على الرغم من تزايد الاهتمام الرسمي والشعبي بقضية توطين فرص العمل نتيجة لتزايد اعداد الشباب السعودي ممن هم في سن العمل او تزايد معدلات النمو السكاني مما يعني الحاجة الى تأمين مستقبل الاجيال القادمة من خلال توفير فرص العمل المناسبة للكسب الكريم إلا اننا نلاحظ ان توجه القطاع الخاص نحو توطين فرص العمل ودرجة استشعاره لمسؤوليته الوطنية لم ترق الى الحد الادنى من الاطار المقبول ولعل ما تحقق لقرار مجلس الوزراء رقم 50 ولأعداد العمالة الاجنبية الموجودة في سوق العمل السعودي خير دليل على عدم تحقيق نتائج مرضية في هذا المجال الوطني الهام.
وحتى نكون منصفين تجاه القطاع الخاص فلا بد من عرض وجهة نظرهم نحو هذه القضية واسباب تباطؤهم في استقطاب وتوظيف الايدي العاملة السعودية وذلك من خلال إبراز أهمّ النقاط التي يرون انها تلعب في غير صالح العامل السعودي, فقد اجملت الدراسة التي قدمتها الغرفة التجارية الصناعية بالرياض لمؤتمر رجال الاعمال المنعقد في مدينة جدة خلال الفترة من 24 27 من شهر شوال عام 1409ه تحت عنوان نحو افضل السبل لزيادة مساهمة العمالة السعودية في القطاع الخاص أبرز معوقات توطين فرص العمل على النحو الآتي:
1 قلة انضباط العامل السعودي مقارنة بالعامل الاجنبي.
2 كثرة تغيب العامل السعودي عن العمل دون انذار سابق.
3 ان العامل الاجنبي اكثر استقرارا في العمل من العامل الاجنبي.
4 ان العامل الأجنبي اكثر احتراما لأنظمة العمل من العامل السعودي.
5 عدم توفر الخبرة او ندرتها لدى العامل السعودي.
6 توفر لغة اجنبية لدى العامل الاجنبي في الغالب.
7 استجابة العامل الاجنبي للانتقال حسب حاجة العمل.
8 انخفاض مستوى الاجر للعامل الاجنبي.
9 ارتفاع مستوى الانتاجية للعامل الاجنبي.
ولعلّ المطلع المنصف يرى ان النقائص المذكورة التي يرمي بها القطاع الخاص الايدي العاملة السعودية ليست في مجملها صحيحة بل انها في الغالب اعذار واهية اثبتت التجارب الجادة عدم صحتها وفي مقدمة هذه التجارب العملية ما تحقق في القطاع النفطي عندما قررت الحكومة رعاها الله اعادة هيكلة القوى العاملة في هذا القطاع الهام وبالشكل الذي يحقق لهذا البلد الامن الصناعي والانتاجي وألزمت تبعا لذلك ادارة الشركة بتوظيف وتدريب الشباب السعودي حتى اصبحنا نشاهد نماذج رائعة من الشباب السعودي الذي اثبت انه ليس قادراً فقط على مقارعة العقول الاجنبية ولكنه قادر أيضاً على التميز في مجال عمله,, فهل تعطلت مسيرة الشركة عند قيامها بتوظيف الشباب السعودي الذي رميناه ولا نزال نرميه بنقائص غير منطقية؟ وهل فشل عنصر العمل السعودي في اثبات وجوده على ارض الواقع؟
مثال آخر من امثلة النجاح الباهر للشباب السعودي، ما تحقق في القطاع البنكي الذي كان قبل فترة قصيرة يعج بالعمالة الاجنبية ليصبح في الوقت الحاضر احد الامثلة الرائعة التي تساعد على نقض ادعاءات المتهاونين والانتهازيين في القطاع الخاص، فقد اصبحنا بكل فخر واعتزاز نشاهد المساهمة الفاعلة للشباب السعودي في اداء جميع الاعمال البنكية وبشكل يفوق في اعتقادي ما كان سائداً في السابق فهل تعرضت البنوك لخسائر مالية نتيجة لتوظيفها للشباب السعودي؟ وهل لاحظ مستهلك الخدمة قصوراً في الاداء عما كان سائداً في السابق؟
واذا كان القطاع الخاص يشتكي من نقص التدريب والخبرة لدى العامل السعودي فانه يمكن القول بأن التدريب نوعان: النوع الاول يتمثل في التدريب العام الذي يتناسب مع طبيعة العمل في جميع المنشآت العاملة في السوق وهذا النوع يجب على الجهات التعليمية والتدريبية الحكومية تأمينه لان القطاع الخاص لن ينفق ماله على تدريب عامل ربما تركه بعد انتهاء فترة التدريب للعمل في منشأة اخرى, النوع الثاني هو التدريب الخاص والذي لا يمكن تسويقه كمهارة مكتسبة لدى العامل لخصوصيته بعمل المنشأة المنفذة للتدريب, فالمحاسب المتخرج من الجامعة يتعلم اساسيات المحاسبة التي تمكنه من تلقي التدريب الخاص الذي يتلاءم وطبيعة عمل المنشأة التي يعمل بها وفي اعتقادي ان المشكلة لا تكمن في نقص التدريب لان القطاع الخاص لم يؤد واجبه في هذا الخصوص ولكنها تكمن في عدم رغبة القطاع الخاص في الانفاق على التدريب الخاص لقدرته على الحصول على عامل اجنبي مدرب تدريبا خاصا يتناسب مع طبيعة عمل المنشأة، وبالتالي فان فتح المجال امام القطاع الخاص لاستقدام العامل البديل من الخارج يؤدي بلا شك الى عزوف هذا القطاع عن تدريب وبالتالي توظيف الشباب السعودي.
بشكل عام أعتقد ان المشكلة لا تكمن في الشباب السعودي ولا في القطاع الخاص ولكن في عدم وجود تنظيم ونظام صريح وشامل لسوق العمل السعودي، لقد اصبح القطاع الخاص يستشعر ان من حقه استقدام أيدٍ عاملة اجنبية متى ما اراد بغض النظر عن تعارض هذا الاجراء مع المصالح الوطنية الاخرى مما جعله يرى ان إلزامه بتوطين فرص العمل وتوظيف العمالة السعودية نوع من التعسف والتدخل في قراره الاستثماري,, ولقد اصبح القطاع الخاص يعتقد ان ساعات العمل مفتوحة بلا حد وعلى العامل ان يلتزم بها متجردا من كل التزاماته الاجتماعية وعلاقاته الانسانية حتى يصبح موظفا يشار اليه بالبنان وهذا الواقع العشوائي غير المدروس ولد مجالا للمقارنة بين العمالة الاجنبية والعمالة السعودية واعطى القطاع الخاص الفرصة للبحث في بدائل غير منطقية، فمن غير المنطقي ان اقارن عاملا اجنبيا بعامل سعودي له علاقاته الاجتماعية والتزاماته اليومية,, ومن غير المنطقي ان أنعت العامل الذي يرفض التنقل بغير الملتزم والعامل الذي يرفض اداء الاعمال الخارجة عن اطار وظيفته الرسمية بغير الملتزم, كما ان العامل الاجنبي الذي يتمتع بهذه المواصفات الجميلة المحبذة للقطاع الخاص لن يكون كذلك في بلده لاختلاف المعطيات وبالتالي فان تفضيل العامل الاجنبي لا يعدو الا ان يكون استغلالا لحالة غريبة لا يجب ان تكون قاعدة عامة.
واعتقد ان فشل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في تطبيق مواد وبنود الانظمة والقرارات المتعلقة بسوق العمل ادى الى فقدان السيطرة على المتغيرات الرئيسة في سوق العمل مما افقد الوزارة المقدرة التخطيطية اللازمة لتقدير وجدولة حاجة سوق العمل السعودي من الايدي العاملة الاجنبية ووضع اطار زمني وتنظيمي يأخذ في الاعتبار الفوارق الطبيعية بين العمالة الاجنبية والعمالة المحلية ويكفل تحقيق الاحلال اللازم وفقا لمعدلات النمو السكاني ومخرجات التعليم بفروعه المختلفة.
وبالتالي فان من الواجب وفي هذا الوقت بالذات ان نقف مع وندعم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بكل ما يلزم لتصحيح الاخطاء السابقة التي خلفت لنا هذا الواقع العمالي المر, يجب ان يلمس الجميع وفي مقدمتهم الجهات المعنية بتنظيم وتخطيط سوق العمل جدّيتنا في تطبيق الانظمة والقرارات الخاصة بتوطين فرص العمل بدلا من ترك الامر لاجتهادات المجتهدين كما حدث للقرار رقم 50 ولنظام العمل والعمال ولجميع قرارات السعودة التي ظلت تراوح مكانها وأمسينا على قناعة بان المراد منها لا يتعدى الجانب الاعلامي فقط.
*استاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية