*حوار : محمد الدبيسي
** أربعون عاما قضاها ضيفنا في العمل الاكاديمي,, الزمتني بأن أستهل اسئلتي اليه،,, بهمنا التعليمي,, وشطرا من عمره انفقه في الشعر,, والبحث,, والتحقيق العلمي.
عاصر الحركة الثقافية في بلادنا,, وشارك في تحولاتها,, كما اسهم في الحركة الادبية بالمدينة المنورة في بداياتها التأسيسية حتى اصبحت مرفقا حكوميا ممثلا في النادي الأدبي بالمدينة المنورة.
عن هذا,, وذاك,,, كان حواري مع الاستاذ الدكتور وكان سؤالي الأول:
* لنعد الى الوراء كثيرا منذ اربعين عاما,, وانت تمارس العمل التربوي التعليمي في مستوياته المختلفة العام والجامعي,, والعالي.
بماذا خرجت من هذه التجربة,,؟
أكد ذلك عندي قول الشاعر العربي القديم:
تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس اخو علم كمن هو جاهل |
إن البوابة الحقيقية لخدمة الوطن, انما تتمثل في التعليم والتربية وانما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع الانبياء معلمين ومربين وقال صلى الله عليه وسلم لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم .
وقالوا: افتح مدرسة تغلق سجنا,, فمن خلال المدرسة ترسم خريطة المستقبل وفيها تغرس القيم الاسلامية العربية الحضارية في نفوس الناشئة ومنها ينطلقون لبناء الحياة وخوض غمارها ان خيرا فخير وان شرا فشر ولهذا رمز شوقي حين قال:
واذا المعلم ساء لحظ بصيرة جاءت على يده البصائر حولا |
وحين انعم الباحثون النظر في تاريخ اليابان الحديث كيف استطاعت ان تنهض من عثارها سريعا خلال ربع قرن من الزمن بعد تدميرها في الحرب الكونية الثانية وجدوا ان ذلك راجع بوضوح الى اسلوب التربية الذي انتهجته في مدارسها وذلك الاسلوب الواضح النابع من الحاجة المحلية البعيد عن التعقيد وتحكم الاهواء وعقد التخلف وتعلمت من رحلتي التربوية التعليمية ايضا ان الحياة مدرسة كبيرة نحن طلابها الدائمون الذين يظلون يتلقون الحياة بأن لا استاذية دائمة,, فاستاذ اليوم يمكن ان يكون تلميذ الغد والعكس فالحكمة ضالة المؤمن,, اينما وجدها التقطها وتاريخنا العلمي الاسلامي مليء بوقائع اخذ الكبار العلم من الصغار ورواية الاشياخ عن طلابهم وتعلمت من رحلتي هذه ايضا الصبر في طرح الافكار وان التكرار يعلم (الشطار) وعلمتني ان ترى برعما يتفتح وعقلا يكتمل، ونفسا تنضج وادركت ان ثروة البلاد الحقيقية انما تتمثل في تلاميذها وفتيانها لا فيما تملكه من ثروات ظاهرية او باطنية، وعلينا ان نحافظ على هذه الثروة ونستميت من اجلها واحمد الله انني كنت من الذين يحبون مهنتهم ولو استقبلت من امري ما استدبرت وسئلت ماذا تريد ان تكون لقلت بكل ثقة وصدق: اريد ان اكون معلما,,!
* بعد حصولك على التقاعد من العمل الاكاديمي في الجامعة,, تفرغت للبحث الأدبي,, والقراءة,, فكيف وجدتهما,؟
في الحقيقة انا لم اتفرغ للبحث الادبي بعد تقاعدي، بل يتقاسم وقتي بعض اعمالي الخاصة التي تعتبر مصدر رزقي الحقيقي، ثم نادي المدينة الادبي بصفتي نائبا للرئيس,, وفرع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بصفتي رئيسا للجنة الثقافية وبعض اللجان الاخرى.
أما القراءة والبحث فقد كان بعضه رسميا مرتبطا بالعمل الاكاديمي، وهذا كما يقال زال بزوال سببه، وبعضه كان مرتبطا ببعض البرامج التي كنت اكتبها واقدمها للتلفزيون السعودي مثل برنامج (بين شاعرين) الذي استمر لعدة سنوات ثم برنامج (نافذة على الفكر والثقافة) الذي استمر ايضا لعدة دورات، وكلاهما كان ينتج من محطة المدينة المنورة، ثم رأى المسئولون اقفال هذه النافذة لامر هم أعلم منا به، فتم الاقفال الذي ارجو ان يكون مؤقتا,, وكذلك الشأن مع إذاعة جدة,,, فقد كنت اتعاون معها منذ ما لا يقل عن ثلاثين عاما ثم حدث في العام الماضي ما عكر هذه العلاقة من طرف بعض المشرفين على مسار برنامجي (رحلة في قصيدة) فأدى الى ايقاف البرنامج ثم الغاء برنامج آخر موافق عليه بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية بعنوان (الملك عبدالعزيز في شعر معاصريه) وكنت ايضا مرتبطا بالكتابة لبعض الصحف لكنها مع الاسف لم تف بوعدها في صرف المكافأة المناسبة او اعتذرت عن عدم الوفاء.
اما الجانب القرائي والبحث غير الرسمي فهو مستمر بحمد الله، وهوقرة عيني ومتعة نفسي، وهوى فؤادي وظلي الوارف وملاذي الحصين الامين، وسبيلي الى الاحساس بالحياة وأنا اقرأ أنا اكتب فأنا اذاً موجود,.
* كتبت عن التاريخ الثقافي للمدينة المنورة,, ونلت على جهدك ذلك جائزة امين مدني,, للبحث في تاريخ الجزيرة العربية ,, إلا ان عملك ذلك,, توقف عند عصر معين,, هل لديك النية لاكمال مشروعك ذلك,,؟
- أحمد الله أن خصني للكتابة عن التاريخ الثقافي والأدبي بشمول عن المدينة المنورة في العصر الجاهلي والإسلامي، وجمعت أكثر مادة البحث حول العصر الأموي ونتفا من غيره، كما حققت مجموعة من الدواوين الشعرية والمقامات الأدبية في القرن الثامن والعاشر والرابع عشر الهجرية, وهي: (المرور بين العلمين في مفاخرة الحرمين لعلي نور الدين الزرندي) و(ديوان الفتح بين النحاس) وشهب النغم في ترجمة شيخ الإسلام عارف الحكم و(ديوان الاسكوبي) و(ديوان عمر بري) و(أدبنا في آثار الدارسين بالاشتراك) و(شعراء من أرض عبقر) و(في الأدب السعودي) تحت الطبع,, والجهد مبذول حول ديوان البوسنوي، ودراسة حول الشاعر محمد سعيد دفتردار، والقصاص محمد عالم أفغاني, ونسأل الله المعونة.
* عاصرت حركات التأسيس للثقافة السعودية وأسهمت فيها مع جيلك بالقدر المتاح,, وكذا شهدت تحولاتها وتطوراتها,, كيف تقيمها من منظور المتابع,, والمشاهد,,؟,.
كانت الثقافة في المملكة العربية السعودية محصورة في بعض المدن وقاصرة على فئات او اسر معينة في المدن,, وذلك لقلة فرص التعليم، او ضيق افق التفكير، وضيق ذات اليد، وانعدام فرص الاحتكاك الى غير ذلك من العوامل وقد كسرجلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله هذا الاحتكار الثقافي، وقضى على تلكم الارستقراطية العلمية ففتح الباب واسعا امام كل المدن والقرى والهجر، وامام تلك الفئات والاسر، من خلال المدارس والمعاهد ثم الجامعات، ليتحول من يريد منهم الى مثقفين فاعلين، وينتقلوا من قاع المجتمع الى قمته,, ومن المؤخرة الى المقدمة، فحصل ما يشبه الاقتراح الذي انجز (الطبخة الثقافية السعودية) التي تميزت بطعمها الخاص وعناصرها الغذائية الخاصة، ونكهتها المتميزة.
تطور قراؤها من قارئين على الشموع واللمبات، والفوانيس والاتاريك,,!! الى قارئين على المصابيح الكهربائية والثريات اللامعة الآخذة بالابصار ومن مستظل بالخيمة او بيت الطين,, الى آخر القائمة الى مختال في القصور والعمائر الشاهقة,
وتحول كتابها من كاتب سطور الى كاتب مدونات، ومن قائل بيت الى كاتب دواوين، ومن حكاء الى كاتب قصة او رواية,, ثم ظهر الباحثون والدارسون واصحاب الاندية والندوات، الذين تتأجج الثقافة في داخلهم كالسيل العرم,, بها يصبحون وفيها يمسون,, وهي كل ما يملكون في هذه الحياة وكل ما اتمناه ونحن نعيش اليوم مظاهر هذه الثقافة، وننعم بممارستها بهذه الوفرة، الا ننسى فضل الرواد الذين وضعوا الاساس، ومهدوا الطريق وسقوا شجرة الثقافة في بلادنا بعرقهم، وماء عيونهم، والا يكون بيننا مكان للعقوق والجحود ونحمد الله ان حمى ثقافتنا من الضلال ومن عثرات الطريق,,!
* اسرة الوادي المبارك كانت نواة لجماعة أدبية متألقة,, اسفرت عن تأسيس نادي المدينة الادبي,, إلا ان جذوة وهجها ,, قد خفتت,.
إلى ماذا ترجع السبب في ذلك؟
قد يرد هنا سؤال على سؤالك، وهو ما المقصود بالوادي المبارك,؟ والجواب انه وادي العقيق بالمدينة المنورة وهو احد وديانها التاريخية المشهورة,,.
(العقيق بطحان مذينيب مهزور قناء رانوناء) وقد تفاءل أدباء المدينة المنورة باطلاق اسمه على اسرتهم الادبية، لعل ان تصيبهم بركته التي وصفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبهذه المناسبة يهمني ان اشير الى تصحيح الاخطاء التي كثيرا ما ترد على اقلام الباحثين من مؤسسي هذه الاسرة, ثم اعضائها المنظمين لها بعد التأسيس.
(أ) المؤسسون هم الاستاذ: محمد هاشم رشيد، محمد العامر الرميح، ماجد الحسيني، عبدالسلام هاشم حافظ.
(ب) الاعضاء المنضمون: انضم لهم في فترات مختلفة الاساتذة: حسن مصطفى الصيرفي، عبدالعزيز الربيع، عبدالرحمن رفّه، عبدالرحيم ابوبكر، عبدالرحمن صالح الشبل حامد عبدالقادر الانصاري، محمد العيد الخطراوي، محمد سعيد دفتردار وكان لقاء اعضائها ببيت محمد سعيد دفتردار، عبدالرحمن صالح الشبل، حسن صيرفي، عبدالعزيز الربيع، محمد هاشم رشيد، عبدالرحيم ابوبكر، عبدالرحمن الشبل، محمد العيد الخطراوي.
اما سؤالكم عن خفوت توهج اسرة الوادي المبارك الآن,, فهذا أمر طبيعي، لأنها انصهرت في نادي المدينة المنورة الادبي اعضاء ومهمات.
يتبع
* في مسار تجربتك الشعرية,, تحولت من كتابة القصيدة التناظرية,, الى قصيدة التفعيلة ,, مع تحول آخر في الرؤية والموضوع,, هل جاء هذا التحول,, تناميا في في مستوى رؤيتك الابداعية,, وتحولها عن الشكل التقليدي امام مسايرة للسائد,,؟
من تاريخي الادبي المهمل, انني كتبت شعر التفعيلة مبكرا وانا دون العشرين,, بل, وكتبت ما يسمى بقصيدة النثر ومن فضل الله عليّ انني سرعان ما تنبهت الى انها ليست من الشعر، وانما هي جنس أدبي آخر,,!!
اما التطور والتحول في الرؤية فلا مانع ان يكون، فالاديب الذي يتوقف تطوره يموت واحسب انني اسهم في تطوير القصيدة الحديثة بروية ورؤية مستقلة وتجذر للتحديث وتبقي على الاصالة وتعي ما تفعل,.
واعوذ بالله ان اساير احدا او اسيره في رحلتي الشعرية رغم انني اقدر للجميع محاولاتهم وتجاربهم,.
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن |
ولنؤجل التفاصيل الى لقاء آخر قد يكون انسب للحديث عن هذا الموضوع.
* تكشف بعض مداخلات الأكاديميين النقدية ومتابعاتهم للشأن الثقافي,, عن ضحالة في المستوى المعرفي, وفقر فادح في مستوى القدرة على ايصال الفكرة, وتواضع المرجعية الثقافية,, فإلى ماذا ترجع السبب في ذلك؟
الاكاديميون كغيرهم من النقاد ينجحون في تناول الاعمال الأدبية وقد ضمت الحركة النقدية العربية بداية بين جناحيها ناقدا كمارون عبود, وآخر كالعقاد، من خارج الجامعات وكوكبة من الاكاديميين المستنيرين كلطفي السيد وطه حسين وزكي مبارك، فالابداع النقدي كالابداع الادبي، لا تكفي فيه المؤهلات العلمية وحدها,, بل لا بد من وجود الموهبة القادرة على مغادرة حدود التطبيق الى استطاعة احداث قدر من الانزياح والانحراف والخروج، فالنظرة المتعالية من الاكاديميين الى غيرهم ممن يتعاطى النقد ويتعاناه، غير واردة إذن، لكنها تتجه بحق الى المشتغلين بأذيال النقد، والمبدعين الذين تكذبهم دائما وابدا شواهد الامتحان والذين دأبوا على حفظ جمل سرقوها من هنا وهناك يكتبونها ويلصقونها بالنصوص ثم يجلسون في علو وتعال قائلين: هلموا الى المعرفة والتنوير والتجديد في الحقيقة ينبغي ان ننتهي تماما من التراشق، فهو صفة الصغار، ولنعمل جميعا متكاتفين ، وعلى كل حال، إذا وجدت كاتبا غير قادر على التوصيل فاعلم ان الخلل انما يكمن في جهله بموضوعه، ففاقد الشيء لا يعطيه,.
واذا كنا ندعو الاكاديميين الى التواضع وعدم التطاول، فمن باب أولى ان نوجه الدعوة نفسها الى غير الاكاديميين، فإن بعضهم يرفع عقيرته بالادعاءات الطوال بسبب وبدون سبب (الموية تكذب الغطاس) على كل حال,,!!
* دأبت الأندية الأدبية على إصدار ملفات دورية معنية بالنقد والابداع,, والمعرفة بعامة,, كيف تقيم هذه الخطوة من وجهة نظرك,,؟
لا ينبغي ان نحكم على هذه الدوريات في سطور وهي الكتب ذات الصفحات العديدة الكثيرة والتي تمثل جهدا كثيرا لا يعلم الا الله مداه,, وقد عانينا في اسرة تحرير (الآكام) الدورية الادبية الصادرة عن نادي المدينة المنورة الادبي وما زلنا نعاني من دلع الكاتبين الذين يرفض بعضهم المشاركة بحجة ازدحام جدول اعماله، ويتهرب بعضهم الآخر بحجج واهية، ولكنهم يتصدرون قائمة المهاجمين للأندية الأدبية واصداراتها ويشيرون احيانا الى ان بعض الاصدارات تعتمد على بعض الاقلام العربية من خارج المملكة,, أين انتم ايها الاساتذة حين تدعوكم هذه الاصادارات ولا تستجيبون؟,, اتشتركون في الهدم، وتعزفون عن المشاركة في البناء، مدوا الينا أيديكم لننهض بالأدب والثقافة في مملكتنا الحبيبة ونؤدي بعض ما لها لدينا من دين واجب الوفاء!
ان هذه الدوريات التي تصدر حاليا عن الاندية الأدبية ذات مستويات مختلفة، وهذا التنوع امر طبيعي ولكنها تظل في مجملها ظاهرة تستحق منا ان نقدرها ونتعاون معها ونمدها بأقلامنا شعرا ونثرا.
* يستضيف نادي المدينة المنورة الادبي مؤتمر الاندية الادبية القادم,, ما التصورات العامة المحورية لهذا الملتقى,,؟
على حد علمي,, لم ينته النادي بعد من وضع تلك التصورات والمحاور، التي يجب من وجهة نظري ان تخضع للكثير من التمحيص والتركيز، وقبل ذلك هي في حاجة الى الدقة والامانة في تحسس حاجة الاندية الادبية وحاجة الاسر الادبية والثقافية بالمملكة بصفة عامة، ليكون هذا التلقي ملبيا لطموحات الجميع، ومحققا للغاية التي يقام من أجلها في كل عام,, والله الموفق.