بيننا كلمة 3- قبل الألفية الثالثة د, ثريا العريّض |
في أجواء ضغوط مواكبة التقدم المتسارع في كل نواحي عالم اليوم ومتطلبات النجاح فيه، المطلوب بقاؤه هو جوهر المثاليات الدافع للتطور وليس حذافير التصرف المصرة على التحجر، واعطاء التقدم العلمي حقه من الاحترام وادماج التطور في واقع حياتنا هو اول منعطف لتصحيح الوجهة.
مئات الاكتشافات العلمية التي تمت خلال القرن والنصف الماضي وضعت حلولا متطورة تحت تصرفنا لم تكن موجودة من قبل، من ذلك تطور الطب، التطعيم للأطفال، واستخدام المضادات الحيوية، والجراحة بأشعة الليزر والمنظار,, فهل من المنطقي ان نترك العلاجات العلمية المتطورة، لنعطي الافضلية لمآثر العلاج المحدود الذي عرفه الاجداد؟ الجوهر وقتها كان طلب العلاج من المرض,, وهذا ما يجب ان نحتفظ به كأولوية,, وليس تفاصيل العلاج في حد ذاتها.
المناهج التعليمية والتربوية في البيت والمدرسة يجب ان تعكس هذا التوجه المتجدد المواكب للتطور التقني والعلمي دون ان تتخلى عن الاهداف والمقاصد الأعمق والأسمى، وبذلك تحقق الامن الثقافي, الأمن الثقافي في جوهره يتعلق بضمان هوية المستقبل في مواجهة اخطار التأثر والتغير غير المدروس,, أي تحقق القدرة على حماية أذهان افراد المجتمع من الاستلاب,, خاصة اذهان الجيل اليافع التي لم تصل بعد الى مرحلة التكون الواضح، ويظل بها من اللدونة ما يسمح بقولبتها تحت الضغط في أي قالب يغريها ويجذبها, ومن حقنا التخوف من ضياع الجيل القادم لإغراءات البث الفضائي المتغرب سواء ما جاء منها بصورة بريئة وما جاء منها مقصودا، ولكن الحل لا يتمثل في الاصرار على قولبة تشل عقله في قوالب الماضي, في الحالتين يظل فكره متغرب الانتماء عن الواقع الخاص إما عن المكان او عن الزمان, مسيرة العالم كله، شئنا أم أبينا، تتجه نحو توحد التفاصيل المكانية والزمانية في حضارة بشرية متشابهة التقنية,, ولذلك فنحن نبتعد كل يوم عن التفاصيل المكانية الزمانية التي عاشها اجدادنا في خصوصية زمنهم, وتتعاظم حاجتنا الى التوقف لتعديل وجهتنا كي نضمن أمن المستقبل.
سننتقل مثل بقية العالم من القرن العشرين الى القرن الواحد والعشرين, وفي خلال بضعة اشهر سنعبر ايضاً في عالمنا الإسلامي من الخمس الاول الى الخمس الثاني في القرن الهجري الخامس عشر، فهل ترانا نواكب الزمن ومنجزاته أم أننا نعبر جسديا فقط ونظل متلكئين في تفاعلنا العلمي التكنولوجي نعايش مستوى مرحلة سابقة ومازلنا مختلفين عندها؟ التطور حولنا مذهل وحافل بالإمكانات,, ولكننا نكاد لا نستوعب منه الا قشور الاستهلاكيات,, بل اننا لا نجد ما نفخر به الا امجاد الأمس فحاضرنا يشهد بوضوح تراجعنا من الريادة العلمية الثقافية التي تألقنا بها في فترة الحضارة الإسلامية الى موقع المتابع العاجز عن المواكبة، او المصفق لقفزات الغير، او المتخوف المتشبث بطمأنينة المعتاد الماضي رغم قصوره عن قدرات الحاضر.
لست من ممارسي جلد الذات, ولكننا في رمضان ولا أحق من الذات بالإخلاص وصفاء الرؤية والصدق الباني وهو الهدف الاصلي، محاولة مخلصة لإيقاظ الشعور بالتقصير الذاتي، واستعادة الرغبة في التحرك متعدين الركود والاستسلام للتحجر العلمي والفكري والثقافي, او حتى القناعة بدور المتابع اللاهث للحاق بخطى الآخرين.
|
|
|