تختلف أحوال المصلين في رمضان عنها في سائر ايام السنة، فهم لكي ينشطوا في صلاة التراويح وقيام الليل في العشر الأواخر منه تجدهم يتساءلون عن أحسن القراء ويتسابقون الى المساجد التي يقوم بإمامتها رجال يشدون المصلين بجودة القراءة، وحسن التلاوة، ونداوة الصوت, ولذلك نجد المساجد التي تحظى بأئمة من هذا النوع تزدحم ازدحاماً شديداً بالمصلين رجالاً ونساء، بل يزداد الزحام حتى لا يبقى في المسجد من داخله وخارجه مكان لمصل واحد، فيضطر العشرات الى افتراش الشوارع المحيطة بالمسجد وهذا من جانب يدل على خيرية المجتمع والرغبة العظيمة في أن يزيد المؤمن رصيده الأخروي زيادات كبيرة من الاعمال الصالحة والتسابق في تحصيلها (وسابقوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين).
ولكنه يدل من جانب آخر على أن الأغلبية من أئمة المساجد ليسوا على المستوى المطلوب والمرغوب والذي يحبب المصلين في صلاة التراويح والتهجد معهم، مما يستدعي بالتالي (وزارة الشؤون الاسلامية، ممثلة في ادارة شؤون المساجد، أن تلتفت الى هذه الظاهرة التي برزت منذ حوالي عشر سنوات، فتوليها من العناية والمعالجة بمقدار أهميتها,, وذلك مثلاً بأن تجري كل عام مسابقة كبرى في تلاوة القرآن تجويداً وقواعد وطريقة أداء، وجمال صوت، وليس من الضروري ان يكونوا حفاظاً، فليقرؤوا في المصاحف ولا بأس من تعيينهم ائمة في بعض المساجد لصلاة التراويح والتهجد, وتدفع لهم راتب شهر رمضان دون ان تمس راتب امام المسجد الثابت.
* * *
بعد هذا أحب أن أشير الى ظاهرة أخرى، أرى انها مزعجة، وبعيدة عن الطريقة المشروعة ألا وهي (الصراخ) بالدعاء في القنوت والتكلف فيه، ومعروف ان الله تبارك وتعالى لا يحب مثل هذا العمل قال تعالى (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين) أي المتكلفين في الدعاء.
وكذلك الحال في البكاء الشديد اثناء التلاوة، حتى ان بعضهم يمكث ما يقارب دقيقة وهو يشهق بصوت مرتفع عندما يمر على ذكر وعد أو وعيد، ويستدرج قاصداً أو غير قاصد بعض أصحاب العواطف الرقيقة فيشاركونه في البكاء والعويل، ويستمر الناس في فراغ او سكوت وقتي حتى يسترد الامام توازنه ويعاود القراءة او الدعاء.
إن الخشوع معلوم بالضرورة وجوبه في الصلاة قال تعالى (قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) لكن الخشوع خشوع القلب.
والبكاء اذا كان في حدود تكسر العبرات في الصدور دون أن يصل الى حد الصراخ فهو ايضاً مطلوب ولكن بحيث لا يصل الى التوقف عن اداء عمل من أعمال الصلاة.
* * *
ثم يأتي بعد ذلك نوع الأدعية التي يدعو بها الامام في القنوت,, فكثير منها متكلف ولم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، وبعضها يخالف سنة الله في خلقه من بقاء الصراع بين الحق والباطل الى يوم القيامة وذلك يقتضي أن يبقى أعداء الاسلام على قيد الحياة حتى تحل آجالهم فيهلكون ويحل محلهم ذرياتهم,, وهكذا دواليك.
فالدعاء مثلاً على الصرب ثم الروس في الشيشان بهذه العبارة (اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم احدا لا شك ان الله قادر على أن يميت أهل الأرض والسماء بلحظة يقول فيها (كن) فيكون من أراده جل وعلا.
ولكن المشاهد وهو مقتضى سنته في الكون أن الأمم لا تموت دفعة واحدة وعن آخرها الا ما قصه الله علينا في القرآن الكريم من إهلاك قوم (نوح) بالغرق وقوم عاد بالريح، وقوم (ثمود) بالصيحة، وقوم (لوط) بحصبهم بالحجارة, إن في الدعاء الذي ورد في الكتاب والسنة وخاصة دعاء القنوت الذي علمه المصطفى صلى الله عليه وسلم لحفيده الحسن بن علي بن ابي طالب كفاية وغنية عن هذا السرد المسجوع.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
عبد الله بن عبد العزيز بن إدريس