Tuesday 7th December, 1999 G No. 9931جريدة الجزيرة الثلاثاء 29 ,شعبان 1420 العدد 9931


يتيم حرب الكويت

كان الشر يكمن في نفسية صدام حسين حتى سولت له اطماعه في فجر أحد الأيام أن يغزو دولة الكويت بجحافله المدمرة التي حرقت الأرض والبشر والشجر وسرقت الأموال وانتهكت الأعراض، وخطف الإنسان الآمن من عقر داره الى أرض مجهولة، وكم افرزت هذه الحرب أفراداً مشوهين غير قادرين على مواجهة الحياة كما خلّفت العديد من الأرامل والأيتام الذين اكتظت بهم الملاجئ في كل مناطق دولة الكويت.
وهكذا روى أحد الأيتام قصته قائلاً: جاء أشرار صدام حسين فجراً إلى دارنا واقتحموها واقتادوا والدي إلى الخارج وفزعت أمي وجدي وجدتي وهرولوا خلفهم إلى الساحة الواقعة في شارع بيتنا الكبير ولكنهم قتلوا والدي أمام أعيننا رمياً بالرصاص ومن يومها وأنا أعيش في خوف وهلع، ومرت الأيام واخذت أدب على الأرض وأعي بعض الأحداث وأنا اشارك امي حياتها.
وكان صوت جدي في إحدى الليالي يتسلل إلى أذني خافتاً وهو يقول لأمي ما كان يجب أن تتزوجي هذا المخلوق العجيب, ادركت أنه يعني ذلك الرجل زوج أمي الجديد الذي غادر بالأمس إلى بلدة مجاورة لبلدتنا صمتت أمي ثم تنهدت وأردفت قائلة لجدي كان في نيتي قبل أن يسافر أن أُعيد له مهر الزواج وأطلب منه الطلاق.
طرقت رأسي صورة زوج أمي قبل رحيله بأيام كان بادي الغضب والهياج يثرثر بالكلمات على أمي ويرمقني بنظرة حادة ودفعني بيديه الى أحد أركان الغرفة واخذ يلطم أمي ويركلها بقدميه ويبصق على وجهها وصاحت أمي وأخذت تتلوى على الأرض ولا تجد من يخلصها منه واضطرت إلى مغادرة الدار واخذتني بين أيديها وركبنا سيارة الأجرة إلى بيت جدي فاستولى عليَّ شعور بالطمأنينة والأمان، وفي دار جدي الضيق الصغير في قلب البلدة ابصرت أمي واقفة حزينة منكسرة الخاطر، وزحف الظلام المبكر وعسعس الليل على بيت جدي المنخفض النوافذ المظلم بالنهار في الحارة الضيقة المنزوية, وقبل أن أنام جاء صوت جدي ليقول لأمي ما كان لي أن أساعدك على زواج هذا الرجل الشرير، ولم تنبس أمي ولو ببنت شفه ولكن قبل أن أغمض عيني سمعت أمي تحدث نفسها في همس وهي تقول حقيقة الأمر لم أتزوج هذا الرجل إلا لكي أربي هذا الطفل اليتيم ولكن وجدته رجلاً سيئ الخلق ولا يُعاشر ولا يُطاق .
وظلت امي أياماً طريحة الفراش وكانت تشكو من آلام مضنية لا تدركها طفولتي وجاء جدي في صباح أحد الأيام برجل طويل يرتدي بدلة افرنجية ويحمل بين يديه شنطة جلدية لعله الطبيب الذي أخذ يتردد علينا بين يوم وآخر ليعالج أمي, أما جدي فأصبح لا يبتسم لي كعادته وبين وقت وآخر يحملني بين ذراعيه كما عودني ويقبلني قبلات حارة.
وابصرت جدي يخرج بين وقت وآخر من غرفته مكفهر الوجه مقطب الحواجب عابساً يتردد على أمي بين وقت وآخر يجلس بجوار مخدعها ويسقيها الدواء ويتلو عليها في همس شيئاً من آيات الله يرفع يديه إلى السماء يطلب لها من الله الشفاء ومن يومها خيّم السكون على دار جدي فلم أعد أسمع فيه حركة وأنا منشغل دائماً في اللعب مع الأطفال من أمثالي في الحي المجاور لحي جدي كنت أعود إلى الدار وأبصر الدموع في عيني جدي وأدلف على أمي فأبصرها في شبه غيبوبة أخذ جسمها يتضاءل بمرور الأيام وهي في مخدعها ولم يعد جدي يغادر الدار إذ يجلس بجوارها دائماً.
وفي صباح أحد الأيام بكى جدي بكاء حرقةٍ وجزع وألم ثم خرج من الدار وعاد ومعه مجموعة من نساء غرباء عليَّ لا أعرفهم لعلهم أقارب أمي أخذن يبكين بكاء محرقاً وسمعت إحداهن تقول لجدي: وربما تكون شقيقته وهي تبكي وتصرخ وتقول راحت بنت أخويا,, راحت في عز شبابها وقرب مني جدي وضمني إلى صدره وقبلني قبلات حارة وأخرج من جيبه ديناراً وهو يقول: خذ هذا واذهب واشتر ما يحلو لك من سوق الحارة واذهب والعب مع الاطفال في الساحة القريبة من المسجد.
عدت في المساء لم أجد أمي في غرفتها ولكن كنت مكدوداً ومتعباً من اللعب ولكن جدي احتواني في حضنه ونمت معه في مخدعه فاستسلمت للرقاد ولكن بعد زمن انتزعني صوت جدي من النوم فوجدته يقبع في أحد أركان الغرفة وهو يبكي ويتألم كإنسان لسعته نار أو أفعى يضرب كفاً على كف مطرقاً في ذهول ثم يرتفع صوته متشنجاً في مكانه ودموعه تنهمر وهو يقول يا نور عيني نار وحسرة عليك في قلبي عليك نار يا ابنتي ما انساك العمر كله وكنت أحمل هم الليل حيث يقبل وكنت أخرج إلى الحارة لألعب مع الأطفال من أولاد الجيران وأعود إلى البيت بين وقت وآخر.
أعود بلطمة في الأرجل أو شجة في الرأس أو لكمة في الأيدي وفي كل مرة يقف جدي على عتبة الدار يصرخ بأعلى صوته في الحارة التي خلت من المعتدين قائلاً حرام عليكم,, حرام,,, ما تقدروا إلا على اليتيم المسكين الضعيف ويدعو عليهم باليتم والقهر مثلما تيتمت وقهرت من يومها أخذت أفكر في كلمة اليتيم وأحاول أفهم ما وراءها وكنت قد سمعتها من أمي رحمها الله في السابق ولكن كنت وقتها لم أفكر فيها كثيراً أما بعد رحيل أمي فقد أخذت الكلمة في احساسي وفي نفسي شيئاً آخر.
عبدالكريم الخطيب

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

المتابعة

منوعـات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved