Thursday 18th November, 1999 G No. 9912جريدة الجزيرة الخميس 10 ,شعبان 1420 العدد 9912


انها الأجواء فحسب,.
د, فهد حمد المغلوث

ن ما يميزنا عن غيرنا ويجعلنا نشعر بالسعادة والرضا عن أنفسنا، ليس فقط لأننا أفضل من غيرنا بما لدينا في جوانب معينة حبانا الله بها، وإن كانت تلك الاشياء التي لدينا جميلة ويتمناها الكثيرون ويحلمون بها، ولكن هي الاجواء الحلوة التي نعيش في ظلها، وكمية الدلال الذي نحظى به ينهال علينا ممن يحبنا، وطريقة المعاملة الحانية الرقيقة التي نلمسها ممن يهمهم امرنا، ونوعية الاهتمام الذي نحظى به ممن نحن كل شيء بالنسبة لهم.
وهذه الاجواء الجميلة الرائعة هي ما تجعل كلاً منا إنساناً آخر، هي ما تجعلك أنت تشعر بشعور مختلف تتمنى ان يدوم ويدوم, هي ما يجعلك تعيد النظر في الحياة بشكل يجعلك شديد الاقبال عليها، هي ما يجعلك تنظر للمستقبل بكل أمل وتفاؤل واشراق, هي ما يجعلك تحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنت فيه من نعمة السعادة التي لا تعادلها سوى سعادتك برضا الله عنك ثم سعادتك برضا والديك عنك ودعائهما لك في ظهر الغيب أينما كنت ومع من كنت.
خذ مثلا المثال التالي: فأنت قد تأكل في المنزل ،وهكذا تعودت، وقد يكون الاكل المتوفر في المنزل افضل ألف مرة مما هو في الخارج مثلا، ولكن مجرد دعوة الطرف الآخر لك لتناول كوبٍ من القهوة او الشاي او دعوته لك على الغداء في مكان ما خارج المنزل وليكن المطعم مثلا، فهذا في حدِّ ذاته أمرٌ في غاية السعادة والأهمية.
ومكمن السعادة ليس في نوعية الأكل او فخامة المطعم، ولكن مكمن السعادة في الفكرة نفسها، وأقصد بها فكرة مبادرة الطرف الآخر لدعوتك من تلقاء نفسه ودون تلميح، فماذا يعني ذلك؟
إن هذا يعني فيما يعنيه إحساسه بك وحبه لك وتقديره لما قدمته وتقدمه له والاعتراف بالجميل ليس بالضرورة ان يكون بإبداء الشكر لفظا,, أبداً! بل قد يُعبّر عنه بوسائل كثيرة ومتعددة لعلّ منها الهدية,, والمعاملة الحسنة الراقية والمبادرات الحلوة كتلك التي تحدثنا عنها والتي تشعرك بأهميتك وقيمتك واحساس من حولك بك، بل ربما تتنازل عن اشياء اخرى كثيرة في سبيل احساسك وحصولك على مثل تلك السعادة.
وأنت في هذه الاجواء الرائعة المتمثلة في جلوسك في زاوية هادئة خافتة من زوايا مطعم راقٍ هادئ، بودِّك لو تحتسي كوبا آخر من القهوة او الكباتشينو في هذه الاجواء الرائعة ولكن ما يمنعك ربما هو خوفك من زيادة كيلو سعرات حرارية ربما ساعدت في زيادة وزنك وأنت من تحاول ان تنقصه او تحافظ عليه!
بودّك في تلك الاجواء ان تُغمض عينيك كي لا ترى الوقت يمرُّ، بودّك الا تسمع عقارب الساعة تدق مؤذنة بنهاية رحلة السعادة المؤقتة التي تعيشها بصحبة مشاعر رائعة فائقة الجمال صعبة الوصف والتي لم تشبع او ترتوي منها بعد.
بودّك لو أخذت تعهداً خطيّاً من صاحب الدعوة بأن يكرر هذه الدعوة معك من وقت لآخر كي تشعر أنها دعوة حقيقية لم تكن مجرد صدفة او إرضاءً لموقف معين او بسبب شيء معين مفروض عليه, بودّك ان تزعل منه مرات ومرات اذا كان هذا الزعل سوف يكون سببا لتكرار مثل هذه الدعوة الجميلة والعيش في أجوائها.
وحتى النجاح في مجال ما سوف يظل ناقصاً، ولكنه سوف يكتمل بإذن الله حينما يشاركنا فيه من نحب، حينما يكون اول الجالسين في المقاعد الاولى منذ الساعات الاولى للاحتفال بنا لكي نعيش معاً لحظات النجاح لحظةً بلحظة دون ان يفوته منها شيء، لكي يرى بنفسه نظرات الناس لنا واعجابهم بنا.
في مثل هذا الموقف، تكون سعادتنا سعادتين: سعادة بالنجاح نفسه، وسعادة بوجود من نحبُّه بجانبنا، يُشجعنا ويبتسم لنا، تقع أعيننا في عينيه فنرى فيهما افتخاره بنا، لِمَ لا وسعادتنا هي سعادته ونجاحنا هو نجاحه، ليس بيننا وبينه اي اختلاف سوى الاختلاف في أيُّنا يحب الآخر أكثر! نراه اماننا ومعنا فنرى فيه طيبة الأب وحنان الأم وافتخار الطفل بحضور والده أو والدته في يوم الآباء أو الأمهات أو في تاريخ تخرُّجه وهو يرفل بثوب التخرج بخطوات ثابتة يمرُّ أمامنا مبتسماً ولسان حاله يقول: شكراً يا أعز الناس على مجيئك ووقوفك معي في أسعد لحظات عمري , أما نحن فسعادتنا اكبر وأكبر حينما يمرُّ بجانبنا لتسليم شهادة تخرُّجه، فلا تشعر سوى بالدموع تنهمر من أعيننا، إنها دموع الفرح التي لا نستطيع ان نقاومها مهما أُوتينا من قوة وكبرياء، لأن المناسبة والموقف اكبر من كبريائنا واكبر من ان نصرَّ عليها قابعة في مآقينا! وإذا لم تخرج الآن فمتى إذن؟ وهل هناك مناسبة اجمل من تلك التي نعيشها بمشاركة اعز الناس على قلوبنا فرحتهم.
بل حتى في حالة فرحنا وشعورنا بالتعب من كل اجزاء جسمنا، فإنه ليس الدواء ما يريحنا، بل هم الاشخاص الذين من حولنا بعد الله والذين لا يبارحوننا لحظة واحدة، ننام فيكونون بجانبنا,, نصحو ونفتح أعيننا فإذا هم أيضاً بجانبنا يطمئنون علينا، أليس الوالدان هم خير مثال لذلك - جزاهم الله عنا كل خير في الدنيا والآخرة - وكم نحن مقصِّرون في حقهم!
وأيضاً ليست المناسبات الجميلة هي التي تسعدنا بحضورها والاستمتاع بها، ولكن اصرار اصحابها على ان نكون جزءاً منها وإشعارهم لنا بأننا نحن من اضاف إليها طعماً خاصاً رغم أننا اشخاص عاديّون كغيرنا ولكن المعاملة الجميلة هي الجمال نفسه الذي ننشده في كل مكان وزمان أرأيتم، إنها الاجواء هي من لها مفعول السحر علينا وعلى غيرنا، فهلّا وفرناها بقدر ما نستطيع على الأقل من وقت لآخر، المهم ان نشعر بها لا ان نسمعها فقط, المهم ان تكون ولو بسيطة لا ان نحرم منها كلها!
همسة
مهما غادرت المكان,.
مهما تبدلت الأزمان,.
مهما تغيرت الأوطان,.
مهما حاولت النسيان,.
مهما كان منك ما كان,.
***
ستظل أنت من أبحث عنه,.
أنت من افكر به,.
سيكون مكانك شاغراً,.
لا يملؤه أحد سواك,.
حتى تعود إليه,.
***
ولو لم تعد,.
فسيظل المكان كما كان,.
لن يملؤه غيرك,.
لن يستحقه انسان سواك,.
***
وان كان لابد من انسان,.
فتلك هي ذكراك,.
التي ستظل خلوداً,.
إلى ما شاء الله,.
إلى أن ألقاك,.
***
لأن أجواء المكان,.
لا تكتمل سوى بك,.
ولأن أجواء الزمان,.
ستظل أحلى معك,.
لأنك لست أي انسان!
يا أغلى إنسان,.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــى
محليــات
فنون تشكيلية
مقـالات
المجتمـع
الفنيــة
الثقافية
الاقتصادية
منوعـات
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـاضيـة
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved