* الوقت,, خيمة تنغرس اوتادها في قلبي، جدران ضبابية تجثم على صدري وتتضخم,, جدران بلون الليل والويل,, وتفاصيل العذاب، هذا الضجر,, الذي يتمطى بثقله بين أروقة شرودي,, هذا القاتل ورماحه المتغلغلة في أطرافي,, والأنين,, وبقايا الرعشات,, إلى متى الخلاص!؟
شيء ما يدعونني للانتباه، بداية,, ظننته صوت المطر,, او لعله الرياح التي تعصف على أعتاب نافذتي,, التفت فجأة، فاذا بأمنية تنساب الى حجرتي المعتمة وتتسمر الى جانب الباب المشرع، امنية وابتسامتها العذبة,, وصفاؤها الذي يجتاح المكان بالأمل,, كنسمة منعشة تعبث في هطول القيظ,, كعبير يبدد بوادر الاختناق مبشراً بالحياة، ضفائرها السوداء,, وانفها الماثل بكبرياء,, وحدقاتها الحوراء، راحوا يحاصرونني، تقترب مني أمنية وتقف حائرة لبعض الوقت ثم تمد ساعدها الصغير وتهز كتفي، كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل,, دقاتها المنتظمة اخذت تتوالى رتيبة وسط عتمة يطل منها الارق، وذلك قبل ان تستلقي امنية بجواري، وتشعل كل احلام العمر,, أمومتي,, وعمري الذي تناثر هباء,, وانتظاري، امنية تداعبني,, مخلوقة ناعمة تحدق بي وتعبث بيدي,, تتأمل اصابعي على ضوء باهت,, ثم تمسك بابهامي متساءلة.
خالتي,, لماذا اصابعك كبيرة؟!
قلت وانا ارسم على ملامحي بسمة واهية؟
شيء طبيعي يا حبيتي,, لانني اكبر منك سناً,.
ولكن وجهك صغير يا خالتي,, لم وجهك حزين؟!
في ضوء القنديل الهزيل يعذبني سؤال آخر لم انت غبية ، ولماذا لا تنفضي عنك هذا الوجوم ، تحرقني الاسئلة,, تشتتني، فأنزوي اكثر في ثنايا الصمت,, وفي حيرتي، حتى تهب حفنة شائكة من الاحاسيس، تقول امنية من جديد وبعفوية الخمسة الأعوام:
خالتي,, هل يدك كبيرة لانك تكتبين كثيراً,.
لم يقنعها جوابي السابق، ضحكت ولاول مرة منذ ايام ضحكة مزقت ستائر الصمت، قلت متنهدة وانا امسد على رأسها بيدي الاخرى:
غداً ستنضجين يا امنية، وتعرفين معنى ان تكوني كبيرة او صغيرة في هذه الحياة!
اجل , غدا ستتفجر احلامك يا صغيرتي، حينئذ ستدركين ان العشق وغدر الرجال قد يشعرانك بالتقزم,, قد يسجنانك داخل زنزانة عميقة في وجدك، مازالت امنية تعبث بيدي، تدندن بأنشودة جميلة عن الطيور والبلابل,, عن الفراشات الملونة البهية، لم انتبه الى سكونها الا حين اطلقت زفرة جعلتني انظر اليها، كانت تحملق في السقف ململمة اطياف الطفولة في ظلمة لا تعي قتامتها,, كانت تنساق في غمام الكرى بذبول اهداب اخذت تنغلق تارة وتتسرع اخرى وهي تسترخي لمطر النوم، طفلة بلون الحقول المترامية على ضفاف البراءة,, طفلة ذات بياض ساحر وثغر ينشق عن اسنان لؤلؤية,, طفلة ارمقها بشغف وكأنها طفلتي,, احتضنها برفق,, وأشد عليها الغطاء جيداً، حسبت ان استيقاظها سيبدد ذلك الهاجس المرتسم على سطح ذاكرتي، لكن الصغيرة بقيت ساكنة ترسل انفاساً منتظمة وتسبل اجفانها في هدوء عجيب,.
في غمرة الشتات، يجبرك تيار اهوج الماء الآسن في جوفي، ربما هي الذكريات,, الذكريات فقط,, تيار وريح وولادات اخرى، كان يظهر خلالها وجه عابر يذوي في ذاكرتي وميض,, جبين يخطو في فضاءات باحتي، وعلى الباب يتجمد، يتسكع هناك,, بين خفقاتي وتنهداتي، يظهر جلياً ثم يختفي مرة اخرى,, ينتابني للتو شعور مبهم بالضياع، أتنهد واشيح برأسي مراراً عن الاركان، لكن الوجه يلوح ولا يكل,, يظهر في الزاوية اليسرى من الحجرة وفي عينيه حنين، الفم يتجهم وينكمش تحت الشارب الكثيف,, الوجه,, ترتجف شفاه بتمتمات لا اسمع منها سوى الهذيان,, احداث كثيرة باتت تتكوم في العتمة، صور واصوات تتراكم حتى الزحام,, قصة بوهيمية عن العشق والوعد والغدر الملعون، رجل مكفهر القسمات,, بحنجرة متغضنة,, على متنها عبارة مغبرة التعبير,, تصرخ في دمي:
ساعديني كي نفترق,, ارجوك,, يجب ان انساك,,!
قديماً,, كنت اجد فيه وجه احمد هالة تشع في المساحات القاتمة من نفسي,, القاً يتمدد في عمري واوشك ان يصبح ضياءً، اما اليوم,, وقد انطفأ وجوده من ايامي، لم يعد هناك ما يبدد دهشة الليالي سوى قناديل الطرقات,, ونواقيس صاخبة كانت تصدح من اتون الذكريات البالية,, اتململ في فراشي فارة بأحداقي الى وجه امنية الذي توارى وراء سحب من الغفوات,, بينما تصدر صفيراً عذباً بأنفاسها النقية، كانت شقيقتي تنادي على امنية من حجرة مجاورة، تناديها وخطواتها تجوب الممرات بقلق ارعن، فجأة,, اطلت برأسها من الباب تفتش عن الهاربة الصغيرة,, رسمت بسمة ارتياح ثم نظرت الي للحظات واختفت وراء اغلاقة الباب، فقد ادركت ان امنية تنام كالعادة في سريري بعد ان تتسلل من فراشها الى احضاني,, مثل كل ليلة!
|