Thursday 16th December, 1999 G No. 9940جريدة الجزيرة الخميس 8 ,رمضان 1420 العدد 9940


بدايات
محمد عبدالرزاق القشعمي

6
كان عمه كثيراً ما ينهره بقسوة لأدنى سبب حتى لو كان الخطأ قد ارتكبه أحد أبنائه، فمثلاً إذا خرج الماء من أحد جوانب الساقي ولم يذهب أحد لسده صرخ به عمه ووبخه، وإذا عادت الغنم قبل انتهاء سرحها وتسللت للزرع فيا ويله ، مازال يذكر انه مع أبناء عمه وأكثرهم يكبرونه ذهبوا بالغنم أو بالأصح البهم إلى المشراق لترعى هناك بعد العصر وانشغل الأطفال باللعب فعادت الغنم إلى المزرعة وما أن شاهدوها هناك حتى أسرعوا لاخراجها، ولكن سبقهم إليها عمه وبدأ يخرجها من ثلمة بالحائط.
غضب العم ونادى الفتى من بينهم وكان يحمل جذماراً عسيباً يابساً من النخل فبدأ يضربه بدعوى أنه من تسبب بدخول الغنم للمزرعة, فعاد يبكي لوالدته وشكا لها عمه فطيبت خاطره وقالت له ان والدك سيأتي من السفر بعد أيام قليلة وسوف يأخذ حقك، فسكت وعاد إلى حيث اللعب.
قبل صلاة الظهر يتجمع الأطفال في غرفة يكنز بقسم منها التمر المسمى الجصة ولا يفتح باب الجصة أو يأخذ منها تمراً إلا عمته فهي المخولة بحفظ وتوزيع التموين، فتأتي بصحن التمر لتقسم على الأطفال كل واحد خمس تمرات، يلتهم كل طفل نصيبه منها ويحتفظ بالنوى العبس بيده الأخرى حتى إذا ما انتهى ولم يشبع تبدأ مباراة تجرع النوى فتدخل العبسة بطولها بحلق الطفل حتى لا تعترض فيختنق أو يغص، وهذه الوجبة تسمى الهجور .
بعد صلاة الظهر تتولى والدته إفراغ قدر الغداء بصحن كبير للرجال فإذا كان من طحين الذرة فهو يتطلب وقتاً طويلاً حتى يبرد ليقدم للرجال في القهوة إذا كان معهم ضيف أو أحد الجيران, يتسلل إلى والدته بالموقد المطبخ وقد غرف الأكل لتعطيه المعصاد ليلحسه، أما الهدية الكبرى فهي المغرفة فبعد إخراج ما بداخل القدر وانتهاء مهمة المغرفة وهي في العادة من الخشب وكبيرة الحجم وبها يعلق شيء مما طبخ من جريش أو مرقوق يسد رمق الفتى، بل يجعله يفتخر أمام أبناء عمومته بهذه الميزة الكبيرة.
خرج الفتى متسللاً من المطبخ الموقد حتى لا يراه أبناء عمومته فيحسدونه على هذه النعمة التي يعيشها بعد لحسه للمغرفة، لم يجد ما يلعب به إلا المهباش المنحاز الموضوع في وسط المنزل الحوش الذي وضعت والدته صحن الغداء بجواره ليبرد حتى إذا صعد الفتى للمنحاز وقف في وسطه وأصبح يلاعبه ويتراقص به، خصوصاً وان قاعدته صغيرة وما علم إلا وقد سقط بالمنحاز بجوار صحن الغداء وكان هو في وسط الصحن ودخانه بواخ يتصاعد, لم يحس الفتى بحرارة الأكل ولكنه خاف أن يراه عمه فيضربه، كان حكم والدته عليه بعد أن خلصته من محنته بأن خلعت ثوبه وعلقته في وتد بالحوش أن يلحس ما علق به وإلا أخبرت عمه، فرضي الفتى بتناول غدائه مما علق بثوبه.
أتت عمته وهي تناولهم عدداً محدداً من التمرات في الصباح عند فكوك الريق ريوق أو قبيل الظهر الهجور تنذرهم بأنه ليس هناك غير ما قدم لهم، فتنهر أحدهم إذا رأته يقسم التمرة قسمين ويرى ما بداخلها وكثيراً ما يرى السوس أو السرو صغير الحجم أو كبيره، وحتى لا يكره الفتى أكل التمرة وما بداخلها تقول عمته بأن التمرة تقول: الله يكشف ستر من كشف ستري فيخاف الطفل من أن تصيبه دعوتها فيأكلها دون فلشها .
لا تغيب الشمس إلا والنوم يغالب الأطفال، وغالباً لا يقدم العشاء إذا كان هناك عشاء يذكر إلا بعد صلاة المغرب, فنجد الأطفال يتناولون عشاءهم وهم أنصاف نيام ينودون ، يذكر الفتى أنه أخذ بيده لقمة جريش وهم بإدخالها في فمه وعندما اتجهت اليد لمكان الفم لم تجده لكون النعاس غلبه فتحركت رقبته من مكانها فسقطت اللقمة على الأرض، والأرض مكسوة بالرمل القديم وبقايا القش وسعف النخيل وغيره، هرب النوم من عينيه وأخذ يفكر ماذا يفعل بها، أخذها بيده اليسرى، ليخفيها وليستعين بيده اليمنى ليأكل مع الآخرين،ولكنهم شاهدوه فحكموا عليه بأكلها رغم ما يحيط بها من أوساخ وأعواد.
رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

فنون تشكيلية

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

منوعـات

لقاء

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved