تأملات تربوية 2 د, عبدالرحمن بن سليمان الدايل عفا الله عنه |
لم يكن ابتدائي بالتأملات التربوية انطلاقا من كلمات صاحب السمو الملكي الامير سلمان بن عبدالعزيز عند افتتاحه لفرع هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرياض الا لمناسبتها مع بداية هذا الشهر الكريم ولامتلائها بالكثير من التوجهات التربوية السديدة المخلصة والتي تناولت جوانب مهمة من ميادين الترقية والدعوة والاعلام.
ومن ابرز تلك الدروس والتأملات ما اكد عليه سموه من ان الخطأ وارد فنحن (بشر نصيب ونخطىء وهذا شيء نعرفه لكن الخطأ يكون خطأ اجتهاد وليس خطأ تعمد، ومن يخطىء يرجع عن خطئه ويعتذر عنه ويكون له درس وكلنا بشر).
ومثل هذا الصدق هو المطلوب ان نتعايش معه في حياتنا وان نعيش معه ونتعامل به, فليس هناك انسان معصوم من الخطأ غيره صلى الله عليه وسلم ولست هنا اريد الحديث عن الخطأ والعودة للصواب فذلك امر معلوم لدينا ومعروف لدى الجميع ولكن اقف هنا امام صدق الحديث الذي يجب ان يكون على جميع المستويات وفي كافة الميادين, فالكلمة امانة عند صاحبها عندما ينطق بها او يكتبها في اي مجال حتى ولو كان مازحا فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا) وقال: (لا يؤمن العبد الايمان كله حتى يترك الكذب في المزاح والهراء وإن كان صادقا).
هذا هو شأن الصدق في ديننا الحنيف فهو دين طالب الناس ان يبنوا حياتهم على الحق فلا يقولوا الا حقا ولا يعلموا الا صدقا,, وهل هناك ابغض ولا اشنع من الكذب الذي يصدر عن الانسان فيوغر الصدور ويفرق بين الناس,, هنا نتذكر مسئولية الاعلاميين والتربويين,, فكم من خبر اعلامي مدسوس بالكذب غير متحر للصدق كان سببا في الضغينة والبغضاء,, وكم من خبر صحافي تم دسه كذبا فكان له شأنه البغض في الايقاع بين الناس.
وكم من رجل تربوي يفترض فيه ان يكون تربويا بحق غير انه اهمل في رسالة التربية والتوجيه فكذب على نفسه وعلى رسالته فكانت الثمار سيئة والنتائج مخيفة ومدمرة في حياة الامة.
وكم من رجل سياسة اعطى الناس صورا مقلوبة في غير صدق منه فأوقع بهم في المهالك وتردى بهم في الضلال.
لقد تذكرت هذه المواقف التربوية وانا اسمع واطالع صدق القيادة في بلادنا التي بنيت على الشريعة الاسلامية السمحاء والتي تنبع شرعتها دائما من عقيدتها ولله الحمد.
إننا مطالبون جميعا وفي جميع امورنا ان نكون على مستوى المسئولية في صدق العمل وصدق التوجه لنعبر بصدق عن الانتماء الى هذا الوطن الذي تحرص قيادته دائما على صدق الخطاب وصدق العمل وصدق التوجه.
ولعل هذا مما يضاعف على رجال التربية والاعلام في بلادنا مسئولياتهم في التربية والتنشئة والتوجه ليغرسوا فضيلة الصدق في نفوس الاطفال منذ الصغر حتى يشبوا عليها وقد الفوها في اقوالهم واحوالهم,, ان هذه المسئولية يجب ان تتحول من النظر الى التطبيق حتى نوفر لاطفالنا القدوة والمثل في الصدق فعن عبدالله بن عامر قال: (دعتني امي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتا, فقالت تعال اعطك, فقال لها صلى الله عليه وسلم: (ما أردت أن تعطيه؟ قالت: اردت ان اعطيه تمراً, فقال لها: أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة).
وهكذا تكون التربية العملية للابناء منذ الصغر بتوفير النموذج الصادق لهم ليتأسوا به ويسيرون على منواله صدقا في القول وصدقا في العمل.
ونحن في هذا الشهر المبارك ينبغي ان ننتهز فرصته لنكون اكثر صدقا مع انفسنا ومع غيرنا واكثر صدقا في اعمالنا الرسمية وغير الرسمية فالعمل الصادق هو الذي يؤدي الى نجاح الامم واداء رسالتها، فالصدق ثروة لا يشعر الناس بقيمتها الا اذا افتقدوها من حياتهم, فالثروة الكبيرة من صدق العمل تجعل الامة تعيش في توافق مع اسس التقدم والحياة, كما ان الصدق فيه النجاة من اي تهلكة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحروا الصدق وإن رأيتم فيه الهلكة فان فيه النجاة).
وهكذا يكون الصدق الذي حث عليه الاسلام وجعله ميزة تميز انبياء الله (واذكر في الكتاب إسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا).
فهل يمكننا ان نجعل من هذا الشهر الفضيل بداية حياة جديدة لكل منا يتصادق فيها مع نفسه ويصدق فيها مع غيره؟ إن هذا ممكن بعون الله,
وللحديث بقية.
|
|
|