خمس خطب جمعة للذكرى الخطبة الأولى أبوعبدالرحمن ابن عقيل الظاهري |
قال أبو عبدالرحمن: لإقبال شهر رمضان المبارك، ثم لحلوله: أضع خمس خطب مما يصلح لخطبة الجمعة، وسترون إن شاء الله أثرها العميق في النفوس,, وأعود بحول الله وقوته الى الرحلة الأندلسية بعد العيد المبارك .
الحمد لله ربنا الأعلى، الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، فقدر بقدرة وعلم وحكمة واتقان، وهدى هداية فطرية في الاكوان، وهداية بيانيةً ايضاحية شرعية حتى لا يكون للناس حجة يوم نصب الميزان، وهداية توفيقية اختص بها من شاء بتفضل منه وإحسان، ووعد بها من صدق وأخلص في تحري مراد ربه، والاعتراف بتقصيره وذنبه، وشمر في عبادة مولاه معبراً عن شكره وحبه، فالعبادة شكر، والمحبة اتباع,.
والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد المبعوث إلى الثقلين كافة بالحق، فكانت رسالته رحمة بالخلق، وكانت أمته أقصر الأمم أعماراً، وأعظمها أجوراً,, فلله الحمد والمنة، وصل اللهم وسلم على آله وأصحابه والمهتدين بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد أيها الناس: فاتقوا الله حق تقاته فإن خير الزاد التقوى، واستمسكوا من دينكم بالعروة الوثقى، واحذروا سخط الجبار فإن أجسامكم على النار لا تقوى، واعلموا أن لكم في كون ربكم مراحل من التاريخ جديرة بالذكرى، فمرحلة منها حياتكم في هذه الدنيا الفانية، وكل إنسان أعلم بمرحلته هذه وأدرى,, أعلم بها في يومه وقد ينساها في غده حتى تقدَّم له يوم العرض الأكبر وتحصى,.
ومن عادة الإنسان في الغالب أن يتذكر ما مضى، ولا يتفكر فيما هو آت,, إلا أن من تذكر في ماضيه معتبراً فهو إلى التفكير في ناظري أحرى,, والمرحلة الثانية حياتكم الهائلة فيما بين النفخة الثانية إلى المستقر الأبدي، فيا له من يوم عظيم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، ويصعق فيه من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، وتمور السماء موراً، وتسير الجبال سيراً، وينسفها ربي نسفاً فتكون كالعهن المنفوش، فالأرض جميعاً قبضته في ذلك اليوم، والسماوات مطويات بيمينه,.
يطويها جل جلاله كطي السجل للكتب,, يكون ذلك في المرحلة الثالثة من مراحل يوم القيامة بأرض الموقف والاجتماع والحشر إلى أن يأذن الله بالقضاء بين عباده,,أي بعد النفخة الثانية حيث خرج الناس من قبورهم في لحد أو كهف أو بحر أو جوف حوت أو طير أو سبع,, لقد أحصاهم الله وعدهم عداً، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً,, يكون ذلك بعد أن تنشق السماء فتكون وردة كالدهان وتكون واهية، وبعد انكدار النجوم، وانتثار الكوكب، وزلزلة الأرض، وخسوف القمر، وتفتيح السماء أبواباً، ودك الجبال والأرض دكاً,, وفي أرض العرض الأكبر يجمع الله الشمس والقمر، ويطوي السماوات، ويقول الرب سبحانه: لمن الملك اليوم؟,, لله الواحد القهار بعد أن يبدل أرضنا هذه بأرض غيرها يكون عليها العرض الأكبر، وتبدل السماوات بغيرها,, أيها الناس إنه بالنفخة الأولى يفني الله جميع الخلق إلا من شاء ربك، وبعد النفخة الأولى وقبل النفخة الثانية يفني ربنا من استثنى من خلقه كما قال تعالى: كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ,, وقبل النفخة الثانية يحيي الله الخلق، ويفني الكون، ويبدله بغيره,, وما بين النفختين أربعون يوماً,, بذلك صح الخبر في صحيح البخاري,, والأصل أن كل يوم ورد في نصوص الشرع فالمراد به مقدار مافي الدنيا، وهو الليل والنهار مدته أربع وعشرون ساعة حتى يأتي دليل أن المراد غير هذا المقدار.
وفي المرحلة الثانية من يوم القيامة يكون التبديل للأرض والسماوات، وفي المرحلة الثالثة اتجاه الخلق لأرض جديدة,, أرض الحساب والمحشر، وهي أرض وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه,, قال عليه الصلاة والسلام: يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد.
أما كيف يتجه الخلق إلى هذه الأرض فلذلك حديث يأتي,, اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه: أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد,, بارك الله لي لكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم,, أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروا ربكم إنه كان غفارا، وتوبوا إليه إنه كان تواباً,, يرسل السماء عليكم مداراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات وانهاراً، واذكروا الله يذكركم، واشكروا له نعمه يزدكم، وصلوا على عبدالله ورسوله محمد، فإن الإكثار من الصلاة عليه في يوم الجمعة مؤكد الاستحباب,, اللهم صل عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.
***
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه،والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد الداعي إلى رضوانه، المحذر عن سخطه وعاقبة عصيانه,, أما بعد:
فقد سمعتم مواعظ من كلام ربكم، وسنة نبيكم، واشتملت تلك المواعظ على كليمات ينبغي أن تعرفوها وتعوها، فتخلعوا عن وعيكم رين الجهل والتجاهل والتناسي لمعاني ما توعظون به,, مر بكم أن السماء بعد النفخة الثانية تمور موراً، والمور هو الجريان السريع في تعرُّج,, وتفتيح السماء أبواباً لينزل فيها من شاء الله من خلقه، وليرفع ما كانت عليه السماء من الإغلاق والحراسة,, وهو معنى تشققها كما قال تعالى: (يوم تشقق السماء بالغمام ونُزِّل الملائكة تنزيلاً) ]سورة الفرقان/25[,, والعهن المنفوش الذي تكون الجبال بهيئته هو الصوف المصبوغ، والصبغ يُلَيِّن الصوف,, والصعق الهدة الكبيرة، ويكون منها موت إذا أصاب الله بها من يشاء، ثم كُني بها عن الموت، فذلك معنى صَعِقَ من في السماوات والأرض,, ومعنى طي السجل للكتب لف السماوات كلف الصحف التي تتخذ للكتب او الكتابة، فكانوا يلفونها للحفظ، وربما أدخلوها في قصبة,, وكون السماء وردة كالدهان انها تكون على هيئة الورد في الوانه كالدهان الذائب الذي يصبغ به الألوان المختلفة,, ودك الأرض والجبال تليينها,, وأما وقت تبديل الارض والسماوات فهو المرحلة الثانية من يوم القيامة، وله حديث يأتي إن شاء الله,, وقُرصَةُ النَّقِيِّ التي شبه بها أرض الحساب هي الخبز الحُوَّارَى، والتشبيه به من جهة البياض والاستواء، والمراد بالحوَّارى الأبيض: إما لأنه من الدقيق الأبيض وهو لباب الدقيق ؛ فإنه يسمى حُوَّارى,, أو من التبييض؛ فإن كل مابيض من طعام يسمى حُوَّارى,, ونسب أبوعبيد في غريب الحديث الى طرفة قوله:
يطعم الناس إذا أمحلوا
من نقيٍّ فوقه أُدُمه
أيها الناس: اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم,, ألا وإن من هديه أن تغتسلوا لصلاة الجمعة؛ ففي صحيح البخاري: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل,, وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غسل يوم الجمعة واجب,, وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام,, يغسل رأسه وجسده,, وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام خرجت الملائكة يستمعون الذكر,, اللهم اهدنا للتخلق بالقرآن، ولخير الأسوة بالمصطفى عليه الصلاة والسلام,, اللهم أعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا,, اللهم أدم علينا نعمة الأمن والايمان,, اللهم لا تجعل بيننا شقيا ولا محروما,, اللهم جنبنا الزلازل والكوارث والفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن,, اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك,, اللهم أعد للاسلام سيادته، وللمسلمين هيبتهم وعزهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم,, اللهم أصلح ولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الحق,, اللهم خذ بيد ولي أمرنا، وارزقه الصحة والعافية، ومتعه بلذة الايمان واليقين، وانصره واخوانه وأعوانه بالاسلام، وانصر الاسلام بهم، واجعلنا واجعلهم هداة مهتدين,, اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وتابعيهم باحسان الى يوم الدين، وارض اللهم عنا وعنهم، وألحقنا بهم في صلاتك وتسليمك عليهم,, اللهم أهد من ضل من أهل القبلة ممن غلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجاوز به ما لم يرضه ولم ترضه مما هو حقك الخالص في العبودية، وأهد من جفا فلم يوفه حقه بأبي هو وأمي: من الحب والاتباع، وإكثار الصلاة والتسليم عليه، ونصر دعوته، والوعي بخصائص رسالته وكرامته عند ربه,, اللهم اهد من ضل من أهل القبلة ممن جفا عن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم؛ فأبغضهم؛ وتقوَّل عليهم المثالب، وطمس حسناتهم,, ومن عائد الحق بعد ما تبين له، أو ترك استبانته عناداً أو حمية فاخضد اللهم شوكته، وألبسه اللهم لباس الذل والقهر وضعف الحيلة، ولا تيسر اللهم له دعوة ضالة، ولا تجعل له قبولاً عند خلقك,, أيها الناس: إن الأصل في خطاب الله لرسول الخطاب لأمته حتى يقوم دليل الخصوصية، وقد أمره ربه وذلك أمر لكم ؛ فقال جل من قائل عليم (2) حكيم:(أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون),, والحمد لله رب العالمين، وسلام على عباده المرسلين.
(1) من أبناء هذا العصر من يقول: أقول ما تسمعون,, أو شبه ذلك؛ لأن الآيات السابقة من قول ربه وليست من قوله,, وهذا تخرج لا معنى له؛ فالقول يراد به الخطبة، وتعتبر من قوله وتأليفه مهما تضمنت من قول غيره,, والضمير هذا لا يشير للآية وبعدها كلامه هو، بل يشير بعرف لغوي عام الى كل ما مضى من الخطبة,, وعلى أي حال فكلمة: أقول قولي هذا ليست ضربة لازب، ولكن المهم ان من سلف غير آثم في قول هذه الجملة.
(2) مضت الخطبة في زمان مضى وانقضى بسلام بتوارث اللحن، فيقولون: جل من قائل حكيماً!!.
|
|
|