Thursday 18th November, 1999 G No. 9912جريدة الجزيرة الخميس 10 ,شعبان 1420 العدد 9912


علّامة الجزيرة,, حمد الجاسر في حوار مختلف مع الجزيرة
العولمة بدعة العصر، ومدلولها اتحاد الأفكار ضد المسلمات
الأمة يجب أن تكون ذات وجهة ثابتة يقتدى بها
خطورة العولمة تكمن في إزالتها لفروق الثقافة والمعرفة

*حوار/ عبدالحفيظ الشمري
علّامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر اسم ثقافي بارز في فضاء الطرح المعرفي المحلي والعربي,, تعددت أعماله، وانجازاته، وأثمرت جملة من الدراسات والمقالات والتحقيقات التي تشاهدها منشورة في العديد من الصحف والدوريات والمجلات.
الشيخ الجاسر قامة معرفية واعية اسهمت وما تزال تسهم في بناء وعي الإنسان وتحرك بقدرة مميزة اهتماماته الى جملة من الشواهد المعرفية الواضحة تلك التي تؤخذ حجة,, واستدلالا على بعض تلك القضايا الملحة في ساحتنا الثقافية.
وفي اضاءة جزء من اشكالية تشغل بال المثقف، والقارىء العربي,, توجهنا الى الشيخ الجاسر ببعض التساؤلات حول العولمة بوصفها مفهوما حضاريا يحتاج منا الى تأمل وتمحيص,, فكانت إجابات العلامة الجاسر استرشادا لبعض تلك السبل التي تصف هذه التحولات بما يشبه المسلمات في حين ان الواقع يفرض علينا التثبت والاهتمام بالوسائل المفيدة لفهم كنه هذه المعادلة فجاءت تساؤلاتنا على هذا النحو:
* * يقول البعض من الأدباء والمثقفين: إن العولمة صيروة قائمة، ستحول مجرى التاريخ الانساني، في حين ان هناك من يؤطرها بتطوير المنهج الاقتصادي, ترى الى اي الفريقين يكون انتسابنا؟
* * *
* * ما هو مستقبل خصوصية تاريخنا العربي في هذا السياق العالمي المتطور، هل سترشدنا العولمة الى فهم الواقع، ام ترانا اصحاب ذاتية ثابتة، ومنغلقة على نفسها؟
* * *
* وقد أجاب الشيخ العلامة حمد الجاسر برؤية مختلفة,, قائلا: وكنت وايم الحق لا اهوى ان اتعرض لهذه المباحث العقلية، من حوادث العصر، التي اجهلها جهلا لا يمكنني من ان اتحدث عنها بما يجب ان توصف به، ولهذا فمن الخير لي ان واقولها كلمة حق لا تواضع فيها : انني ذو جهل مطبق حيال ما سئلت عنه، وان من الاجدر بي والحالة هذه عدم الخوض فيما اجهله، وادع الامر للعارفين به، ولكنني سأتحدث بصفة عامة عن موقفنا نحن المسلمين ازاء مبتدعات العصر، التي لعل من اشرسها واشدها خطرا ما عرف باسم العولمة مما يخشى منه المساس بما يجب علينا الحفاظ عليه من اسس معتقداتنا وكل ما يتصل بحياتنا الروحية.
ان هذه المبتدعات والافكار على جانب من القوة والعنف، والبروز بمظاهر من الاغراء والجاذبية يخشى من الانجراف نحوها اذا لم تتخذ الوسائل القوية للحيلولة دون ذالك، واهم الوسائل ما يكون قائما على قواعد راسخة من العلم وسعة المعرفة، بما نحافظ على حمايته وصيانته، وان يكون علمنا بثوابت ديننا واخلاقنا الاسلامية مقرونا بالعمل، اذ تلك المبتدعات والافكار ليس من اليسير مصادمتها، ما لم تقابل بصيانة الاسس الثوابت من معتقدات الامة، وهذا لا يتم الا بالعلم، وويل لامة لا ترتكز مقدساتها الروحية على ذالك.
والامة الاسلامية ليست في مقدساتها وانماط سلوكها منغلقة على نفسها، فالدين الاسلامي جاء لاسعاد البشرية ولهدايتها، بما يكفل لها الحياة المثلى لمن عرفه حق المعرفة، وعمل به، وليس كغيره من الاديان، التي كبلت الانسان بقيود من التكاليف الثقيلة، وحرمته من ان تتوق اليه نفسه من الطيبات من الرزق قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده، والطيبات من الرزق الاعراف 32 بل اباح له كل ذالك مما لا يؤثر في صحته او يحدث له ضررا، او يكتسبه بطريق غير مشروع مما يتعلق بالحياة المادية.
وفوق ذالك فقد أطلق له حرية العقل، وهو افضل نعمة منحها الله الانسان ليتخذ من هدي الوحي نبراسا يسير عليه في حياته.
لقد قرأت لمحات موجزة عن بدعة العصر هذه العولمة ففهمت مما قرأت ان الغاية منها في اول الامر كان اقتصاديا، ولكن مدلول اسمها الذي يفهم منه ان العالم ينبغي ان يسير وجهة واحدة في جميع اتجاهاته من سياسية واقتصادية وفكرية واعتقادية وغيرها، اذ بدون الاتفاق على هذا لا تتم العولمة ، فاذا صح ان الغاية منها هو اتحاد الافكار بما فيها الاعتقادات الراسخة للامم والشعوب، والاتجاهات السلوكية، فلا شك انها من اخطر الامور على ما تتمتع به الامة الاسلامية من مقومات دينية وأخلاقية وغيرها.
والله سبحانه وتعالى قد حكم بأن الخلق لايزالون مختلفين إلا من رحم ربك هود 118 .
ورحمة الله تكون بتوجيههم الوجهة المثلى القوية في معتقداتهم وآدابهم وأخلاقهم، ولا يضير من استمسك بذالك، مما لايتفق معه من الافكار والآراء سواء العولمة او غيرها.
ان الامة الاسلامية ليست منغلقة على نفسها،اذا استمسكت بمقومات حياتها الروحية، القائمة على اسسها الثابتة، ومن اهمها السير وفق المنهج السلوكي في تقويم الاخلاق، كما اوضحها لنا الله جل وعلا في كتابه العزيز، وفي الثابت من سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام وما عليه القرون الثلاثة المفضلة في ذالك.
وللحفاظ على ذالك النهج القويم من تراثنا الروحي ركائز، اولاها فهم الاسس الثابتة من ذالك المنهج فهما تاما، ومن الوسائل لهذا الفهم لغة القرآن الكريم فصيانتها متمم لبناء تلك الاسس.
ومما يؤسف ان اعداء الاسلام يحاولون القضاء عليه بمختلف الوسائل، ومنها ادراكهم بأن هذه اللغة تعد الوعاء لذالك التراث، ومتى تمكنوا من العبث به استطاعوا للاتجاه بسهولة ويسر لهدم ما عداه.
وقد برزت اولى محاولاتهم لإيجاد وسائل التفريق بين الاقطار العربية، وذالك بنشر الدعوة باستعمال كل قطر منها لغته العامية والاستغناء بها عن استعمال اللغة العربية، التي بدونها لا يتم بين تلك الاقطار ما يجب ان يسود بينها من التقارب والتواصل والتعارف والامتزاج الروحي.
انني من المتفائلين, لهذا أرى ان كثيرا من هذا التهويل حول دخول الالف الثالثة الميلادية، وما استجد في العالم من المخترعات الناشئة عن الثورة العلمية، وابرزها وسائل الاتصالات، التي ازالت الحواجز والحدود الفاصلة بين الامم والشعوب، واحدثت رجّات عنيفة فيما تعده تلك الامم من اقدس ما تحافظ عليه من مورثاتها، وتلك المخترعات ستزداد قوة وتأثيرا حتى تطغى على ما عداها مما يعترض مسيرتها.
إلا ان كل ذالك قد يؤثر في ثقافات امم وشعوب ليست مبنية على قواعد قوية اساسها العلم والعقل.
أما الامة الاسلامية فقد اختار الله لها دستورا عاما عالميا اوجب على الخلق السير عليه والعمل به، وتكفل بمن قام بذالك عن معرفة ويقين أن لايضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، هذا المنهج هو ما أوضحه أشرف الخلق وخاتم الرسل محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بقوله: تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها وبقوله: تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وسنتي .
ان المسلمين بسيرهم على هذا النهج العالمي الاسلامي وبالتزام كل مايصونه ويحافظ عليه، وبالتدرع بتقليل ما حدث في هذا العصر من مخترعات علمية، وافساح المجال للافكار والعقول لمسايرة الامم المتقدمة فيما لايتعارض مع ديننا، تبرزنا امة ذات نهج خاص، يجب ان نكون فيه قدوة لغيرنا، لا ان ننتسب الى اي فريق يتجه وجهة مخالفة لوجهتنا.
حقا يجب ان نكون ذوي وجهة ثابتة، يقتدى بها، لا ان نكون تابعين لغيرنا، كما ينبغي ان نفسح المجال لعقولنا، فلا تنغلق على انفسنا، او نضع الحواجز والقيود للحيلولة دونها ودون الخروج الى آفاق رحيبة من السعة، تكسبها قوة ومعرفة بما يحيط بها، وتمدها بروافد من المعرفة، تهيىء لها العيش آمنة مما تحدثه التيارات العالمية من اهتزازات، وما تؤثر فيه ثورة الاتصالات التي لن نستطيع مهما فعلنا للحيلولة بينها وبين ان تؤثر فينا.
لماذا نعتقد بأن العولمة صيرورة قائمة، ستحول مجرى التاريخ الانساني؟.
لعل ابرز اتجاهات العولمة هو الناحية الاقتصادية التي اتخذت منها الدول القوية في العصر الحاضر وسيلة للترويج لها، وأظهرتها بمظهر هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا النور 39 حين قررت انشاء اجهزة اقتصادية، هي في ظاهرها لخدمة الاقتصاد العالمي ومساعدة الدول الفقيرة في اقتصادها، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للانشاء والتعمير ، وما هدف تلك الدول القوية سوى تكييف اقتصاد الدول الاخرى للانسجام مع النمط السائد في البلدان الغنية، وتحول اسواق بقية الدول لتكون اسواقا لبضائع الدول الكبرى.
ولم تكتف بهذا، بل اقامت منظمة التجارة العالمية الجات لتطبيق فكرة العولمة ، وتهدف تلك المنظمة الى انتقال رؤوس الاموال والافراد بين الدول بدون قيود.
ومن المدرك بداهة ان التكافؤ بين هذه الدول معدوم، ومن هنا يصبح الاتجاه يسير لصالح الدول الغنية، وتصبح العولمة خطرا على بعض الدول، لأنها تؤدي الى هيمنة دول أخرى.
ولا شك ان للناحية الاقتصادية تأثيرها البالغ في نواحي الحياة الاخرى كالناحية السياسية والاجتماعية.
فالعالم يكاد يهيمن عليه دول خمس هي أعضاء مجلس الامن الدولي التي قررت لنفسها الحق في التدخل العسكري لإقرار السلم حسبما تراه هي.
وبهذا تتضح خطورة العولمة التي هي في الواقع نظام يسعى لتحويل العالم الى كيان واحد عن طريق إزالة الحواجز من ثقافية واقتصادية وغيرها من بين الدول، وستكون الغلبة فيه للدول القوية التي قطعت شوطا بعيدا من البحث العلمي والتقني، وتحرير العقول، وإصلاح مناهج التعليم.
وما الذي يحول بين المسلمين وبين الانتفاع بكل ما يكفل لهم القوة التي تحميهم من كل ما يحاذر منه؟، ولا سيما ودينهم الاسلامي يوجب عليهم التدرع بكل وسيلة من الوسائل التي تكفل لهم العزة والمنعة، وان يصبحوا قادة امم العالم بدستور إلاهي سماوي شامل، اوجده الله سبحانه وتعالى قبل مبتدعات العصر من عولمة وغيرها.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــى
محليــات
فنون تشكيلية
مقـالات
المجتمـع
الفنيــة
الثقافية
الاقتصادية
منوعـات
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـاضيـة
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved