* عزيزتي الجزيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يمثل التصحر الهاجس الأكبر المقلق لدول العالم بأسره بسبب توسع المناطق المأهولة بالسكان، وبسبب جهل وتعدي كثير من الناس على المناطق الرعوية الخضراء، وقد عرفت الأمم المتحدة التصحر بانه نقصان أو هدم أو تخريب الأرض الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى ظروف وحالات شبيهة بالصحراء، وأما وزارة الزراعة والمياه فقد عرفت التصحر بأنه العملية الناتجة عن تأثير عدة عوامل طبيعية وسوء الاستغلال البشري للموارد التي تؤدي في مجملها إلى اختلال أو انهيار في توازن الأنظمة البيئية من تربة وغطاء نباتي وحيواني ومياه وهواء, وأسوة ببقية دول العالم فقد قامت المملكة العربية السعودية بجهود كبيرة وموفقة في سبيل مكافحة التصحر ممثلة باللجنة الوزارية للبيئة التي يرأسها صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وكذا وزارة الزراعة والمياه والهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وانمائها، وغيرها من الجهات الحكومية والأهلية, ولعل من تلك الجهود المبذولة ما قامت به وزارة الزراعة والمياه مؤخراً من اقامة المنتزهات والمناطق الزراعية في المناطق المتصحرة ومن أبرزها الجهود المشكورة المبذولة من قبل مديرية الزراعة والمياه في محافظة الزلفي لتشجير منتزه الكسر البري الواقع شمال شرق الزلفي في العام الماضي أثناء اسبوع الشجرة، اذ قامت مديرية الزراعة والمياه في الزلفي وكلية الزراعة بالقصيم خلال الأعوام الماضية بدراسة جدوى مشروع تشجير منتزه الكسر وفي النهاية توصلت الدراسة إلى فائدة هذا التشجير للبيئة وللمواطن على حد سواء وبالفعل قامت مديرية الزراعة والمياه بالاعداد لهذا المشروع بزراعة بذور الطلح في مشاتل المديرية في الزلفي قرابة أربعة آلاف شتلة، وبعد متابعة هذه الأشجار في مشاتل المديرية من قبل المديرية وكلية الزراعة بالقصيم لما يقارب العام اذ وصل طول بعضها نصف المتر وبعضها اطول من ذلك, قامت بزراعة ما يقارب ألفي شتلة في منتزه الكسر خلال أسبوع الشجرة المنصرم ومن ثم تولت كلية الزراعة متابعة نموها والقيام ببعض الدراسات والأبحاث عليها.
إلا أن هذه الجهود التي بذلت من قبل الجهات الحكومية المسؤولة ذهبت سدى عندما قام مجموعة من ضعاف النفوس بقطع تلك الأشجار في خطوة لا سابقة لها، في الوقت الذي تفرض فيه الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وانمائها العقوبات الصارمة بحق المفسدين للبيئة, لقد قام أولئك بقطع أكثر من 500 خمسمائة شجرة خلال ليلة واحدة، ثم استمروا بأفعالهم هذه بين الفينة والأخرى حتى قام أولئك الجهلة قبل ما يقارب أسبوعين بقطع باقي الأشجار نهائياً, والآن ذهبت تلك الجهود المبذولة بلا نتيجة بسبب أولئك الجهلة المفسدين، الذين تسببوا بخسائر مالية كبيرة للجهات الحكومية والأهلية المشاركة في هذا المشروع.
لقد قاموا بتلك العملية الاجرامية تجاه الوطن والبيئة نعم إجرام تجاه الوطن باتلاف ممتلكاته ومنجزاته وهدر لأمواله التي صرفت في هذا المشروع الوطني , ان أولئك الجهلة حينما قاموا بهذا العمل الشنيع نسوا أو تناسوا الأحكام الشرعية لهذا لفعل الشنيع، لقد غاب عن أذهانهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم ان قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها رواه البخاري, لقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على غرس الفسيلة لعلمه بأثرها وفائدتها للجميع، فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه جابر رضي الله عنه ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة , رواه مسلم.
أما هؤلاء الجهلة فإنهم بفعلهم هذا يضادون ما أمر به الإسلام، كما غاب عن اولئك العقوبة الآخروية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم لمن يقوم بمثل هذا الفعل الشنيع في حق الأشجار، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار رواه أبو داود في سننه, سئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال: هذا الحديث مختصر يعني من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثاً وظلماً بغير حق يكون له فيها صوب الله رأسه في النار,, انتهى.
وأيضاً غاب عن أولئك حاجة الناس لمثل هذه الأشجار ليستظلوا تحتها، أما رأوا كيف يتسابق الناس على تلك الشجيرات الموجودة في منتزه السبلة من أجل الاستظلال بها؟ وأيضاً هل غاب عنهم ان الدولة أعزها الله قد سنت عقوبة لمن يقوم بقطع الاشجار من أجل الاحتطاب فكيف بمن يقطعها من أجل الافساد؟ وهل نسوا أو تناسوا ان حكومتنا الرشيدة أعزها الله هي التي قامت بهذا المشروع وأمثاله في مناطق المملكة ضمن جهودها في مكافحة التصحر؟
وبعد هذه الكلمات لنا مع هذا العمل الافسادي وقفات مع بعض النقاط:
النقطة الأولى: ما هي الأسباب والدواعي لهذا الفعل الشنيع؟
والجواب هو: يمكن تلخيص الأسباب والدواعي بما يلي:
1 الجهل بالحكم الشرعي لمثل هذا الفعل كما سبق من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
2 ضعف الانتماء الوطني لدى أولئك المفسدين.
3 الجهل لدى أولئك المفسدين، حيث شاع لدى البعض ان هذا المشروع انما هو خطوة لتملك منتزه السبلة، ولكن بالله عليكم هل هذا المشروع مشروع خاص أو لمجموعة من الناس، ام أنه تابع لقطاع من قطاعات الدولة أعزها الله ؟ أنشئ من أجل المواطنين وراحتهم.
4 ضعف الاجراءات الأمنية المتخذة لحماية هذا المشروع، حيث ان هذه العملية الافسادية تمت على مراحل وفي كل مرة يتم اشعار الجهات الأمنية المسؤولة ومع ذلك تمت العملية الكبرى بقطع أكثر من 500 شجرة خلال ليلة واحدة.
النقطة الثانية: ما الواجب تجاه هذا المشروع والفعل الشنيع؟
قبل كل شيء لابد ان نسلم انه يعيش في كل مجتمع اصناف عدة من الناس منهم المتعلم ومنهم الجاهل، والصغير والكبير والعاقل والسفيه، ونتيجة لهذا التفاوت من المتوقع ان تحصل بعض التصرفات غير المحمودة من قبل بعض الأفراد والتي قد تخل في المجتمع عامة, ومن ثم لابد ان يحصل من المتعلمين العاقلين المتبصرين المسؤولين عن المجتمع ما يردع أولئك الجهال عن أفعالهم الشنيعة الافسادية, ومن هنا يمكن تلخيص الواجب نحو هذا المشروع بما يلي:
1 لا بد من تتبع المسؤولين مباشرة أو غير مباشرة عن هذا العمل الافسادي بحق الوطن والمواطن من قبل الجهات الأمنية المسؤولة بكل قطاعاتها والقبض عليهم وانزال العقوبات المناسبة لفعلهم الرادعة لغيرهم ممن تسول لهم أنفسهم القيام بمثل هذه الأفعال, لأن ترك هؤلاء طلقاء دون عقوبة سبب في استمرار الأعمال الافسادية بحق الوطن والمواطن، وكما قيل من أمن العقوبة أساء الأدب.
2 اعادة زراعة اشجار جديدة مكان الأشجار المقطوعة من أجل الاستمرار في هذا المشروع الوطني الناجح، لأن ترك العمل في هذا المشروع بعد البداية فيه، يكون فيه رضوخ لأولئك المفسدين.
3 وضع إجراءات حماية أكبر حول هذا المشروع وذلك بوضع سياج حوله ومنع الناس من الدخول إليه مادام في بدايته ووضع بوابة خاصة بالدخول إليه فيما بعد، مع زيادة الاجراءات الأمنية من قبل الجهات الأمنية المسؤولة.
النقطة الثالثة: واجب المواطنين تجاه هذا المشروع:
إن الواجب على المواطنين تجاه هذا المشروع وغيره من المشاريع الانمائية التي تقدمها الدولة وفقها الله لمواطنيها ومنها هذا المشروع الذي قامت به وزارة الزراعة والمياه في محافظة الزلفي في منتزه الكسر ما يلي:
1 الشكر والدعاء لحكومتنا الرشيدة أعزها الله على ما قامت به من جهود تنموية في سبيل مكافحة التصحر ومن اجل راحة المواطن إذ انها امنت له المنتزهات التي يجد فيها راحته واسرته.
2 الشكر لكل من بذل جهده في سبيل اتمام هذا المشروع سواء وزارة الزراعة والمياه أو مديرية الزراعة والمياه في محافظة الزلفي ممثلة بمديرها العام السابق المهندس سعد المقبل وفقه الله الذي بذل جهوداً لا ينكرها وفيّ من أجل محافظة الزلفي وكذا جهده الواضح في هذا المشروع، والشكر أيضاً لمدير عام مديرية الزراعة والمياه في الزلفي الحالي الأستاذ عبدالله الدخيل وفقه الله وكل مسؤولي الزراعة والمياه في الزلفي والمواطنين على ما قدموه من جهود من أجل هذا المشروع الحيوي.
3 والشكر أيضاً لأعضاء كلية الزراعة بالقصيم على ما بذلوه من جهد ومتابعة وحماس لهذا المشروع، ولعل مما يجدر ان يخص بالشكر الدكتور صالح الواصل عضو كلية الزراعة الذي كتب مقالاً في احدى الصحف حول هذا الموضوع ابدى فيه أسفه وحسرته على هذا العمل التخريبي لهذا المشروع.
4 المحافظة على هذا المشروع وغيره من المشاريع الوطنية التي تبذلها الدولة أعزها الله لمواطنيها بكل ما أوتوا من وسائل.
5 ابلاغ الجهات المسؤولة سواء الأمنية أو غيرها عن كل مفسد ومخرب لهذا المشروع وغيره، وعدم التواطؤ مع المخربين لمنجزات وممتلكات هذه الوطن الغالي.
وقبل الختام أعود وأقول إن التصحر يعد الهاجس المقلق لدول العالم ومن بينها المملكة العربية السعودية التي تحتضن المؤتمر العالمي الثالث لدراسات التصحر والبيئة ما بعد عام 2000 في جامعة الملك سعود بالرياض برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام ورئيس اللجنة الوزارية للبيئة, وعبر جريدة الجزيرة أرسل هذه الكلمات للمشاركين في هذا المؤتمر وأناشدهم مناقشة هذا الموضوع واشباهه وأثرها على البيئة في العالم وضرورة إصدار القوانين والعقوبات الرادعة لمثل هذا الفعل الشنيع والتأكيد على تطبيقها بلا رأفه بحق المخالفين لهذه الأنظمة التي تكفل للبيئة خضرتها ونضارتها,كما أذكّر وأحث الإخوة المسؤولين في مديرية الزراعة والمياه في الزلفي وجميع الجهات المشاركة بذلك المشروع وفقهم الله بألا يصيبهم الاحباط واليأس بسبب ذلك الفعل الشنيع، وخاصة ان أسبوع الشجرة لهذا العام على الأبواب.
وفي الختام أسأل الله للجميع التوفيق
محمد بن سعود الدويش
الزلفي