصائده.
فالحب عنده إحساس نبيل لايحيط بالمرأة فحسب، بل الوطن كله من مكة المكرمة إلى القدس الجريحة.
لاتخلو قصائد الشاعر ابراهيم العواجي من الجرأَة، ولكن الشهامة والفروسية العربية تظلَّانِ تصبغان كل حرف يخطه في المرأة غزلاً مبتكراً,, لَم يرشق امرأَةً في ديوانه إلاَّ بوردة بيضاء من النقاء,, .
هذا بعض ما استطعت أن اقرأه من خلال تصفحي لهذه المجموعة، وإن كان لابد لي من ملاحظات عليها فإني أحصرها فقط في الجانب اللغوي، أو ما يسمى في (علم العروض) ب (الضرورة الشعرية) التي أكثر شاعرنا الدكتور ابراهيم العواجي من اللجوء إليها في كثير من قصائده.
ولاشك أن العواجي شاعر كبير، وأديب يعرف كيف يتعامل مع اللغة، ولاتفوته المسألة اللغوية أبداً، إلا أنه ربما تعمَّد اللجوء إلى الضرورة الشعرية حتى أصبحت مع مرور الزمن ظاهرة تَعوَّدَ قرَّاؤه ومتابعوه على وجودها في قصائده فأصبحت مألوفة ومقبولة لديهم دون أن يستنكروها أو يستغربوها,ونحن وإن كنا نتضامن أحياناً مع مقولة ورثناها عن أسلافنا من كبار علمائنا البارزين في اللغة والأدب الا وهي يحق للشاعر مالايحق للناثر إلا أن الضرورة الشعرية في أحيان أخرى قد تضحّي بالمعنى الذي يطمح إليه الشاعر إذا لم يكن حذراً في تعامله معها,وكماهو معروف فإن للضرورة الشعرية أنواعاً كثيرة تكاد تنحصر في نوع واحد فقط في شعر العواجي ألا وهو (قصر الاسم الممدود) وأمثال ذلك كثير وشائع في شعره مثل قوله من قصيدة تفعيلية بعنوان (حينما يورق الصخر):
إِن أَبعدتنا غفلة القَدَر
أَو إن توارى عن خيالنا القَمَر
فَفي سمانا يسكن القَمَر (7)
حيث نلاحظ هنا حذفه لهمزة الاسم الممدود في كلمة (سماء) فأصبحت (سمانا) بدلاً من (سمائنا).
ومن قصيدة أخرى بعنوان أين السفر يقول العواجي: ومن ذا تكونُ؟ وأيّ المسافات تمشي
وأي البحيرات تروي ظماك (8)
ونلاحظ هنا أيضاً حذف الهمزة مطلقاً من كلمة (ظمأَك)وفي قصيدة بعنوان الغائب الحاضر يأتي قوله:
وأطفالٌ مَنَحتَهُمُ
دُروساً في الوفا النادِر(9)
حيث نرى حذف همزة الاسم الممدودة في كلمة (الوفاء) ليصبح الاسم مقصوراً بدلاً من أن يكون ممدوداً في الأصل.
(1)المداد ص46.
(2)قصائد راعفة ص305.
(3)نقطة في تضاريس الوطن ص279
(4) قصائد راعفة ص315.
(5)المداد ص138.
(6)وشوم على جدار الوقت ص509.
(7)المداد ص146
(8)مدو الشاطيء أنتِص433
(9)وشوم على جدار الوقت ص8526
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولـــــــــــــــى
محليــــــــــــــات
مقـــــــــــــــالات
المجتمـــــــــــــع
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
لقاء
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـــــــاضيــــة
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved