Saturday 13th November, 1999 G No. 9907جريدة الجزيرة السبت 5 ,شعبان 1420 العدد 9907


يارا
الجمال مجرد خبرة
عبدالله بن بخيت

ماالذي يجعلني اختلف مع الآخرين في كثير من الامور الثقافية والجمالية؟ مالذي يجعلني افضل سيارة تويوتا بينما يفضل صديقي سيارة نيسان, من البديهي ان نقول ان هذا يعود ل اختلاف الاذواق , فالمثل يقول لولا اختلاف الاذواق لبارت السلع , وهذا الجواب صحيح مائة في المائة ولكنه كقولنا عندما نسأل: لماذا يفور الحليب او تفور القهوة؟ فالاجابة السريعة يمكن ان تكون: يفور الحليب لانه ينطوي على خاصية الفوران.
عندما يدخل بدوي من الصحراء لاول مرة في حياته مدينة, فهناك اشياء كثيرة سيراها لاول مرة, فاذا شاهد سيارة سترتسم هذه السيارة في ذاكرته, وعندما يشاهد سيارة ثانية ستضاف هذه السيارة الى ملف السيارة السابقة,, فالرجل عندما شاهد السيارة الاولى لم يحتفظ بكل اجزائها وانما احتفظ بما أدهشه اكثر فيها, فالسيارة الاولى شكلت خبرة سابقة لاكتساب المعرفة بالسيارة الثانية, وعندما يشاهد سيارة ثالثة سيتعرف على السيارة الثالثة بالاستناد على ما شكله من معرفة من السيارتين السابقتين, وستنضم السيارة الثالثة لا كما هي وإنما كجزء يكمل به صورة السيارة النموذجية التي تشكلت من السيارتين السابقتين, بعد ذلك يكون لدى الرجل صورة نموذجية جديدة للسيارة تشكلت من ثلاث سيارات لا من سيارتين, وكلما مضى الرجل في مشاهدة مزيد من السيارات كلما تحسنت الصورة النموذجية وتطورت واصبحت اكثر ثراء, ويتصاعد هذا النموذج ويتسامى حتى يصبح اكثر تجريدا, ليصبح صورة مثال PARADIGM يتجاوز تعريف السيارة المعتاد, فتعريف السيارة ببساطة هو اداة مستطيلة الشكل تتحرك بدفع ميكانيكي يمكن للانسان ان يقودها وتأخذه من مكان الى آخر الخ, ولكن السيارة هي اكثر تعقيدا من هذا بكثير لان السيارات تختلف في الشكل وفي اللون وفي الحجم وفي القوة وفي السرعة وفي الصناعة وفي الغرض الخ, ورغم هذا التنوع اللانهائي في السيارات الا ان الدماغ يحتفظ بصورة نموذجية للسيارة مطورة من كل هذه التنوعات ليعرف بها جنس السيارة وليقيسها به, لذا لا يمكن ان يخطىء الانسان السوي تعريف السيارة, وهذا ما يحدث في داخل الذاكرة مع كل شيء في الوجود, مع جمال النساء ووسامة الرجال مع الشعر مع الرسم مع الثلاجات مع المدن مع الكراسي مع الحشرات مع الطواقي مع الاكل مع العطور مع كل شيء يتعرض له الانسان في هذا الوجود.
هذا باختصار يشير الى ان الذاكرة الانسانية ذاكرة خبرة وليست ذاكرة احتفاظ وهذا ما يميز ذاكرة الانسان عن ذاكرة الكمبيوتر, فالاسقاط او ما نسميه النسيان هو في الواقع ليس عيبا في الذاكرة بقدر ما هو جزء حيوي من ادائها, فعندما تتذكر احداثاً جرت يوم امس او قبل عشرات السنين فانت لا تتذكرها كما حدثت بالفعل وانما كما حدثت وفقا لتجاربك الشخصية وخلفيتك عن الاحداث التي تود تذكرها, فعملية التذكر التي تمارسها هي تعبير عنك انت لا عن الحدث الذي تتذكره, وعندما نسمع من يقول ان آفة الاخبار رواتها, فهذا القول لا يخالف الحقيقة, فالانسان لا ينقل الاخبار كما هي وانما ينقلها مصطبغة بخلفيته وخبرته السابقة, فالمرأة الجميلة هي ليست امرأة جميلة دائما وانما يتفاوت جمالها بتفاوت خبرة الرجال الذين ينظرون اليها, اما الاجماع الذي نشاهده على جمال امرأة معينة لا يعني ابدا ان هناك جمالاً نموذجياً يمكن نحتكم اليه جميعا, بقدر ما يعني اشتراك في التعرض لانواع وألوان متشابهة من انواع الجمال الانثوي.
فنحن كسعوديين او كعرب بصفة عامة نتعرض دائما لنفس النوعية من المظهر الانثوي الذي يدفعنا في الاخير الى تشكيل نموذجنا على خلفيته, او ان هذا الاجماع عند اي تجمع انساني يعود الى قوة المجتمع، تلك القوة التي تحاول ان تفرض نموذجا محددا على افراده الالتزام به لسبب او آخر, فالجمال في النهاية هو خبرة مكتسبة وغير مستقرة مخزنة في داخل الذاكرة وهي غير مستقرة لانها متنامية باستمرار اي مع كل تعرض لجمال جديد, ولو لاحظنا تطور المجتمعات الحديثة سنرى انها في ادبياتها واشعارها وحكايتها تتحدث عن نمط الجمال المنتزع من الصورة المحلية, فالسمراء والعيون السود والشعر الاسود كلها نماذج عربية صرفة ولكن مع التعرض الجديد للمرأة العالمية من اوربية شقراء وزنجية داكنة وصينية صفراء الخ نجد ان مقياس الجمال الانثوي قد توسع، فالذاكرة استدخلت خبرات جديدة فتنامت كما حصل مع البدوي في قصته مع السيارة.
يوم الأثنين ان شاء الله سنعود مرة اخرى للتقرير عن الذاكرة الذي نشر على الانترنت ونقرأ ببعض الدهشة مزيدا من محتوياته.
YARA 2222 * HOTMAIL. COM

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولـــــــــــــــى
محليــــــــــــــات
مقـــــــــــــــالات
المجتمـــــــــــــع
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
لقاء
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـــــــاضيــــة
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved