Saturday 11th December, 1999 G No. 9935جريدة الجزيرة السبت 3 ,رمضان 1420 العدد 9935


خرج رمضان ولعله,, يعود

* كان أول رمضان لنا في بلاد الأمريكان
علم معظمنا، بثبوت الشهر عند الظهيرة،
انتشر الخبر,, وقت الغداء بين طاولات كافتيريا الجامعة.
اجتمع الزملاء يهنئون بعضهم بعضا,.
ويتذكرون رمضان الوطن بكل رتوشه وحواشيه
تنهد البعض عند ذكر السمبوسك ,.
وتحدث البعض الآخر في حماس شديد عن المحل الايطالي الذي يبيع فولا مدمسا، وأرزا باكستانيا،
وانهمك آخرون في مناقشة طريقة استخدام المعجنات الصينية لعمل السمبوسك ،
ومسحوق الكويكر لاعداد شوربة الحب الشهيرة،
واقترح احدهم تنظيم سهرات دورية لاحياء المساء الرمضاني.
* بدا لي أن رمضان الذي كان يفتقده معظمنا في الغربة، هو رمضان الفولكلوري ,.
بأطعمته,, وعاداته الاجتماعية,, ورسمياته،
وظهر رمضان عن بُعد مثقلا بأرتال من الثياب التي تراكمت عليه عبر العصور من كل لون،
مفعما بروائح الاطعمة,, والاشربة المختلفة,, التي زخر,, ويزخر بها عالمنا الاسلامي على امتداد رقعته الكبيرة،
غارقا,, حتى قمة رأسه في أنماط من العادات الاجتماعية والثقافية المحلية المتنوعة.
لم يعد من اليسير أن ننفذ عبر هذه التراكمات الاجتماعية والثقافية إلى رمضان الحقيقي,, البسيط مجردا,, من المحليات التي احاطت به متخففا من الاعباء التقليدية التي ألقيت عليه، مترها عن الرسميات والاعراف ،
اختلطت معه، فأصبحت تلازمه وتصحبه وتلتصق به.
* انعكس في رمضان ذلك الصراع المعتاد بين العيادة بأهدافها العلوية,, المتسامية،
وبين العبادة الاجتماعية,, بما تمثله من رتابة,, ونمطية،
وبما تُفرزه من ممارسات,, وما تتضمنه من أعباء ومتطلبات,, تطغى أحيانا على الفكرة الاساسية وربما ناقضتها,, واختلفت معها.
* وهكذا أصبحنا نرى في المناسبة الرمضانية عجبا كبيرا.
فرمضان الذي يفترض فيه ان يعلمنا التقشف,, والصبر,, والزهد،
تحول إلى رمضان مترف,, متعجل,, يغرق في الاسراف والبذخ.
و رمضان التأمل,, والتبتل,, والاستغراق،
غدا,, صاخاً,, صاخباً,, يسبح في بحر من الاضواء,, والمسلسلات السخيفة,, والاغاني الاكثر سخفاً.
أصبح جوع النهار,, تحفزاً للانقضاض على موائد الغروب,, والغسق.
وتحول تبتل النهار إلى تكريس للنهل من لذائذ الليل.
وغدا سهر الليل مبرراً للتكاسل,, والوجوم والتقاعس عن أداء واجبات النهار.
وأصبح رمضان يمثل عبئاً ماليا ثقيلاً،
حيث يتسابق معظم الناس إلى الانفاق على مظاهر الديكورية والمطبخية ،
ويعانون من ذلك الكثير,, خصوصا في المجتمعات الاسلامية,, منخفضة الدخل.
وأعرف بلداً إسلامياً,, كان يواجه عجزاً كبيراً في ميزانه التجاري ويعاني من نقص شديد في احتياطياته من النقد الاجنبي,.
ثم إذا هو ينفق عشرات الملايين على الجوز واللوز ,, وقمر الدين ,, وغير ذلك من التسالي الرمضانية.
وأعرف بلداً آخر يحتاج إلى كل لحظة من مجهودات مواطنيه,, ونشاطهم، يعاني من نقص شديد في انتاجيتهم لأن برنامجهم الرمضاني اليومي مغرق بالتسلطح النهاري والابتذال,, الليلي,, المتخم المجنون.
ان الانسان,, ليتوق إلى رمضان الحقيقي كما صامه,, وقام ليله,, واستبطن معانيه الصائمون الأوائل,.
طازجاً,, نقياً,, مصفى من شوائب العادة الاجتماعية,, ونمطيتها,, وسلبياتها,, ومنطقها الكسيح.
أنور عبدالمجيد الجبرتي

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

منوعـات

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved