لما هو أتٍ حلقة الطاحونة ودولاب الساقية د,خيرية إبراهيم السقاف |
قال إقبال شاعر الباكستان العظيم: نَفيُ الذات هو غاية الذات الشخصية، بل إنه دليل ارتقائها ، ذلك جاء في ديوانه (أسرار نفي الذات)، وقال: ما أسعدني عندما يوهب لي ذوق الذات، إنه يدفعني إلى الخروج من ذاتي قال ذلك في ديوانه (جناح جبريل) ترجمها عبدالمعين ملوحي عن الفرنسية,, (ديوان جناح جبريل: ص33),, ويرى المترجم لإيضاح هذا القول: أن المجتمع الإنساني على النطاق العالمي سيتم إنجازه بالتعاون على قدم المساواة بين كل الأفراد في أوج ازدهارهم، لا بسيطرة بعضهم على بعض ,,.
والذات الراقية متفانية، لا تُؤثر ذاتها، ولا تسمو عن ذات الآخر إلا بها في حالة امتزاج الذات بالذات، كي ترتقي إلى مراتب التراحم بالتلاحم، وعندها تنتظم في منظومة التوحُّد الخلاَّق، كي تمنح,,,، فإذا ما منحت، أعطت نتائج توحُّدٍ لا يخلو من القوة، ولا يهون إلى ما دونها، هكذا أرى، وهكذا أجد أن الكون لم يرتق ذات لحظة من لحظات الحياة منذ أن دبَّت فيه الحياة، إلا بانتظام تآلفٍ خلاَّق بين ذراته، وذات الكون هي عبارة عن ذواتٍ متفرقة، اجتمعت في منظومةٍ متّحدةٍ تكوَّنت معها حركية هذا الكون بفعل التآلف/ التوَّحد/ التلاحم/ التراحم/ الود/ التحاب/ ,,,، وإذا ما رأينا الإنسان في لحظة تلاحمه بفرد آخر على سبيل المثال في /علاقة/ تقوم على التآلف، لوجدناه في اللحظة: قوياً/ منّتجاً/ مؤثراً/ معطاءً/ متراحماً/ متحاباًّ/ ودوداً/ متّحداً/ متآلفا/ ,,, يبدأ من نقطة التآلف وينتهي إليها,,، علاقةٌ مفرَّغةٌ تقوم في ملكوت التآلف الدائري,,.
عند هذا الأنموذج؛ ما بال الإنسان لا يتعظ فَيَعلَم أن بناء الكون من حوله، وعمارة الأرض عنه لا يتمّان إلا بتوحد الذوات في منظومة التلاحم التآلفي,,، كي يكون الإنجاز كما يقول الملوحي بالتعاون على قدم المساواة بين كل الأفراد ,,.
ولماذا لا يتعظ هذا الإنسان فيعلم أن دمار الكون، أي هدم عمارته لا ينم إلا عن انفصام: بين الذوات، وهيمنة بعضها على الآخر وهي نتيجة غير استكشافية لفرد دون آخر، ولا لمفكر دون الثاني إنها نتيجة مسلّمٌ بها جاءت عن إقبال الشاعر، أو الملوحي المترجم الذواقة، أو عن غيرهما,,,، فهي منطوق كل زمن بمن فيه، وكل مَن، في أي زمن، كيفما يكون، فهناك نتائج يصل إليها المفكرون، لأنهم المتعاملون مع الحياة بشفافية تجعل خوطرهم تقع على بعضها وقوع الحافر على الحافر كما قالت العرب,,,، وهي نتيجة (قابيلية هابيلية) منذ أن هيمن قابيل فقضى على هابيل، بَدءِ هَدمِ الكون ودماره، بَدءِ فسيلة السطوة فيه!,,.
والمرء يُنتج في لحظة تلاحمه بالآخر، انتاجاً في أقلَّه السعادة، وفي أكثره العمل، فالدافعية الناتجة عن متعة الاحساس بالتوحد، هي للحركة تسمو إلى مراتب عليا، حين يكون المرء في قمة سعادته، وهو في تلك اللحظة يكون في أوج قدرته على العمل، فإذا ما أدرك هذه الحقيقة الإنسانُ,,,، علم أنه لا بد أن يتلاحم مع الآخر/ فالآخر/ فالآخر,,,، كي تتكون حلقة الترابط في أقصى مداها,,,، وهي هنا تكون حلقة الطاحونة، أو دولاب الساقية، وكلاهما عند حركة الدوران ينتجان,,,، إما بذوراً مطحونة تُلقَمُ، وإما مياها متدفقة تُسقى، وفي الطحين غذاء,,,، وفي المياه رواء,,,، لذا فكل حركة دولابية مُفرّغةٌ إلا من حدود تلاحمية الدائرة تُنتجُ,,,، لذا فحب الذات فراغٌ وهلكةٌ، وحب الذات جوعٌ وعطشٌ، ذلك لأن الذات التي تتوحد بذاتها تنقرض، وتفنى، ولا تقوى على الإنتاج، لأن ليس لديها ما يغذيها ويثريها,,,، فتأكل ذاتها,,,، وتنتهي,,.
والذات التي تَمنَحُ قدراً من التجاسر على التوحد الذاتي، منطلقةً إلى دوائر الآخر، تسمو، لأنها تحمل قُدرَةً ما على اجتراء البقعة تحت قدميها، أو عند حدود وقوفها، والجذرُ الذي يقف واحداً لا فروع له، ولا أوراق تكسوها، ولا ثمار تُثقِلُها، جذرٌ إما خريفي، وإما قد مات في تربته,,,، أو شاخ,,,، وكل واحد لا واحدَ آخر معه، إما ميتٌ وإما شائخٌ، وإما خريفي,,,، والثلاثة لا ينتجون,,.
من هنا تسمو ذائقة الإحساس بالحياة,,.
فالحياة عطاء ونماء وإثمار وإنتاج,,.
فهي تتنافى مع التوحُّد الذاتي,,,، وتتمادى مع التآلف/ التوافق/ الدوران في حلقة الطاحونة للذاوت مجتمعةً، أو دولاب الساقية، في فراغ التوحُّد الأُطُري,,.
لذلك,,,، كن واحداً ممن هو جزء من الكل، كي تكون منتجاً لا تموت,، وامنح الحياة في الحياةِ لكل من يحيا في الحياة معك,,,، لتكون الحياةُ حيّةً بك,,,، وبهم,,.
* أيتها الذات، ما عَرَفتك إلا حينَ عَرَفتُ الآخرَ فيك.
* أيتها الذات، لو أنك تنطقين اللحظة، لسمع الكونُ أصواتَ كلِّ الذين تتغنين بهم، ويتغنون فيك,,.
* أيتها الحياة، أو لا تنطقين بين الحرف والآخر، وتحدثينا عن مساحة الدرب بين الحرف فيك، والحرف ليكون جسر التواصل بين الواحد، والآخر,,.
* أيتها الحياة، إنك جميلة,,,، لأنك منظومة الحب الذي يجمع في حروفك، وفي معانيك، كلَّ الذين يكونونك، فتشمخين، وتثمرين,,.
* أيها الآخر:
احمل فأسك، إلى فأسي كي نزرع في التربة شجرة، لا يقف جذرها خريفيّاً لا يثمر.
|
|
|