Thursday 16th December, 1999 G No. 9940جريدة الجزيرة الخميس 8 ,رمضان 1420 العدد 9940


هل يستحق الغذامي تلك الجائزة!
خيول ومربعات
علي الدميني

اشغلنا الدكتور الغذامي منذ أوائل الثمانينيات بإدخال ساحتنا الثقافية في معمعة الألسنية فاضطررنا لكي نتعرف على ما يتغياه أن نقرأ ما تيسر عنها من المترجمات القليلة، وقد خدعنا ظاهر ما تبناه فحسبناه ناقداً بنيوياً منغلقاً يكتفي بعزل النص عن سياقه الاجتماعي وحراكه الثقافي حيث قتل عدداً لا يستهان به من منشئي النص الإبداعي فخشينا عليهم منه وعليه من نفسه.
ورغم اشارته في عنوان مشروعه التأسيسي الخطيئة والتكفير إلى أنه في اشتغاله على النصوص يتجاوز شكلانية عمل البنية المغلقة صوب تشريح النص، إلا أننا خوفاً من تماديه في التعاطي مع التيارات المتصارعة في حقل المدارس النقدية الحديثة قد سجناه في بيت الطاعة البنيوي .
وقد نظر بعض عقلائنا إلى كتابه ذاك فأبصر برؤية ثاقبة أن الرجل باحث عن شهرة ومجد أدبيين، فحاول إثقاله بحجر العطالة المعروف بالمركز الوظيفي لكي يرضي بعض غرور المتنبي الكامن فيه مثلما حدث مع البعض إلا أن الغذامي لاحظ مكر الإغواء فرفض المركز واستمر في غيّه البحثي.
وحين أدرك بعض العقلاء مرة ثانية أنه عصيّ على التدجين المبكّر، بحثوا عن وسيلة مغايرة، فوجدوا في احراقه بالشهرة ما يحقق جزءاً من الهدف، فتم منحه جائزة مكتب التربية الخليجي.
لكن الغذامي، بدأب نادر، استثمر هذه الجائزة لتوطين مشروعية اطروحاته ومضى في العمل الثقافي الجاد في رحلة طويلة يتجاوز ذاته باستمرار يمتحن الفكرة وأختها ويؤلف الكتاب وما بعده، منسلاً بهدوء ومهارة معرفية تساؤلية وشكاكة من قناعة إلى أخرى ومن رأي إلى نقيضه.
وهنا التقف الدور طرف آخر من خارج سياق الساحة الثقافية ليجرب معه سلاح التشهير لا الشهرة ، وليزحزح مقولة قتل المؤلف من مجازيتها إلى حقيقتها المعنوية، فمارس ذلك الطرف قتل الغذامي ورموز الساحة الثقافية أيضاً حتى ظننا أنهما قد أصيبا في مقتل لفترة حالكة السواد من نهاية عقد الثمانينيات.
وكالطائر المعروف بنهوضه مرة أخرى من ركام رماد الحرائق، استعادت الساحة الثقافية عافيتها رغم خسائرها واسترد الغذامي أنفاسه، وتخلى عن معاركه السجالية وانهمك هذه المرة في مناجزة المعنى الذي ظنناه غير آبه به في كتبه من ثقافة الأسئلة إلى المرأة واللغة وما بعدها ليدخل في صلب الهم المعرفي المنشغل بالأسئلة الكبرى في حياة الثقافة وثقافة الحياة.
وهنا تتبدى لنا مرة أخرى تلك الدلالة البعيدة التي سكّها على غلاف كتابه الأول من البنيوية إلى التشريحية لنرى الغذامي تشريحياً ليس بمعنى التفكيك التقويضي الذي اختطه دريدا، ولكن بالمعنى الذي مارسته مناهج الواقعية العلمية لا الميكانيكية الساذجة والتي تحلل الظاهرة ذاهبة إلى جذور تشكلاتها العميقة، ومن ثم القيام باعادة بناء تمظهراتها المعاصرة بطريقة أخرى، وهذا ما تجلى في كتابه المرأة واللغة وما نتوقع أن ينجزه في مشروعه الجديد الذي يعكف على إنجازه الآن.
وفي فضاء الانساق الثقافية نطمح أن يأخذ مشروع الغذامي الجديد مكانه اضافة / أو تعميقاً متميزاً لجهود باحثين عرب في سياق التعرف على أنساق التشكيلات الذهنية والنفسية كانعكاسات ثقافية لشروط الزمان والمكان المختصة بالإنسان العربي التي قاربها أدونيس في الثابت والمتحول وعلي زغرور في تشريح النفسية العربية، ومحمد عابد الجابري في كتبه المعروفة عن تكوين العقل العربي وبنيته الثقافية والسياسية.
حقاً لقد اشغلنا الدكتور الغذامي خلال عقدين من الزمن، ولعل الكتابات الكثيرة عنه وضده ومنها تأويلاتي في هذه العجالة هي بعض الصدى لتجليات هذه التأثرات المضطربة والغنية في آن لمشروع ناقد لا يكف عن البحث ولا يركن إلى الدعة والاكتفاء، فهل كان الدكتور الغذامي يسعى للحصول على جائزة العويس وهل يستحقها؟
إن الأصح عندي هو أن الغذامي مهموم بمشروعه الثقافي وأنه كأي باحث كبير يجد فيه متعته وذاته وجوائزه، ولذا فهو لا يستحق الجائزة لأنه لا يبحث عنها، وإنما هي التي سعت إليه لتستحقه!
وهنا حيث أهنئك بحرارة قلبية يا أبا غادة سأرفع صوتي مناشداً الجهات المعنية لتفريغك بشكل دائم ورعايتك بشكل كريم مادياً ومعنوياً، كما أدعو الله ان يشغلك بالمزيد من الانجازات التي تليق بك وبنا,>ضوء
رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

فنون تشكيلية

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

منوعـات

لقاء

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved