بيننا كلمة جناحان للتحليق د , ثريا العريّض |
سؤال في العمق يقابلني في الاجتماعات المهنية المتخصصة التي كثيرا ما استجيب لدعوة المشاركة فيها خارج حدود الوطن: ما الدور الذي يمكن ان تقوم به المرأة (المتعلمة والمثقفة والاديبة) في السعودية,, وهل هنالك ما يحول دون اضطلاعها بهذا الدور؟
هناك الكثير مما يستطيع الفرد المثقف رجلاً أو امرأة ان يقوم به لاعادة توجيه المسار في الحركة الاجتماعية, وهناك ايضا العوائق الفردية والموضوعية والمجتمعية التي تعرقل قيامه بهذا الدور الحيوي وتقزّم عطاءه والمرأة العربية وليس السعودية او الخليجية فقط تعاني من هذه العوائق بصورة اكثر اعاقة من الرجل, المثقف شاهد على عصره واول من يتضرر من أنواء تياراته.
ولنميز هنا بين الثقافة والابداع والقدرة على الريادة الاجتماعية.
ليس كل مبدع مثقفا,, وليس كل مثقف مبدعا,, ولا كل مثقف قادرا على القيام بدور الريادة الاجتماعية,, وتوجيه دفة التغير الاجتماعي بصورة ايجابية بناءة.
اذا كنا نتكلم عن المرأة المبدعة نراها بصورة عامة شبه منحصرة في قوقعة علاقتها العاطفية والاجتماعية المتأزمة, وهي قوقعة شفافة تعكس المرأة في تناقضات الذاتية المرتبطة باحساسات الانثى العاشقة الغاضبة المبعدة عن الرجل وعالمه الممنوع, أغلب الاعمال الابداعية لا تخرج عن نطاق البوح والدوران في فلك الحلم وهو الواقع او تمجيد دورها الملزم كأم وزوجة ومواطنة صالحة وكلها تقريبا تفضح بسذاجة رغبة طفولية في النجومية الاستعراضية.
في دورها كأديبة بودي ان ارى المرأة تكتب خارج طقس النجومية السائد, بتعمق فكري وبتأمل صادق في حقيقة مشاعرها ومن منطلق الرأي الذاتي وليس المشاركة في جوقة الرأي العام المصادق عليه مسبقا، اشعر اننا في كتاباتنا رجالا ونساء لا نقول كل ما نشعر به بل ما يجد تصفيقا,, تصفيقا من الداخل لمن تقوم بدور الواعظة وتصفيقا من الخارج لمن تقوم بدور المنشقة الغاضبة المتمردة.
اما في دورها كمثقفة فهي مثل الكثيرات من مثقفات العالم العربي تقوم بدورها المسموح به اجتماعيا في النشاطات التنموية والارتباطات الاسرية والتطوعية ولها في ظروفها الخاصة في مجتمع الجزيرة والخليج مشاركة قيمة في الجمعيات النسائية والمجالات الوظيفية المحدودة في المؤسسات الصحية والتعليمية النسائية والبنوك النسائية والمشاريع التجارية الخاصة, هل بقي ما يقال او ما يفعل؟,, بقي كثير جدا! ما دام المجتمع يتجدد ويمر كل يوم ليصقل مشاعرنا واحاسيسنا ورؤانا بمعاناته ومتطلباته هناك ما يبقى لانسان المجتمع ان يعبر عنه ابداعا او فنا ودراسة جادة ومشاركة عملية سواء كان هذا الانسان رجلا او امرأة,, كل منهما يشارك بمهارته يعبر عن رؤاه ومعاناته.
ولا اقصد بذلك ان المرأة تقف لتواجه الرجل في موقف من يقف طرفي نزاع,, بل اقصد انهما طرفان في قضية بقاء واحد ومجتمع انساني مشترك تتأثر هي بتطورات ومستجدات وانتكاسات وانتصارات هذا المجتمع من موقعها الخاص في المعادلة الاجتماعية مثلما يتأثر هو او ربما بصورة اشد بالذات بسبب هذا الموقع الخاص وتأزمات الرؤية المزدوجة,
وتستطيع التعبير حسب مؤهلاتها الفردية عن تأزماتها مثلما يستطيع هو ان يفعل حسب مؤهلاته,, فاذا بقي ما يقال للتأثير في صيغة المعادلة الاجتماعية التي تؤطر تفاعلاتهما فهو مجال مفتوح لهما معا لتطوير او تغيير او التأثير في معطيات المعادلة وتداخلاتها ولعل اهم ما يجب ان يقولاه معا هو ان المجتمع المتوازن الاسس والمؤهل للاستمرارية والمثمر العطاء لا يأتي الا تكاملا بينهما وتكاتفا على حمل مسؤولية مشتركة بين البيت والمجتمع.
المرأة والرجل جناحان للمجتمع,, لا يستطيع التحليق بواحد منهما في شلل الآخر, بل لن يستطيع التحليق اذا لم يعمل كلا جناحيه معا في حركة متعاضدة.
|
|
|