ونحن نعيش الرمق الاخير من القرن العشرين الميلادي نسمع ونرى ونعايش ثورة الاتصالات والمعلومات وكيف اننا قادمون على تغييرات شبه جذرية في جميع نواحي الحياة بسبب هذه الثورة، كما بدأنا نلاحظ على الدول الصناعية اهتمامها المتزايد بهذه التقنيات الخدمية وكيف ان تلك الدول رسمت الاستراتيجيات ووضعت الخطط للتحول من المجتمع الصناعي التقليدي الى المجتمع المعلوماتي الخدماتي وصار الاعتماد على اقتصاد شركات الخدمات وشركات تقنية المعلومات والاتصالات هو الاساس بدلا من اقتصاد القطاع الصناعي التقليدي وخير دليل على ذلك هو الازدهار الكبير الذي طرأ على الاقتصاد الامريكي في عقد التسعينات من هذا القرن على الرغم من التنبؤات السابقة بالكساد المتوقع له في التسعينات وذلك بفضل شركات تقنية المعلومات والاتصالات وشركات الخدمات، وقد يبدو للوهلة الاولى سهولة التحول من المجتمع التقليدي الصناعي الى المجتمع المعلوماتي فقد يتبادر للذهن ان مقومات ذلك التحول مجرد استيراد التقنية وتوظيفها وهذا غير صحيح فهذه التقنية ليست سيارة نركبها ولاغذاء نستهلكه بل هي بالاضافة الى الآلة ثقافة وفكر ونمط حياة نعيشها انها كائن حي يلزمه التربة الخصبة التي يعيش فيها, لابد من اعداد المجتمع لهذا التحول قبل حدوثه كما لا بد قبل التفكير في تغيير البني التحية للاتصالات وقبل الاستيراد آلات التقنية ولابد من التفكير في اعداد الايدي الماهرة والعقول الوطنية المفكرة التي تعتبر حجر الزاوية في بناء مجتمع معلوماتي سليم, وارجو الا يفهم من هذا الكلام انني اطالب بإهمال العمل في مشاريع تحديث البنى التحتية واستيراد آلات التقنية الى ان ندرب ونعلم الايدي الوطنية التي تستطيع توظيف تلك التقنية ولكن الهدف هو اعطاء الاهمية لايجاد الفكر المعلوماتي في المجتمع وفي نفس الوقت العمل على استيراد وتوظيف التقنية الحديثة.
إن الجامعات والمؤسسات التعليمية الفنية والمهنية هي المصانع التي تفرخ العقول المفكرة والايدي الماهرة فلا بد من مواكبة المناهج التعليمية في تلك المؤسسات للتغيير المستمر والتمشي مع تطورات العصر, نحن -ولله الحمد- والمنة نعيش نهضة تعليمية ملحوظة ونسبة ما يصرف على التعليم في هذا البلد الى الدخل القومي تفوق كثيرا من البلدان حتى البلدان الغنية المتقدمة ويوجد لدينا ثماني جامعات بالاضافة الى الكليات الفنية والمهنية وكذلك المعاهد المتخصصة وذلك عدا الكليات والمعاهد العسكرية وكل هذه المؤسسات التعليمية تضخ كل عام الى سوق العمل اعدادا لا بأس بها من المهندسين والفنيين والمهنيين الا اننا وللاسف نرى (البطالة) عالية في هذه الشريحة المهمة من المجتمع التي نحن في اشد الحاجة اليها في مثل هذا العصر, والسؤال هنا هو لماذا وجود هذه النسبة العالية من البطالة بين المتخرجين في تخصصات الحاسب الآلي وتقنية المعلومات على الرغم من وجود عدد كبير من الاجانب يعملون في هذا البلد في هذا الحقل؟, قد يكون هناك اكثر من سبب في وجود تلك الظاهرة الا ان اهمها في نظيري هو عدم جاهزية المتخرج السعودي للعمل بعد التخرج وحاجته الى دورات تدريبية والى اعادة تأهيل خاصة خريجي الكليات والمعاهد التقنية والسبب وراء ذلك هو عدم تطوير المناهج باستمرار لتواكب مقتضيات العصر ومتطلبات السوق, وكذلك التركيز على التدريب العملي, ونحن في حاجة الى تفعيل العلاقة بين المؤسسات التعليمية (ما بعد التعليم الثانوي) والمجتمع وقد يقول قائل: ان سبب تفضيل الاجنبي على السعودي ومن ثم ارتفاع البطالة بين السعوديين يعود الى قلة راتب الاجنبي وهذا ليس صحيحاً فبعض الموظفين الاجانب يكلف اضعاف اضعاف ما يكلف السعودي وقد يكون هذا الاستنتاج صحيحاً على مستوى الايدي العاملة العادية.
ولقد شكا لي احد المختصين الذين لهم دراية بسوق تقنية المعلومات وتقنية الاتصالات بان المتعاملين مع شركات المعلومات وتطوير الانظمة الحاسوبية وخصوصا من اصحاب القطاع الخاص عند رغبتهم في تطوير انظمة الحاسب الآلي او رغبتهم في بعض الاستشارات في قطاع المعلوماتية يشترطون الفنيين والموظفين الاجانب ويبدون عدم الرغبة في التعامل مع السعودي, ان ظاهرة عدم وجود الثقة في المتخرج السعودي في التخصصات المعلوماتية والتقنية ظاهرة جديرة بالبحث وايجاد الحلول لها, وان المطلع على سوق المعلومات وشركات الانترنت والاتصالات ليفاجأ بقلة وجود السعوديين في هذا القطاع الحيوي ولن يصدق بان لدينا ثماني جامعات سوى الكليات التقنية التي تخرج سيلا من المهندسين والفنيين والمهنيين والاداريين كل عام, فهل يعقل ان نسمع عن العجز في الايدي العاملة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات في كثير من بلدان العالم المتقدم بينما المتخرج في تلك التخصصات في هذا البلد يعجز عن الحصول عمل؟.
* المستشفى العسكري بالرياض.
Mmshahri * scs. org.sa