بعثرت اوراقها ورقة تلو الورقة، ورمت بأسرارها فوق كومة الأوراق المبعثرة، كل حياتها كل تفاصيلها مباحة على هذه الأوراق، على الأرض,, اوراق,, وجسد,, لم يجد بداً من الاندماج واحتضان حروفها,, حروف لملمتها حرفاً، حرفا غذتها بأجمل احاسيسها,, كان حبا,, كان وعدا,, تجاوز حدود الورق,, تجاوز حدود خصوصيتها,, استرجعت تفاصيل تلك الحروف الخاصة التي استباحت خصوصياتها آلاف العيون ولاكتها آلاف الألسن,, خفية مرة وعلناً مرات,, ارتدت رداءها الابيض وجلست العذارى حولها، وهنّ يتمنين ارتداءه مثلها,, استرجعت دقات الدفوف ونظرات الرغبة في عينيه وعلامة حميمة لفها الليل تحت ستاره,.
كم من الذكريات الهادئة والصاخبة قلبتها مع تقلب كل الاوراق المبعثرة تحت جسدها,, ضربة من الجنون او يتلوى هذا الجسد على كومة من قصاصات هي كل ما تبقى لها بعدما شيعت كل قناعاتها الى مثواها الابدي,, قال لها ذات يوم انا وانت شيء واحد,, لا ننفصل، فادمجي حروفك في حياتنا نحن الاثنين، وعن طيب خاطر انصاعت وتركت حروفها للضياع ومرت بذهنها خواطر كثيرة تورمت وتضخمت فأصبحت صداعا مزمنا يؤرق مضجعها ليال وليال، خواطر اغلبها انعكاسات لتجارب مريرة، تجارب كادت تخنقها، سحبت مرارا وبقوة الاوكسجين من رئتها وجمدت الدماء في شرايينها وتأرجحت روحها بين واقع زيفته الوعود الكاذبة وواقع آخر يعيشه مع امرأة اخرى.
تداعى جسدها منهكا فاقدا تجلده في تحمل الآلام لتنهار ومبادئها في بؤرة السقوط، وتطفو كل خصوصياتها الهامشية والدقيقة جدا، وتدقق بهما نظرات نارية تسكن حدقتها الكراهية وتتدافع اقدام حاقدة لتركلها بعنف، لتتمتع بنشوة انتصار مزعومة,, حاولت ان تسد اذنيها عندما سمعت تصفيقا لأيدٍ تعودت التصفيق عبثاً، نشوة كبرى تحدث عندما تنهزم بعض من مبادئ صادقة وتضيق دائرة وجودها وتحشر بين دوائر اكبر وأكبر تتلاشى ملامحها قسراً، والخوف ينمو عندما نغذيه بقناعات بالية تغوص في اعماق حروفها القديمة,, حروف حدت من نموها ذات يوم في سبيل سعادة وهمية!
فرت دمعة ودمعة توالت من بعدها دموع تلألأت بانعكاسات الإضاءة على قسمات وجهها,, كل الدموع تحذو حذو الدمعة المتلألأة وعكست خواطر سقطت عفواً في ذاتها,, عواطفه المزعومة، نظراته الحنونة، تلك العينان كانتا ملاذها ومنطقة السكن لروحها، منطقة احتضنتها طويلا,, وهاهي تخرج منها بعد ان دفعت نفقاتها الباهظة مؤخرا,, وسيظل القسط ابديا,, اسرفت تعترف هي بذلك عندما تركت كل خصوصياتها مبعثرة في عمق عينيه,, احتضنت اوراقها المهجورة من جديد، وكتبت قائلة:
اعترف بسذاجتي وبغبائي المبطن بعواطف عاتية الاندفاع متهمة بالاندفاعية,, حذرتني امي كثيرا من عواقب اندفاعي,, كل رفيقاتي ألبسنني قلادة نحتن عليها صفة الدوام مندفعة,, مندفعة وقدمنها لي هدية مع اسفهن الشديد، وعندما قررت ان اسكن في عينيه شرعاً شيعن بحرقة كل قناعاتي حينها,, وبرأن عقلي من لحظات هوائية مزاجية، قلن إنها تنتابني في قمة عقلانيتي، كنت اظن ان التشبث بالخطأ الذي يعتقدنه قد يكون فضيلة,, التمست العذر له حتى اصبحت مساحتي في عينيه خالية فاضطر هو لملء تلك المساحة واندفعت اعتلي هامات شموخي كعادتي ارتفع بقناعة وبيقين ثابت بأن الروح ليست سلعة للاستهلاك، وبكبرياء اقتنص غيرتي خلسة واطلق العنان لحرية ذاتي واعتكف وحيدة ولا اقبل العزاء.
عدت الى شرنقتي ألملم اوراقي وشؤوني,, اغفو ويغفو الحزن معي واستيقظ بدونه، أدلف الى عالم المنافسات التي تسمو بعضها احيانا زيفاً وخداعاً,, لم أكرس ذاتي يوماً لمنافسة ملتوية يفوح من رائحتها عفن الغدر، لا انكر بلاهتي الشديدة عندما ارتضيت به حبيباً، جاء يحمل بين يديه تاجاً مرصعاً بحبيبات الأمان تزين أطرافه حواشي الاستقرار,, بهرت لحظتها وطرت فرحا,, كم كنت ساذجة,, كم كانت احاسيسي عفوية، ارتبطت به عاطفياً وبكل اشيائه من حولي، حاولت ان افصل مراراً بين عاطفتي وتعودت وفشلت لأن الشبه بينهما متقارب جداً,, وحين لمحت تلك الأخرى تحتل مساحتي استطعت ان اقضي على عاطفتي وتعودي معاً.
حطمت اشياءك بقاياك,, ولم يعد لك في حياتي متسعا,, ذرفت دمعا,,اعتصرت قهرا ولكن ليس لأنك فضلت الأخرى وتركتها تستبيح خاصتي وتعربد في زوايا مملكتي ولكن لأني اسرفت في ثقتي فيك وفي نفسي لأنها احبتك باندفاع يوما.
,, وبشوق لملمت اوراقها واعادت اكتشاف نفسها لتبدأ من جديد في تبديد كل نقاط ضعفها وتستجمع نقاطاً اخرى خلقت من رحم التجربة، وخرجت بكل عنفوان الى ساحة عقلها، قوية,, ولكن بدون اندفاع أرعن وإنما نقاط مدروسة سوف تفصل بينها وبينه,, وبين المرأة الأخرى.
فاطمة الكواري
8/98م