Tuesday 7th December, 1999 G No. 9931جريدة الجزيرة الثلاثاء 29 ,شعبان 1420 العدد 9931


الشورى الإسلامية والديمقراطية الغربية 2- 2
دكتور: محمد عمارة

هكذا تأسست، وتميزت الشورى الإسلامية في الحياة والنظم الإسلامية
* فلسفة الاجتماع والعمران الإسلامي,, في الأسرة,, والمجتمع,,والدولة,.
* وإطارها وميدانها: كل ما لم يقض الله فيه قضاء حتم وإلزام للإنسان، مما تُرك له كخليفة عن الله في عمران هذا الوجود.
* والأمة فيها وبها هي مصدر السلطة والسلطان في سياسة الدولة وتنظيم المجتمع وتنمية العمران,.
* وهذه الأمة في تنظيم هذه الشورى تختار مؤسساتها، المكونة من أهل الذكر والعلم والفقه بالأحكام وبالواقع معاً,, فالمشاركة في الشورى للأمة,, وتمثيلها والنيابة عنها يقومان بواسطة المؤسسات ففي بيعة العقبة، التي كانت بمثابة الجمعية التأسيسية للدولة الإسلامية الأولى، عندما أراد حضورها من الأوس والخزرج مبايعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال لهم: اختاروا منكم اثنى عشر نقيبا ,, فولدت، بالاختيار أولى المؤسسات في دولة الإسلام,, وهي مؤسسة النقباء الاثنى عشر ,, التي كانت لها القيادة في مجتمع الأنصار,.
وفي مجتمع المهاجرين، قامت مؤسسة المهاجرين الأولين ، التي ضمت العشرة الذين مثلوا قيادات بطون قريش من الأولين اسلاماً,.
وبين هاتين المؤسستين المهاجرين الأولين والنقباء الاثنى عشر توزعت الاختصاصات القيادية في دولة المدينة، وذلك على نحو ما تحدث به أبو بكر في السقيفة إلى قادة الأنصار فقال: منا الأمراء,, ومنكم الوزراء , وذلك دون أن تجب المؤسسات سلطة الأمة، صاحبة الحق الأصيل في الخلافة، والتي تفوض ما ترى تفويضه إلى المؤسسات ,, ويشهد على هذه الحقيقة في الخلافة الراشدة أن ترشيح الخليفة، وإن تولته المؤسسات ، وبايعته بالخلافة البيعة الأولى ,, فإن حق الأمة في البيعة له قد ظل الكلمة الفصل في دستورية خلافته، وقيام الرضى بسلطانه,, فكانت الشورى تشرك في هذا الأمر: الناس: المهاجرين,, والأنصار,, وأمراء الأجناد,, والمسلمين (17)، دون أن تحرم الأمة من المؤسسات ، أو تحجب المؤسسات مشاركة الأمة في الشورى وصنع القرار,.
***
وإذا كانت الدولة في التاريخ الإسلامي، قد انحرفت كثيراً وقديما عن منهاج الشورى الإسلامية,, فإن هذا الانحراف لم يتجاوز نطاق الدولة المحدود,, فظلت الأمة، بعلمائها ومذاهبها وفية لفريضة الشورى الإسلامية، وبها بنت حضارتها، دون أن يعوق هذا الانحراف المحدود للدولة المسيرة الحضارية لأمة الإسلام,,
لكن الدولة الحديثة التي قامت في المجتمعات الإسلامية عبر القرنين الماضيين، والتي قلدت الدولة الغربية في شمول النفوذ وتعاظم السلطات، قد مدت استبدادها عندما استبدت إلى مختلف ميادين الحياة، الأمر الذي أحدث خللاً في علاقة الدولة بالأمة فتراجعت الأمة ومذاهب علمائها وسلطات أعلامها، وافترست الدولة أغلب حريات الإنسان!,, الأمر الذي يجعل من واجبات الإحياء والتجديد الإسلامي استعادة هذا التوازن بين الأمة والدولة بجعل الشورى الإسلامية منهاج الحياة في مختلف الميادين، وبلورة إرادة الأمة وسلطاتها في المؤسسات القادرة على تدبير أمور المجتمعات التي تعقدت شؤونها على نحو لا تجدي معه شورى الأفراد!,.
***
وإذا كانت هذه هي الشورى الإسلامية,, الفريضة التي لابد من تحويلها إلى فلسفة حياة للاجتماع والنظام الإسلامي,, فإن هناك قضية برزت من خلال الاحتكاك الحضاري بين الإسلام وأمته وبين الفكر الغربي وتجاربه في العصر الحديث,, وهي مشكلة موقف الشورى الإسلامية من الديمقراطية الغربية التي تبنتها أحزاب ومدارس فكرية واجتماعية في العديد من البلاد الإسلامية ,, وهل بينهما الشورى والديمقراطية تطابق كامل؟,, أم تناقض مطلق؟,, أم أوجه للشبه وأوجه للافتراق؟؟,.
ولتبيان الموقف الإسلامي من هذه القضية,, فلا بد من التمييز بين فلسفة الديمقراطية الغربية ,, وبين آلياتها,, وخبرات مؤسساتها ,.
فالديمقراطية: نظام سياسي اجتماعي غربي النشأة,, عرفته الحضارة الغربية في حقبتها اليونانية القديمة، وطورته نهضتها الحديثة والمعاصرة,, وهو يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأ المساواة بين المواطنين في حقوق المواطنة وواجباتها، وعلى مشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة، وذلك استناداً إلى المبدأ القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية,, فالسلطة، في النظام الديمقراطي هي للشعب، بواسطة الشعب، لتحقيق سيادة الشعب ومقاصده ومصالحه,, (18).
هذا عن فلسفة الديمقراطية الغربية,.
أما النظام النيابي ، الذي ينوب فيه نواب الأمة المنتخبون عن جمهور الأمة، للقيام بمهام سلطات التشريع، والرقابة والمحاسبة لسلطات التنفيذ في الدولة ,, فهو من آليات الديمقراطية، وتراث مؤسساتها، وبه توسلت تجاربها عندما تعذرت الديمقراطية المباشرة ، التي تمارس فيها الأمة كلها، وبشكل مباشر، هذه المهام والسطات,, توسلت بها الديمقراطية الحديثة إلى تحقيق مقاصدها وفلسفاتها,.
وإذا كان البعض يضع الشورى الإسلامية في مقابلة الديمقراطية سواء بالتسوية التامة بينهما,, أو بالتناقض الكامل بينهما فإن هذا الموقف ليس بالصحيح اسلامياً,, فليس هناك تطابق بينهما باطلاق,, ولا تناقض بينهما باطلاق,, وإنما هناك تمايز بين الشورى وبين الديمقراطية يكشف مساحة الاتفاق ومساحة الاختلاف بينهما.
فمن حيث الآليات والسبل والنظم والمؤسسات والخبرات التي تحقق المقاصد والغايات من كل من الديمقراطية والشورى، فإنها تجارب وخبرات إنسانية ليس فيها ثوابت مقدسة,, وهي قد عرفت التطور في التجارب الديمقراطية، وتطورها وارد في تجارب الشورى الإسلامية، وفق الزمان والمكان والملابسات,, والخبرات التي حققتها تجارب الديمقراطية في تطور الحضارة الغربية، والتي أفرزت النظام الدستوري، والنيابي التمثيلي،عبر الانتخابات، هي خبرات غنية وثروة انسانية، لا تعدو الحقيقة إذا قلنا إنها تطوير لما عرفته حضارتنا الإسلامية، مبكراً، من آليات البيعة وتجاربها,.
أما الجزئية التي تفترق فيها الشورى الإسلامية عن الديمقراطية الغربية فهي خاصة بمصدر السيادة في التشريع ابتداء ؟؟,.
فالديمقراطية تجعل السيادة في التشريع ابتداء للشعب والأمة، إما صراحة، وإما في صورة ما أسماه بعض مفكريها بالقانون الطبيعي الذي يمثل، بنظرهم، أصول الفطرة الإنسانية,, فالسيادة ، وكذلك السلطة ، في الديمقراطية، هما للإنسان الشعب والأمة,.
أما في الشورى الإسلامية، فإن السيادة في التشريع ابتداء، هي لله، سبحانه وتعالى، تجسدت في الشريعة ، التي هي وضع إلهي وليست افرازاً بشرياً ولا طبيعياً,, وما للإنسان في التشريع هي سلطة البناء على هذه الشريعة الإلهية، والتفصيل لها، والتقنين لمبادئها وقواعدها وأصولها، والتفريع لكلياتها وكذلك، لهذا الإنسان سلطة الاجتهاد فيما لم ينزل به شرع سماوي، شريطة أن تظل السلطة البشرية محكومة باطار الحلال والحرام الشرعي، أي محكومة باطار فلسفة الإسلام في التشريع,.
ولذلك، كان الله، سبحانه وتعالى في التصور الإسلامي، هو الشارع لا الإنسان,,وكان الانسان هو الفقيه ، لا الله,, فأصول الشريعة ومبادئها وثوابتها وفلسفتها إلهية، تتمثل فيها حاكمية الله,, أما البناء عليها، تفصيلاً وتنمية وتطويراً وتفريعاً واجتهاداً للمستجدات، فهو فقه وتقنين، تتمثل فيهما سلطات الإنسان، المحكومة بحاكمية الله,, وفي هذا الجانب يتمثل الفارق والخلاف بين الديمقراطية الغربية وبين شورى الإسلام,.
وكما أخذ المسلمون، منذ عهد الفاروق عمر، رضي الله عنه، عن الفرس والرومان، تدوين الدواوين، وغيرها من النظم والتجارب والآليات دون أن يأخذوا الشريعة والقانون والمذاهب والفلسفات ,, فكذلك، على حركة الايحاء والتجديد الإسلامي ان تصنع في العلاقة بين الشورى الإسلامية وبين الديمقراطية الغربية، فلا حرج من الأخذ بالنظم والآليات التي تحقق فلسفة الإسلام في الشورى والتشريع، وهي الفلسفة المؤسسة على نظرية الإسلام في الخلافة والاستخلاف والتي تجمع بين سيادة الشريعة التي هي وضع إلهي ثابت وبين سلطة الاجتهاد الإسلامي في فقه المعاملات وسن القوانين,, على حين تتأسس فلسفة الديمقراطية الغربية على العلمانية، التي تعزل الدين عن أن يكون حاكماً في شؤون الاجتماع والعمران، ومنها التشريع والتقنين,.
وفي انفتاح العقل المسلم على تراث الخبرات والتجارب الأوروبية في الديمقراطية,, وضرورة الاستفادة من النظام النيابي ومبادئ الحكم الدستوري يقول الإمام الشهيد حسن البنا: ,, فليس في قواعد هذا النظام النيابي الذي نقلناه عن أوروبا ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيداً عن النظام الإسلامي ولا غريباً عنه (19,, والباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري، التي تتلخص في: المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسؤولية الحكام أمام الشعب، ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الاسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم، ولهذا نعتقد ان نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، ونحن لا نعدل به نظاماً آخر,, فنحن نسلم بالمبادئ الأساسية للحكم الدستوري باعتبارها متفقة، بل مستمدة من نظام الإسلام ,,(20).
الحواشي:
(17) روى البخاري ذلك، في البيعة العامة للراشد الثالث عثمان بن عفان.
(18) انظر موسوعة السياسة المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1981م.
(19) مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا رسالة: مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي ص216 طبعة دار الشهاب القاهرة.
(20) المرجع السابق, رسالة المؤتمر الخامس ص172، 173.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

المتابعة

منوعـات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved