المشهد الأخير الذي يحظى بالمتابعة يسبقه عادة إعداد وخطوات وتحركات مهدت لذلك المشهد,.
وهكذا جاء مشهد استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية الذي سبقته ارهاصات وتحركات، بل وحتى مماحكات إعلامية وسياسية جميعها ساهمت في طبخة استئناف المفاوضات.
في باريس وفي مبنى وزارة الخارجية الفرنسية وخلف مبنى برج إيفل، كان أحد كبار موظفي وزارة الخارجية الفرنسية يتحدث عن العراقيل والتخوفات والحواجز النفسية التي كانت تعترض إعادة عودة المفاوضات السورية/ الإسرئيلية، فبالاضافة للعقبات الجو سياسية السورية والإسرائيلية واللبنانية، هناك تخوفات حقيقية هي:
1 التخوفات الإسرائيلية، والتي كانت تنحصر في أن تستأنف المفاوضات حسب الرغبة السورية من حيث انتهت وعلى أساس عودة الجولان للسوريين دون أي ضمانات للإسرائيليين بإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل وأن يظل الهم الأمني في الشمال من خلال تحريك عناصر حزب الله وإعادة نشاط الفصائل الفلسطينية المعارضة، وكان الإسرائيليون يطلبون ضمانات، وطبعا أمريكا لا يمكن وحدها أن تحقق ذلك.
2 التخوفات السورية، وبدورها كانت تنحصر في مدى التزام إسرائيل بما توقع عليه، وبالإضافة إلى الإصرار على استئناف المفاوضات من حيث انتهت، أيضاً كانت هناك مخاوف حقيقية من التزام اسرائيل بما سيتحقق بعد استئناف المفاوضات، وهنا كان السوريون يريدون طرفا رابعاً غير الأمريكيين الذين ظلوا صامتين عن وديعة رابين رغم العلم بها.
3 التخوفات اللبنانية، اللبنانيون الذين هم في موقف قوي رغم انتفاء مقومات القوة في نقاط التفاوض، إلا أن القوة التي تمثلها المقاومة الإسلامية جعل الموقف اللبناني الأكثر قوة، إلا أنه ومع ذلك كان اللبنانيون متخوفين من أن يتركوا وحدهم بعد أن يستعيد السوريون الجولان وتتفرغ إسرائيل لتدمير جنوب لبنان.
4 التخوفات الفلسطينية، وهي تخوفات وإن لم يكن لها تأثير مباشر على استئناف المفاوضات السورية/ الاسرائيلية، فالسوريون غير مطالبين بأخذ رأي الفلسطينيين في هذا الشأن خصوصا وأن الفلسطينيين لم يأخذوا رأي السوريين عندما انفردوا بالملف الفلسطيني، أيضا الإسرائيليون لا تعنيهم مخاوف الفلسطينيين، بل على العكس يستطيعون أن يوظفوا تلك المخاوف لتحقيق ما يريدونه في مسار مفاوضات الملف الفلسطيني، ولكن كان هناك الأمريكيون والعرب الآخرون لا يريدون أن يتحقق نجاح ملف تفاوضي على حساب ملف آخر.
مجمل المخاوف الأربعة كانت تشكل تلالاً من الحواجز السياسية والنفسية التي تعترض طريق استئناف المفاوضات السورية/ الإسرئيلية، وكان واضحا أن الدبلوماسية الأمريكية وحدها لا تستطيع ازاحة تلك التلال، وهنا كان لابد من دخول لاعبين آخرين وأطراف مؤثرة وذات علاقات جيدة مع كل الأطراف الأربعة، سوريا وإسرائيل وفلسطين ولبنان.
وهنا انتشلني محدثي من متابعتي ليذكرني بما شهدته باريس بالذات من لقاءات سبقت موعد استئناف المفاوضات السورية/ الإسرائيلية قبل أقل من شهر، حيث زار باراك وعرفات عندما كان الرئيس مبارك متواجداً أيضا في باريس لاجراء فحوصات طبية، ثم زيارة بشار الأسد، ملمحاً دون أن يذكر ذلك بأن كل ذلك مهد لعودة المفاوضات الإسرائيلية/ السورية التي كانت بمثابة المشهد الأخير الذي سبقته استعدادات كثيرة.
مراسلة الكاتب على البريد الإلكتروني
Jaser * Al-jazirah.com