القاهرة مكتب الجزيرة محيي الدين سعيد
فاجأت موريتانيا العالم مؤخرا بقرارها اقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل واثار قرارها ردود فعل رسمية وشعبية غاضبة وحادة سواء على الساحة العربية او على الساحة الموريتانية نفسها، حيث احدث قرار التطبيع حالة من الانقسام بين صفوف الشعب الموريتاني الرافض للتطبيع مع اسرائيل التي لا تزال تحتل القدس والجولان السوري والجنوب اللبناني.
وقد تعمدت اسرائيل اثارة ضجيج اعلامي واسع حول خطوة موريتانيا اقامة علاقات دبلوماسية معها على الرغم من ان دور موريتانيا في الصراع العربي الاسرائيلي معدوم ولا يؤثر من قريب او بعيد في مجريات عملية السلام وقد وظفت اسرائيل هذه الخطوة للتغطية على مواقفها السلبية حيال دفع عملية السلام.
وتتعرض موريتانيا حاليا لضغوط جديدة لفتح سفارتها في القدس وليس في تل ابيب كما تستغل اسرائيل هذه الخطوة للايحاء بأن العرب والمسلمين تخلوا عن القدس وسلموا بحق اسرائيل في تحويلها الى عاصمة ابدية لها.
ولم يكن من قبيل المصادفة ان يتزامن قرار موريتانيا الاخير باقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع اسرائيل مع ما نشرته الصحف في تل ابيب عن اتصالات سرية تجرى برعاية وضغوط امريكية مع بعض الدول العربية لاتخاذ نفس الخطوة او الحديث عن تقارب اسرائيلي جزائري وان يتواكب ذلك مع هجمة اسرائيلية على مصر واتهامها تارة بعرقلة عملية السلام او الحديث عن تهديدات مصرية لاسرائيل من خلال تصريحات يتم الصاقها بمسئولين عسكريين مصريين تارة اخرى.
ويرى بعض المحللين ان الخطوة الاسرائيلية الموريتانية الاخيرة هي محاولة لنقل معركة التطبيع من قلب الامة العربية الى اطرافها,, وان هذه الخطوة التي جرى الاحتفال بها في واشنطن برعاية وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت تعتبر احد مظاهر او افرازات معركة اكبر تخوضها عدة دول عربية ضد المحاولات الاسرائيلية المستميتة لاختراق الجسد العربي وفرض الامر الواقع على العرب.
ومع ذلك فان الخطوة الموريتانية التي يصفها الكثيرون بأنها (مجانية) تكشف عن نجاح نسبي لاسرائيل في اختراق احد الاطراف الهشة في الجسد العربي، لانه يدعم استراتيجية حكومة باراك التفاوضية ولكونه يمثل ضربة قوية للموقف التفاوضي العربي في مواجهة المراوغات الاسرائيلية.
ويرى الكثير من المراقبين ان الحكومة الموريتانية ستدفع ثمنا باهظا لهذه الصفقة المجانية التي تبررها نواكشوط بحاجتها الماسة الى المساعدات الغرببة في ظل ظروفها الاقتصادية الصعبة وتخلي فرنسا عنها وسعيها الى الحصول على دعم اقتصادي امريكي عن طريق التقارب مع تل ابيب,, فالملاحظ ان الخطوة التي اتخذتها حكومة موريتانيا لم تراع مواقف ومشاعر الشعب الموريتاني العربي المسلم الذي يرفض بوضوح اي علاقات مع اسرائيل وهو ما يعني ان هذه الخطوة قد تؤدي الى خلق ازمة داخلية خاصة في ظل وجود معارضة قوية حتى داخل مؤسسة الحكم ذاتها لهذا التوجه واستعداد هذا الفريق لدفع الامور باتجاه ازمة داخلية مثلما فعلت عندما تم الكشف عن دفن نفايات نووية اسرائيلية في موريتانيا.
إيقاظ الخلافات
ويصف احمد ولد داده زعيم المعارضة الموريتانية في تصريحات صحفية له آثار هذه الخطوة بأن العلاقات بدأت تنمو بين من يسميهم ببطانة وسماسرة الحكم في المجالات الاقتصادية والتجارية والبحثية مع اسرائيل كما ان بعض رجال الاعمال المقربين من رئيس الدولة بدأوا في التعاون الزراعي مؤكدا ان هناك تغلغلا واختراقا اسرائيليا لبطانة النظام بما يعد مؤشرا مهما وخطيرا يهدد امن موريتانيا والامن العربي.
ويؤكد ان بلاده تعيش حالة اختناق حادة على المستويات السياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية وان العرب مقصرون تجاهها الا ان هذا لا يشكل مبررا لما حدث.
ويقول انه رغم ان موريتانيا ظلت مهمشة وفصلتها الصحراء عن العرب قرونا الا انها بقيت محافظة على عروبتها وولائها لامتها ومازال مجتمعها يحمل ثقافة عربية خالصة.
والاقتصاد الموريتاني يعتمد على اربع ركائز رئيسية للدخل القومي هي: صيد السمك والمناجم والزراعة والثروة الحيوانية ورغم ان شواطىء موريتانيا تمتد 900 كيلو متر وتعتبر من اغنى الشواطىء بالثروات السمكية الا انها تعاني من استنزاف هذه الثروات دون تخطيط ومنح آلاف الرخص لمزاولة مهنة الصيد ودخول سفن الصيد الى مناطق التكاثر مما يؤدي الى تدمير هذه الثروة واهدارها كما ان موريتانيا تمتلك نحو 150 الف هكتار قابلة للري والزراعة ولكن المستغل منها يقل عن عشرين الف هكتار,وبالنسبة لمناجم الحديد فان موريتانيا تعتبر اكبر مصدري هذه السلعة في غرب افريقيا واكبر المنتجين الا ان الشركة المشرفة على الانتاج تسببت في تسريح نحو 50 الفا من العمالة الموريتانية المعتمدة على العمل في هذه المناجم ولهذا قل اسهام هذا القطاع في الناتج القومي ونفس النتيجة بالنسبة للثروة الحيوانية التي تأثرت بالجفاف والتصحر رغم تمسك المواطنين بها كمصدر دخل تقليدي تاريخي.
وامتدت الانهيارات الاقتصادية الى القطاع المصرفي حيث انهارت عدة بنوك بسبب زيادة المديونيات.
فكل المعطيات تؤكد تدهور وانهيار الاقتصاد الموريتاني وكانت الخطوة الفرنسية الاخيرة بالتوقف عن دعم موريتانيا دافعا للبحث عن مصدر آخر لهذا الدعم تمثل في الولايات المتحدة الامريكية وبدأت موريتانيا اولى الخطوات في هذا الطريق بتقديم اوراق اعتمادها لدى تل ابيب كبداية سريعة وقصيرة نحو واشنطن التي كانت شاهدة على اوراق الاعتماد هذه ورحبت بها، بل ان جيمس روبن المتحدث باسم الخارجية الامريكية قال تعليقا على موقف جامعة الدول العربية من اقامة علاقات دبلوماسية بين موريتانيا واسرائيل قال (ان هناك فرقا بين الامانة العامة للجامعة العربية والدول العربية).
لكن الكثير من المراقبين لا يقبلون بهذه المبررات الموريتانية عن المعاناة الاقتصادية الحادة ويؤكدون ان العلاقة الجديدة مع اسرائيل سوف تترك آثارا سلبية على الاتحاد المغاربي العربي خاصة وان موريتانيا لم تتشاور مع اي دولة عربية تجاه هذا القرار وكأنها منعزلة تماما عن النظام العربي.
لكن الجميع يتفقون ايضا على ان ابتعاد العرب عن موريتانيا هو الذي افسح المجال لكي يتدخل الدور الامريكي والاوربي وينجز المسألة في هذا الوقت وبهذا الشكل تأييدا لاسرائيل.
|