في السنوات القليلة الماضية قفز العلم قفزات كان من بينها ما يسمى بالتنبؤ الوراثي .
وأصبح تحليل وفرز بضع قطرات من الدم يكسب المحظوظ صاحبه ميزة الانذار المبكر ، فهم يقولون للمرء بناء على التحليل انك عرضة بسبب ما أودع فيك من صفات وراثية بكذا,, وكذا من الامراض.
وأنت معرض ,, تختلف تماما عن كونك ستصاب ,, وإنما هو الاستعداد والقابلية فخذ حذرك,, مثلا,, ينبغي ان تحترس من الغضب او من تلوث كيميائي معين,, او يصلح لك من الاعمال كذا ولا يجوز لك ان تمارس ذاك,, ولك ان تأكل من الطعام قائمة مديدة واحترس ان تقرب صنوفا بعينها,, وكل هذه ظروف بيئية تساعد على وقوع المرض,, اي تحرك الوراثة الجاهزة للاطلاق,, ولهم في ذلك تشبيه دقيق, فهم يقولون ان العوامل الوراثية مثلها مثل البندقية المعبأة بالطلقات ,, وإن العوامل البيئية مثل الزناد ,, وما دمنا نتحاشى الضغط على الزناد فإن الرصاصات لن تنطلق.
يتوصلون في ظني إلى حكمة طبية تقرر ان: من ينذر مبكراً,, يَحتَمِ مبكرا!
تُرى هل يختلف ذلك في ظنكم ايضا عن دور التربية؟
أظنكم توافقونني ان دور التربية الاصيل وقائي فإذا غابت او غيبت أو تاهت عن دورها في غيابات مجتمع او امة لسبب او اسباب,, فليتناد المخلصون بحرارة الى العلاج.
ولكننا إذا انغمسنا في العلاج فلا ينبغي لنا ان ننسى ان الدور الاصيل للتربية هو الوقاية.
إن ملحمة الشر عتيقة ومنغرسة في طبائع البشر ويمكن لنا ان نترصد خطواتها الآثمة منذ تعقب قابيل اخاه هابيل فقتله!,.
قتله ومضى كما تعلمون,, جريمة مفضوحة,, فهناك إذن ومن وقت مبكر في عالم الاجداد بحكمه وفواجعه,, من يقتل ولا يعبأ حتى بمواراة الجريمة,,! وكم يثير الحياء والتراجع في النفس ان يعزف اللحن السماوي حينذاك لحنا خجولا عميقا يؤديه غراب بطريقته فحسب,,!,.
(فبعث الله غرابا في الارض ليريه كيف يواري سوأة أخيه,.
قال : يا ويلتي!! أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟؟
فأواري سوأة أخي,,,!
فأصبح من النادمين) المائدة:31 .
وبهذا يتكشف ان منهج التربية في القرآن كوني شامل,, وان المدرسة هنا بمعناها المحدود ليست هي التي تربي,, بل هي ملحمة كونية تعطي اشاراتها من خلال آداب تلتزم بها طيور خرساء, والدرس يوقظ فينا كوامن ذلك الاحساس الغامض بأن اعينا كونية مفتحة، مستترة او ظاهرة تراقبنا وتعظنا ولو بجناحي غراب,, ها هو غراب يحط على مسرح الجريمة الآثمة ليعطي درسا، يظل اثره متواصلا آلاف السنين مستيقظا لحراسة الضمائر، وإيقاظ ما غفى أو تعطن منها خاصة في حمأة المستنقعات المجتمعية.
فهل يمكن ان يكون هناك تحليل تربوي يخدم تنبؤا تربويا للامة؟ ينذرها لتحتمي,, يعرف ما تعرضها له وراثياتها المرضية,, فيقول لها حاذري من تناول هذا,, ولا تخالطي ذاك,, اقتربي هنا وابتعدي هناك,, التزمي الصدق حافظي على الامانة,, لا تغادري الشجاعة.
فرزا تربويا,, يخرج لنا اقواما صادقين يقفون عند مداخل الامة,, يقولون لها إن كان ثمة خيل بالوادي,, فنصدقهم.
وخيل الامس,, غير خيول العصر,, تأتي عن ايماننا وشمائلنا ومن فوقنا ومن تحت ارجلنا,, بل جرت فينا مجرى الدم في العروق فجعلت من بعضنا لبعض عراقيل وعثرات وحفرا,, يشق على الاعداء احيانا ان يصنعوها.
ومودع فينا ان الانسان خلق هلوعا,.
إذا مسه الشر: جزوعا,,, وإذا مسه الخير: منوعا,.
ولكن هذا المستودع الشرير المرعب,, يمكن للتربية,, ان توقفه او تجتثه اجتثاثا,, والكابح,, والمانع,, هنا إلا المصلين ,, اي طبقا لنظام ورع يقوم على ان الصلاة ليست ركوعا ولا سجوداً فحسب، وإنما صلاة جوهرها إقامة الامتثال الحقيقي الصادق ثم هي الحركة بعد ذلك تنقل النفس ايجابيا، من ذاك الهلوع الجزوع المنوع ,, إلى الرؤية الثابتة لحقائق الحياة بداية ونهاية بما يخرج لنا انسانها واثق الخطى بروح تسترد الثقة والامل، وتقدم القدوة الصالحة,.
والله الموفق,,.
|