كل سبت بلادنا والمهرجانات الغائبة عبد الله الصالح الرشيد |
ما رأيت أغرب من الدعاية الرنانة ودورها في بلورة الخداع والتضليل وكيف تأتي بالعجائب والغرائب وتقتنص في حبائلها السذج والأغرار وحتى بعض المتعاقلين فهي تقلب الحقائق أو بمعنى اصح تحط من شأنها وتضع الترهات والأكاذيب وصور التمويه في مكانها وتجعلها في عيون بعض الناس حقائق لها قيمة وأهمية ومكانة بل وتجعلهم يكبرونها ويتعلقون بها ويشدون الرحال اليها مهما نأت وإليكم الدليل,, مهرجان أو سوق تجاري اقل من عادي أو بمعنى أصح محلات تجارية تتضامن فيها بينها لتختصر قيمة الدعاية بالقنوات الفضائية وتشترك بالغنم وتضع هالة دعائية طاغية للمدينة التي تقيم فيها وهي خارج بلادنا: نعم دعاية صاخبة وبراقة وخادعة فتجعل الناس في المناطق والبلدان التي تحيط بهم من قرب ومن بعد يتهافتون على هذا المهرجان الصوري بالبر والجو والبحر، ومن كل حدب وصوب وخصوصا الميسورين الذين لا يحسبون للمادة أي حساب أو يأخذهم الطمع او تسلبهم الدعاية وتفقدهم توازنهم وأحاسيس التفكير عندهم,, وعندما يأتون هناك بعد عناء ووعثاء السفر ومعاناة الحجز في الطيران والفنادق ويستقر بهم المقام وتتفتح عيونهم يجدون أمامهم عياناً بياناً البرق الخلب والسراب الخادع والمهازل السافرة والغلاء الفاحش والاستغلال المكشوف، وهنا لا ينفع الندم وان عضوا على اصابع اليدين والقدمين، وماذا يفيد ذلك وانت في وضع لا تحسد عليه من الاهانة النفسية والاحتقار لذاتك بعد ان انخدعت بهذا الهراء الأجوف واستسلمت به بتلقائية وعفوية وسذاجة, واذا انخدع الجاهل والساذج والمراهق والأخرق فما عذر العاقل والرزين والمتعلم وهو يندفع وراء هذه الدعاية بلا روية او تفكير، وبكل هذا الاندفاع الجارف,, لقد كتب الكثيرون في صحفنا وتحدث المختصون في الندوات والمؤتمرات الاقتصادية في مجتمعنا عن استنزاف اليد العاملة الأجنبية والشركات والمؤسسات والوكالات الاجنبية لما يزيد عن خمسين مليار ريال سنوياً في بلادنا وتحويلها في وضوح الشمس الى الخارج، واستطيع أن أقول وبلا مواراة ولا مواربة أن مثل هذا المبلغ نحمله بأنفسنا في كل اجازة وعلى مدار العام في الرحلات الخارجية لحضور المهرجانات التجارية والفنية والسياحية ونعود صفر اليدين الا من خزعبلات وهرطقات وخواء فكري ونفسي وبدني بعد أن صرفنا مدخراتنا ورصيد مستقبل أبنائنا في استئجار الشقق والفنادق والبذخ الطائش الارعن الذي يدل على سذاجتنا وضحالة تفكيرنا وسوء فهمنا وتخطيطنا للسياحة.
وبمناسبة الحديث عن هذا المهرجان وأمثاله فإذا كانت عندنا الارادة وقليل من التفكير وعندنا هذا الاندفاع لحضور المهرجانات السياحية والتجارية والرياضية من حولنا وبالتالي لدينا روح المواطنة الحقة فلماذا لا تستغل مواسم وفصول السنة في بلادنا لنجعل في كل جزء من بلادنا الحبيبة الأثيرة بأموالنا وجهودنا مهرجاناً معيناً في موسم معين لنجعل سمننا في دقيقنا ونغري الجاليات الهائلة في بلادنا بصرف بعض مدخراتها في الحضن الذي وجدت فيه العطف والامان والجاه والثروة,, مثلاً يكون في الربيع مهرجان تجاري وتسويقي في الرياض يقام في ايام مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة، او بعده مباشرة، ويكون في جدة ومكة مهرجان مماثل في مواسم الحج والعمرة او فصل الشتاء لاعتدال الطقس في هاتين المدينتين، ويكون في الصيف مهرجان كبير لمدة شهر في ابها او الطائف او حائل، وفي الخريف يكون في القصيم او الدمام او الهفوف وهكذا تتناوبه المناطق والمدن الرئيسية في بلادنا، وفي هذه الحالة تنتعش التجارة وتزدهر الأسواق وتمتلىء الفنادق والشقق وتتضاعف حركة الطيران وغيرها مما يصب في انعاش حركتنا التجارية وازدهار بلادنا ونستفيد من تجارب الآخرين وذكائهم وتخطيطهم، وهنا نقف وننتظر ونعتبر ايضاً ولله في خلقه شؤون.
|
|
|