أنا ما همني لو يوم صرت الشاعر المشهور إذا ما أطرب قصيدي من قراه ولامس احساسه |
عندما قال رشيد الدهام هذا البيت كان مبيتاً له جميع المبررات ليقال صدقت فقد كان بإمكان رشيد أن يعمل زحمة اعلامية كما يفعل الكثير ممن مازالوا يزاحموننا حرية قراءتنا ليفرضوا علينا (نشر غسيلهم) كل صفحة واخرى,, وكان بامكان رشيد ذلك نظراً لعلاقاته الصحفية والخلقية القوية، ولكن اخلاقياته وعلاقاته كانت تسير في المسار الصحيح فتأنى الى ان بدأ يشعر بأحقية شهرته واحقيتنا في الاستمتاع بشعره بل الاستمتاع بفرحه وجرحه.
عمل زمنا ليس بالقصير في جريدة الجزيرة ومن ثم انتقل الى الى مجلة المختلف وكان بإمكانه كما اسلفت ان يعمل لنفسه خدمة اعلامية ليست بالسهلة ولكنه لم يبحث عن ذلك.
كنت زميلاً معه في مجلة المختلف وذات حديث سألته عن قصائد لديه كثيرة لماذا لم تنشر حتى الآن,, فقال: يا عبد اللطيف المسألة ليست (كم انت متواجد بل كيف انت متواجد) وكان كأنه مبيت لبيت له يقول:
عسى بيت القصيد ان ما بناله فالصدور قصور وحرك في نفوس الناس حاجة ينهدم ساسه |
ولعله أراد أن يقول:
الصمت يكفي ويشفي صدر راعيه لا صار كل الحكي ما له معاني |
وحقا فكما قيل:
اذا الشعر لم يهززك عند سماعه فليس حريا أن يقال له شعر |
قصائد رشيد كما لاحظت تمتاز بالسرد الروائي الشيق والحس الفطري سلس الاسلوب وعميق الفكرة.
يقول:
كنت أفكر مرة القى لي بداله دام طبعه صعب ولا صعب وصوله قلت يالله نفترق كل وفاله قال يالله!! قلت لحظة: من يقوله قلبي احلامه معه حسبت عياله وانت حلم توك بعمر الطفوله |
كلنا نعلم ان اغلب شعراء الساحة اليوم من ذوي الاتجاه الواحد وهو الغزل,, قليل من المفردات العاطفية المستوردة,, ومسطرة للوزن وغالباً ما تكون مسطرة عوجاء وموضوع (ممطوط) ومستهلك وسرد كأنه (طرد أرنب) (حدها،، ردها) اكتملت صارت قصيدة انشرها!!.
وهذا هو حال الساحة اليوم,اما رشيد فلم يكن كذلك بل كان يكتب الابداع ويعتقد التقصير ليس لعدم ثقة بل لمعرفته ان الرجل بأقواله وافعاله,اعيد واقول ان رشيد ليس من ذوي الاتجاه الواحد بل كتب في عدة اتجاهات ففي الوطن قال:
تخيلت الورق صحراء الجزيرة والنخيل اقلام تخيلت الحبر سيل وتخيلت السطر وادي كتبت اسمك عليه وفاحت الصفحة بعطر خزام شذاه اللي خذاه المجد من تاريخ الاجداد كتبتك يا وطن للشيخ ذكرى والصغير أحلام وأنا كلي غرور إن جيت أبا احكي عنك يا بلادي |
وفي الفخر قال:
يا كثر ما جني ثقال ويروحن خفاف ما نفع في غير الايام حب خشومها |
والتجارب تثمر الخبرة والخبرة تؤهل الى اسداء النصيحة:
الوفا مع بعض الاشخاص ما به ثابه يا ولد مع بعض الأشخاص لا تصخي به |
يقال إن (أعذب الشعر اكذبه) ولكن عندما يكون شعر المدح كذبة فانه يكون (اسوأ الشعر اكذبه) وهذا ما ادركه رشيد عندما اراد ان يمتدح فتبرأ من العذوبة الكاذبة واتجه نحو الشعور الصادق والقول الحق اذ يقول:
خطا الشعر كذب الغزل والله يبيح لعيون صدق المدح شعر الخطايا كم شاعر يهدي القصائد مشافيح يرجى من الممدوح رد الهدايا واليوم انا ابا امدحك ما لي مصاليح عسى القصيد يرد بعض الهدايا |
هكذا كان رشيد وهكذا كان شعره وهكذا كتبت عنه بعض الشيء مؤمناً بأنه (لا يمدح حاضرا) ولكن يجب ان نقول لمن احسن احسنت.
عبد اللطيف العوفي