اللهم لك الحمد دائماً وأبداً، تحيي وتميت، ولا يُحمد على مكروه سواك، لا أدري ماذا اكتب وماذا أدع، والموت اخذ أصلي وسمائي المظلة وارضي المقلة، يحزن الانسان ويتألم عندما يفقد صديقه او قريبه فكيف تكون حاله عندما يفقد أباه؟.
أبي:
ما انصفتك دموعي وهي دامية ولا وفى القلب مني وهو يحترق |
اللهم لك الحمد لك ما اخذت ولك ما أعطيت.
لولا ان الموت طريق يسلكه الصحيح والسقيم ومشرع يرده البر والأثيم لما انشرح بالعزاء صدر ولا صحب مع البلاء صبر الا انه سنة الله في عباده الصالحين يبقيهم ما كان البقاء أعمر لمكانهم ويتوفاهم ما كانت الوفاة اصلح لأديانهم ولقد انزل سبحانه على المصطفى صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي إنك ميت وإنهم ميتون .
وما جعلنا لرجلٍ من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون والقرآن الكريم خير معزٍ بهذه الآيات وكثير من الآيات وبقوله تعالى ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين, الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وانا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون .
اللهم لك الحمد، قبل بضع سنوات توفيت أمي وقبل بضعة أشهر توفيت شقيقتي وها أنت يا رب يا لطيفاً بعباده تختار أبي.
إنها فرقة محتومة على كل شملٍ منتظم ومكتوبة على كل حبلٍ متصل:
فهذه سنة الدنيا دواماً فراق بعد جمع واكتمال وتلك طبيعة الأيام فينا يبدد شملها بعد اكتمال |
ولكن ولله الحمد يبقى الشمل ملتئما بالموجودين بفضل الله وهذا ما لمسناه من المعزين بارك الله فيهم واعظم لهم الأجر وما زيارة صاحب السمو الملكي امير منطقة القصيم لمنزلنا وتقديم المواساة والتعزية لنا الا دليل على ذلك والذي جعلنا نشعر اننا في هذا البلد اسرة واحدة في ظل حكومتنا وفقها الله.
حقاً كل راحل ليومه ومدعو لغده ومستوفٍ لأجله وجارٍ لأمله:
هو الموت ما فيه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب |
الموت كل شارب كأسه ومكتس لباسه ومن لم يصبه سهم الموت اليوم سيصيبه غداً او بعد غد.
للموت فينا سهام نافذة من فاته اليوم سهم لم يفته غداً |
* * *
أبي: كم عانيت من الألم وصبرت عليه واننا لنرجو ان يكون ذلك تمحيصاً لذنوبك ومن فينا لا يُذنب؟ حتى انني كتبت عن معاناتك مع المرض مقالاً قبل خمس سنوات وبالتحديد في 5 صفر 1415ه قلت فيه:
أبي ثلاثة عشر عاماً وانت على فراش المرض ومع ذلك فقدت بصرك أكل هذا ولما تبلغ من العمر عتياً، أكل هذا ولما ترد الى ارذل العمر,, ابي كم مرة القي عليك السلام فأصغي لك فلا اسمع لك رداً، ألم تسمعني يا ابتي بلى سمعتني ولكن وطأة الألم لم تجعلك تقدر على رد السلام.
في ساعة من نهار تبرد فيك الآلام فتلتقط انفاسك وتكلمنا بصوتك المنخفض المتحشرج ما هذه الا نفحة من نفحات ربي ورحمة منه، ابي أسمعنا صوتك العذب,, اعطنا من قصص الماضي التي كنت تسردها علينا من قبل ما هذه الراحة الا دقائق حتى يعود المرض بحرارته وقسوته وينطفىء ذلك الصوت,.
أبي رأيت تأثير الفراش في جنبيك
ابي كنت تنادي في البيت فيأتي من يحوّل نومتك الى جنبك الآخر, بعد ذلك كنت تلمس الجرس فيأتي من يخدمك والآن لا تستطيع ان تنادي ولا ان تلمس الجرس,, أبلغ بك المرضى الى هذا الحد اما آن لهذا المرض ان يرحل,,؟.
أبي ان نفحات ربي تتكرر عليك ففي كل يوم ولله الحمد تأتي عليك ساعة من نهار تطفىء حرقة الألم ومرارة الوجع,, ابي هذه حال المؤمن يظل ابداً بين الخوف والرجاء ينتابه الخوف من الله ويجتاحه اليأس ثم يتذكر رحمة الله ولطفه بعباده وحكمته التي لا يعلمها الا هو فيحس بدفء الرجاء والتطلع الى رحمة الله التي وسعت كل شيء.
ابي لا تيأس من روح الله صبرٌ جميل إن لك في أيوب عليه السلام اسوة حسنة إذ مسه الضر بنصب وعذاب فكشف الله ما به من ضر، ابي ليست نكاية الشغل في قلبي باقل من نكاية الشكاية في جسدك ولا استيلاء القلق على نفسي بأيسر من اعتراض السقام لبدنك, فمن ذا الذي يصح جسمه اذا تألمت احدى يديه, ما انفرد جسمك بألم العلة دون قلبي، ولا اختصت نفسك بمعاناة المرض دون نفسي.
ابي اني سقيم بسقمك وأجد في قلبي ما تجده في جسمك, ابي ليكن املك بالشفاء كبيراً فاني استشف العافية من وراء ثوب رقيق, هذه العوارض قد تكون ثم تزول بإذن الله وتهون، وما اكثر ما رأينا من هذه العلل جلّت ثم جلَت وتوالت ثم تولّت.
أبي تشرق الشمس فانتظر شفاءك قبل غروبها وتغرب فانتظر سلامتك قبل اشراقها، هكذا الأمل في نفسي يفك أسرها ويفتح امامي آفاقاً واسعة.
أبي كفاك الله بالسلامة وجعل ما تعاني تمحيصاً والله يدر عليك ثوب العافية ويضفي عليك ثوب الكفاية الوافية, اذن الله في شفائك وجعل علتك ماحية لذنوبك مضاعفة لثوابك اوصل الله برد الشفاء ما يكفيك مر الأدواء تداركك الله بلطيفة من لطائفه.
سلمك الله يا ابي من كل داء حتى اراك تمشي في الارض لا بطراً ولا مرحاً, ابي ليكن املك في الشفاء كبيرا فهو بإدن الله قاب قوسين أو أدنى, اسأل الله ان يشفيك ويعافيك.
* * *
أذكر انه عندما علم بهذا المقال رحمه الله لامني وعاتبني وقال اتخبر الناس بذلك فقلت عفواً يا ابي انما اشكو لله وهذا من باب تسلية المصاب تسلية لك ولنا.
رحم الله ابي، وانني ارجو الله ان يعوض عن ذلك في الدار الآخرة فهي خيرٌ وابقى.
ان المحن اذا لم تعالج بالصبر كانت كالمنح اذا لم تعالج بالشكر ان الحزن كبير والألم شديد ولكن انما اشكو بثي وحزني الى الله, ابي انت شجرة انا غصنها وحالنا جميعاً كاليد واصابعها اذا فقد منها ابهامها فانها لا تقبل ولا تعمل الا بصعوبة, ابي كم صبرت وعانيت من الالم.
يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه هل من سبيل الى لقياك يتفق |
أبي لقد كنت متمسكاً بدينك محافظاً على الصلوات كنت تأمر أهلك بها وتصطبر عليها قبل مرضك, لم اكن اعرف انها فاتتك ركعة من الركعات بل تكبيرة الاحرام,, فلله الحمد والمنة.
والموت نقاد على كفه جواهر يختار منها الجيادا |
ابي احسبك من الاخيار الذين رحلوا عن الدنيا الفانية ان شاء الله
الى الله اشكو ان كل قبيلة من الناس قد أفنى الموت خيارها |
لم أكن اعرف هذا الحب الكبير الذي يكنه لك الناس وكل من عرفك الا بعد مماتك كنت اعرف ان الناس يحبونك ولكن لم اتصور ان يكون بهذا الحجم:
فالناس كلهم لفقدك واجد في كل بيت رنة وزفير |
ولعل الله سبحانه احبك فأحبك الناس واذا احب الله عبداً ابتلاه.
كم كنت عوناً للمحتاجين قبل يومين من وفاتك، يطرق الباب احد المحتاجين وكنت تعرفه انت ويأتي في كل رمضان واخبرك من في البيت بمجيئه يطلب حاجته فتقول وانت على فراش المرض: اعطوه اعطوه.
كم كنت حريصاً على لم الشمل والاجتماع وعدم الاختلاف فجمعت بعد الله شملنا لقد كنت لنا بعده سبحانه الركن الشديد.
عذراً ايها الاحبة ان قلت كل ذلك عن ابي فهو يستحق مني اكثر من ذلك رحمك الله رحمة واسعة واسكنك فسيح جناته.
لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بأدكار الموت والهرب |
الا ان الحياة يطيبها الايمان والصبر والنسيان
رحم الله ابي وجميع موتى المسلمين وأعظم الله لنا الأجر ورزقنا الصبر وكان الله في عوننا وكل من فقد حبيباً لديه,, وانا لله وانا اليه راجعون.