سرديات عبدالعزيز السبيل |
مصطلح السرد ، شامل لكافة أنواع الحكي المعروفة قديما وحديثا، وقد جاء بمعناه الواسع ليشمل كثيرا من الأنواع الأدبية التي كان كل منها يحظى بمسمى خاص به، فالرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية والمسرحية من الفنون الحديثة، والمقامة والقصة التراثية والشعبية كلها فنون سردية, ولاشك أن المذكرات والمشاهدات أعمال سردية ايضا.
وقد يصل الأمر إلى أكثر من ذلك, فكتب الأدب القديمة تمتلىء بأنواع الحكايات النثرية، أو تلك التي يكون الشعر جزءا منها, وهذه جميعها تدخل ضمن إطار هذا المصطلح الواسع الدلالة، الذي قد يدخل فيه مستقبلا فنون أخرى مستحدثة.
وحري أن يتوقف المرء ليبحث تاريخيا عن بداية دخول هذا المصطلح إلى ساحة النقد، وإذا كانت سرديات لاتملك معلومة تاريخية دقيقة حول هذه الجزئية، فإنها تأمل أن يكون من بين قراء سرديات من يمكنه التواصل حول هذه المسألة, وتحديد المصطلح ودلالته، سيقود بالتالي إلى كثير من المصطلحات الأخرى المرتبطة به, وليس المقصود الأنواع الأدبية التي يشملها مفهوم السرد بمعناه الواسع، بل تلك المصطلحات التي تكون السرد نفسه وتقدمه للمستمع أو القارىء، فإذا كان الحكي بمدلوله العريض جدا هو مادة السرد، فإن هذا يقتضي وجود الحاكي، أو الراوي أو السارد، او السرّاد (كما جاء في بعض المعاجم)، على أساس أن السارد هو المكون الأساسي والموجد لهذا الفن (السرد).
وهذا سيقود إلى مايرتبط بالسرد والسارد من تقنيات كثيرة تختلف بطبيعة الحال باختلاف المادة (المسرودة), فتقنيات المقامة ليست مثل تقنيات المسرحية، وتقنيات الرواية تختلف عن تقنيات الحكايات والأساطير الشعبية, وللسيرة الذاتية والمذكرات والمشاهدات تقنياتها.
ولذا فإن وقفة كبرى أمام هذا المصطلح الواسع الدلالة، يقود إلى شمولية النظرة نحو أنواع السرد قديمها وحديثها, ولعل هذا يؤدي إلى وجود مفاهيم مشتركة بين أنواع السرد، وقد يفتح ذلك مجالا خصبا لدراسات سردية تتجدد من الزمن, كما قد يقود ذلك إلى فتح آفاق اكبر لأنواع التقنيات المرتبطة بالفنون السردية المختلفة.
وإذا كان نقد الفنون السردية الحديثة قد قدم الكثير، فإننا بحاجة أكبر لدراسة الفنون السردية القديمة برؤية حديثة، من أجل الخروج بنتائج أكثر إيجابية, وإذا كانت معظم الدراسات للسرد القديم تركز على جانب الموضوع والمعالجة، فإن التقنية السردية تحتاج إلى وقفة أطول وأعمق.
ولعل الجدير بالتوقف هنا هو هذا الاستخدام الشائع لهذا المصطلح في الدراسات النقدية الحديثة, وإذا كان مشكلة المصطلح من القضايا النقدية الشائكة، فإن مصطلح السرد من المصطلحات التي لم تحدث خلافا حولها, لقد دخل هذا المصطلح إلى ساحة النقد بهدوء وانسيابية, وقد تحول عند بعض النقاد من الأفراد الى الجمع، فلم يعد الناقد يستخدم الفنون السردية، ليشير إلى أنواع مختلفة من السرد، بل أصبح يستخدم صيغة الجمع, فمحسن جاسم الموسوي مثلا يستخدم عبارة السرود العربية للإشارة إلى أنواع من الفنون السردية.
ورغم أنه مصطلح جديد في الاستخدام النقدي العربي، كان للترجمة دور في شيوعه كما أشارت إلى ذلك سرديات سابقة فإن ابرز أسباب ذلك يكمن في وضوح دلالته.
ولذلك فإننا نرى اليوم كثيرا من النقاد يستخدمونه في عناوين كتبهم ودراساتهم دون أن يشغلوا أنفسهم بالوقوف حوله وتحديد دلالته, بل إن المصطلح قد يرد في صلب عنوان بعض الدراسات لكنه لايرد إطلاقاً اثناء الدخول إلى الموضوعات نفسها.
وتقف أمام سرديات الآن كتب عديدة صدرت خلال العشر سنوات الأخيرة، تتكىء على السرد وتقوم عليه، وهي تتناول موضوعات مختلفة.
وسرديات كان يفترض ان تقف عند بعض هذه الكتب، كما وعدت في السرديات الماضية، لكن الاستطراد السردي حال دون ذلك, وهذا يذكر بمخاتلة السرد وغوايته، الذي قد يأخذ منحى كبيرا في حياة الأفراد، وربما يقود إلى تغيير شامل في أنواع من التوجه, والذاكرة العربية تعي في هذا السياق دون شك العمل السردي الكبير، الذي لم يحتفل به العرب كما احتفلت به أمم أخرى، نظرت إلى الثقافة العربية من خلال نافذة الساردة الكبرى شهرازاد، وهي تنتقل من غواية سردية إلى أخرى عبر ليال ألفية, وستعود سرديات إلى الكتب، إذا لم يمارس السرد تحويل النوايا.
|
|
|