Friday 10th December, 1999 G No. 9934جريدة الجزيرة الجمعة 2 ,رمضان 1420 العدد 9934


نحاكم الدَّجل والدجالين,, ماذا نفعل بالغَفَل والمغفلين,,؟؟
حماد بن حامد السالمي

* قامت امارة منطقة عسير مؤخرا باحالة ملف اثنين وعشرين مشعوذا الى المحكمة الكبرى لاتخاذ الاجراءات الشرعية بحقهم, وذكر في الاخبار المنشورة حول هذا العدد الكبير من الدجاجلة والمشعوذين، ان فيهم سحرة، وان الجزاءات المنتظرة يدخل فيها السجن والغرامة والترحيل لمن كان منهم مقيما, ومن هؤلاء الدجاجلة والمشعوذين امرأة سعودية,,! جاء ذلك في جريدة الاقتصادية اليومية.
* وقبل ذلك بثلاثة اسابيع، كشفت صحيفة المدينة عن مشعوذ يستدرج ضحاياه بوسائل عدة، ومظاهر خادعة، ثم يبيعهم محاليل عشبية, مات من جرائها ثلاث نسوة، وما زال الدجال يمارس مهنة الدجل، والمخدوعون من البسطاء يرتادونه، حتى بعد ان تسبب بوصفاته ومحاليله في وفاة ثلاث انفس، ربما يزداد عدد الوفيات، لا ندري,,!!
* ومن الواضح ان نفرا كبيرا لا يستهان به من الناس، سواء من السعوديين او من المقيمين في البلاد، استحلى واستحل هذه اللعبة القذرة، التي تقوم وتتقوى على جهل الناس وغفلهم، وتستغل حاجاتهم الى دفع البلاء أيا كان نوعه ومصدره، بالإيهام والخداع والحيل، وادعاء القدرات الكاذبة، والمعجزات الداهمة، والتلاعب بعقول البسطاء، والبيع والشراء في عواطفهم ومشاعرهم, وذلك من اجل التسلط عليهم، وانتهاب اموالهم وممتلكاتهم، وربما تجاوز الامر الى السطو على اعراضهم, وكل هذا وذاك من المحرمات التي حرمها الله سبحانه وتعالى، ونهى عنها رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، لان فيها اعتداء واضح وصريح على لب الدين، والقائم على توحيد الله بالعبادة وعدم الشرك به غيره, فهو سبحانه الموكل به الضر والنفع لعباده، وان ما يدعيه الساحر والمشعوذ إنما يتضمن اعمالا شركية، ويقود بالتالي الى عدوان على الله سبحانه وتعالى، وعدوان على العباد في انفسهم وفي اعراضهم وأموالهم, وهذا في مبناه ومعناه فساد في الأرض، يقود الى مفاسد في العقيدة، ومفاسد في الحياة العامة للمجتمع,, ولذلك وجب ملاحقة هؤلاء المفسدين من السحرة والمشعوذين والدجالين والمدعين، الذين ظهر امرهم، واستشرى فسادهم، وعم بين الناس شرهم، وإقامة الحدود والأوامر الشرعية بحقهم، حتى تجتث شجرتهم الخبيثة من منابتها الخبيثة الى الأبد.
* إن ما قامت به امارة منطقة عسير في هذا الشأن لهو الحق بعينه, وإن اعلام الناس بأمر القبض على هؤلاء ومحاكمتهم وما نزل وينزل بهم وبأمثالهم من عقوبة شرعية، هو من وسائل العلاج التي ارى أنها سوف تطال مرضين لا مرضا واحدا: الاول مرض الشعوذة والدجل, والثاني: مرض الغفل الذي تعمى عنه بصائر المبصرين في هذا الزمان, وكنا نعتقد ان التعليم الذي عم الانحاء كافة، وشاع بين كافة طبقات الناس، وان الاعلام بوسائله المرئية والمقروءة والمسموعة، قد ساهم كل ذلك في الوقاية من مرض الغفل والوقوع في براثن السحرة والمشعوذين والدجالين, ولكن تكاثر هؤلاء المفسدين في هذا الزمان، فيه دلالة على تسلط قوى الشر، وتمكنها في بعض الاحايين من التأثير على ذوي النفسيات الضعيفة، حتى الحقوا الضرر بالكل, ولكن حال اصحاب هذا النهج الخبيث في استغلال الناس والايقاع بهم، علاوة على انكشاف امرهم امام اعين النابهين والمتيقظين والمتبصرين، فهم عرضة على الدوام للملاحقة والمتابعة والمحاسبة، وهم سرعان ما يقعون في شرور اعمالهم، فمن حفر حفرة لأخيه المسلم وقع فيها عاجلا ام آجلا لا محالة:
ومن يحتفر بئرا ليسقط غيره
يقع دون شك بالذي هو حافر
* وهذا الصنف من البشر، الذين يحترفون الايذاء بالمخادعة والتحايل على الآخرين، هم في بدء الأمر من الكذابين, وهم يضيفون الى كذبهم هذا ما هو اشنع، وهو خبث المسلك في التعامل مع بني البشر, فهم قد جمعوا الرذيلة بكل اطرافها، وهل هناك رذيلة وجرم اشنع من السطو على الآخر، بوسائل خبيثة فيها افساد للدين والدنيا معا,,؟؟
* إذن,, نحن امام خطر عظيم، يتمثل في الاستخفاف بالعقول عن طريق استغفال العامة والتغرير بها، وجرها الى مهالك عظيمة تنال من عقيدتها، وتعتدي على كياناتها المالية والنفسية, وضحايا هذه الهجمة الخطيرة، التي لا تتورع وهي تستغل المظاهر الدينية، وتتلبس بما يوحي للبسطاء من تقوى وصلاح واستقامة، وتمتهن القرآن الكريم في بعض الاحايين، وتغرر بالحالمين والطامحين، وأولئك المصابين في الحال او في المال والأهل والولد، وإنها لمصيبة وجب على الكل التصدي لها بكل عزم وحزم وقوة, واذا كنا نشهد اليوم جهات أمنية ورقابية ورسمية، تقوم بواجبها حيال الأمر خير قيام، فان دورنا نحن المواطنين يجب ان يتجاوز الفرجة الى التعاون على البر والتقوى الذي أمرنا الله به، وان نفعل من هذا الدور حتى يكون ايجابيا على كافة الصعد، وخاصة ما كان منها عبر وسائل الاعلام، لنكشف للناس جميعا زيف وخطل المدعين، ونبين للكافة خطر الكذابين والدجالين والسحرة والمشعوذين.
* قد يكون هذا من الحلول المقدور عليها حيال مرض الدجل والشعوذة,, لكن ماذا نفعل وهناك فئات ترمي بنفسها في طريق السيل الجارف,, فئات من البسطاء والعامة، تعيش حالة من عدم الفهم، ومن سوء الادراك، لدرجة أنها تضحي وتدفع من مالها ما يساعد على استشراء ظاهرة الدجل والشعوذة,, لولا مثل هؤلاء الناس البسطاء ما وجد الدجال مكانا له بيننا، وما شاع امر الشعوذة والسحر هنا وهناك,, ولولا حالة من انعدام الوزن تعصف ببعض المكلومين في احوالهم، وفي أموالهم واولادهم وازواجهم، ما تفنن الخبثاء في حبك اللعب، ونصب الشباك، واصطياد الضحايا في زوايا مظلمة، ودهاليز معتمة، والضحية تنساق الى مصيرها راضية غير مرضية.
* لقد قالوا قديما: بأن الغفلة تُغرق السفينة، وان العقل وحده لا يعلم الغافلين,, الخسائر التي يمنون بها وحدها من يعلمهم العقل,, هذا صحيح، وهذه من البلايا، ان يكون الانسان في بعض الاحيان عدو نفسه، عندما يسلك طرقا رخيصة فيها اهدار لكرامته، واستخفاف بعقله وبكيانه، بل يذهب ابعد من ذلك عندما يدفع غيره الى هذا المصير,, فكل الذين التمسوا الحلول عند مشعوذ او ساحر او دجال، باؤوا بخسران مبين، ولكن الواحد منهم تأخذه العزة بالإثم، فتراه يلجأ الى دفع الآخرين الى هذا المسلك المشين وهو يمدح ويعدد، من اجل ان يشربوا من الكأس التي شرب هو منها، وما أمرّها من كأس.
* إن مما يبدو لي ان امر الغفل اشد خطرا وإيذاء من الدجل نفسه، ذلك ان الأول سبب والثاني نتيجة، وان الثاني لا ينمو ويرتع ويزدهر الا في ظل الأول، فالدجال والمشعوذ والساحر جميعهم صنيعة المغفلين، وعندما يزول السبب يزول معه المسبب، فهل في استطاعتنا التغلب على غفلنا الذي اوردنا موارد الهلكة,,؟
* نكتب ونحذر ونراقب ونتابع في الواقع نتيجة ما نعاني منه، هذا امر جيد,, لكنه لا يكفي,, اكاد اقول بأنه غير مجدٍ, لماذا لا نحاول ان نجتث هذه الظاهرة المرض عن طريق معالجة السبب الذي تسبب في ظهورها وشيوعها؟
* لقد استمعت قبل اسبوع الى خطبة الجمعة من الحرم المكي الشريف، وكان محورها يدور حول هذه الظاهرة، ظاهرة الدجل والشعوذة وما يتبع ذلك من سحر وطلمسات وإضرار بالناس في انفسهم، او في ما تحت ايديهم وما يملكون, كانت هذه الخطبة حديث المجتمع, ونقول للامام الخطيب شكرا,, شكرا، ونطلب المزيد من كل الخطباء في كافة الجوامع، ومن الكتاب والمفكرين ووسائل الاعلام,, بل ونطمح الى تعرية امثال هؤلاء المعتدين على حقوق الله وحقوق عباده بوسائلهم وطرقهم الخبيثة، وذلك بكشف هيئاتهم التي يظهرون بها امام الناس للخداع والتغرير، فيلبسون على العامة بمظاهر من الطيبة والتقوى والورع، وهم في حقيقة الامر افاعي سامة لا ترحم مريضاً كان ذكراً او انثى، شيخا ام طفلاً، هناك شيء واحد مستهدف لذاته، هو المال وما يتبعه من منافع دنيوية، ولا يهم الوسيلة حتى لو كانت رخيصة,, فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات

الاولــى

محليــات

مقـالات

الثقافية

الاقتصادية

أفاق اسلامية

محاضرة

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

شرفات

العالم اليوم

تراث الجزيرة

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved