قيل: (ليس بالخبز وحده يحيا الانسان)، لكن الناس الجوعى يرون انه لا يمكن للانسان ان يحيا بدون الخبز,, لان من يستغل خبز غيره ويحتكره، بإمكانه ان يتحكم بتفكيره، بل ويعمل على تعطيل عقله، ويمنعه بالتالي من القيام بأي جهد يؤدي الى التطور.
ولذا ينقسم عالمنا اليوم الىفئة تملك الغذاء وتعيش بازدهارها على بؤس الآخرين واخرى تعتبر ضحية الاستغلال والاحتكار بحيث ان هناك فئة متخمة بالغذاء، واكثرية ساحقة من الشعوب تعاني من الم الجوع بل وتتعرض لابشع امراض سوء التغذية والحرمان، وهي في صراع مع الجوع من اجل البقاء.
يقول د, علي وهب الاستاذ بالجامعة اللبنانية في كتابه الرائع: (خصائص الفقر والازمات الاقتصادية في العالم الثالث),, ان عشرات الالوف من السكان في العالم الثالث تتعرض يوميا للموت من الجوع، كما يتهدد نقص الغذاء مصير الألوف غيرهم، فيسبب لهم الضعف الجسدي والتأخر العقلي من الجوع المزمن والفقر المدقع.
وقد اكدت الابحاث ان 0,4 الاطفال في العالم الثالث لا يعيشون غالبا الى سن البلوغ.
وقد برزت مآسي الجوع بوضوح في عدة دول نامية امام نظر العالم، وخاصة الدول الغنية بالغذاء، حيث منظر الاطفال المتضررين من الجوع وآخرين هياكل عظمية حية تصرخ للحصول على حفنة من الغذاء وهم في طوابير طويلة ليوزع عليهم الغذاء اليومي.
هؤلاء الجياع يزدادون سنويا في معظم دول العالم الثالث، بينما الدول الغنية بالطعام تكاد لا تشعر بهم اطلاقا، علما بأن غناهم هذا لم يحصل الا من جراء استعباد واستعمار ونهب ثروات الشعوب الفقيرة الجائعة.
ان مشكلة الجوع تجبر العالم على تأمين الغذاء لعدد من السكان قد يصل الى 6,3 مليارات نسمة عام 2000م حيث يوجد حاليا 77,2% منهم في العالم الثالث وهذه النسبة ستبلغ في نهاية هذا القرن حوالي 80% من سكان العالم.
وعلى العموم فان للجوع اسبابه ونتائجه ووسائل علاجه.
قيل: ان الانفجار السكاني سبب مباشر في ازمة الجوع!! ان التحليل الاحصائي لاي جدول عن النمو السكاني في العالم يبرز ان النمو السريع للسكان في بعض الدول تزيد عن 28 بالالف.
يبدو لاول وهلة ان الدول التي يرتفع فيها النمو السكاني هي التي تتعرض للمجاعة بعكس الدول المتقدمة، ولاسيما التي نجد لديها تناقصا في نموها السكاني.
ان نظرية (مالتوس) التشاؤمية لم يكتب لها النجاح، لان المناطق التي اعتبرها نموذجا وبنى عليها هذه النظرية لم تعرف المجاعة وذلك بسبب التقدم العلمي، واكتشاف مساحات جديدة، واستصلاحها مما ساعد على عدم حدوث أية ازمة غذائية.
من المعروف ان المالتوسية القديمة لم تتحقق الا في الدول الفقيرة، وهذه الدول كان فقرها من جراء استعمارها ونهب ثرواتها من ناحية، وابقائها المتعمد في مستوى اقتصادي واجتماعي وعلمي سببته الدول الاستعمارية.
ومن ثم فان المشكلة الغذائية ليست في صعوبة انتاج الطعام، بحيث انه متوفر لدى العديد من الدول، حتى تلك التي تتعرض لاهوال المجاعات.
ان المشكلة الحقيقية هي في توزيع الطعام بعدالة لكافة ابناء المجتمع عبر تأمين مستلزمات الحياة وفرص العمل من ناحية، وعدم اشتراط الدول المتقدمة في كيفية انفاق المعونة المقدمة منها لدولة فقيرة، في اعادة استيراد هذه الدولة المواد الغذائية والكمالية بدلا من شراء آلات لتطوير الانتاج الزراعي من ناحية ثانية.
وحسب احصاءات الامم المتحدة فإن سكان العالم سيصبحون عام 2025م حوالي 9051 مليونا وفي العام 2100م اكثر من 12257 مليونا، اي ان هذه الزيادة قد لا تسمح للانسان بأن يكون له اكثر من متر مربع وحيد في المناطق الصالحة للسكن.
يقول المختصون بدراسة الغذاء ان الفرد يحتاج الى مساحة تقدر بنحو (10 دونمات) كي يتمكن من العيش بمستوى ملائم في انتاج غذائه, مما يبرز لنا النقص الكبير في الاراضي المستغلة لانتاج السلع الغذائية.
واذا تساءلنا لماذا نجد جياعا في دول يوجد بها التربة الخصبة والمناخ الملائم لزراعة الارز، الغذاء الرئيسي للسكان، لتبين لنا ان الجياع ينتجون الارز بكثرة لكن بيعهم قسما منه، بعد الحصاد، للحصول على النقود من اجل تسديد ما استلفوه من التجار والمرابين، يؤدي بالتالي الى التقليل من كمية الغذاء بالنسبة للسكان، ويزيد في الوقت نفسه كمية الغذاء عند التجار والمحتكرين الذين يعودون بعد ذلك، ويبيعونه باسعار مرتفعة الى السكان الذين لم يتمكنوا من جديد من شرائه، فيصبحوا عندئذ، منتجين للغذاء محرومين منه,ثم ان التضخم السكاني في الدول النامية ينجم عنه مشاكل عدة في النواحي الاقتصادية والاجتماعية المتنوعة والسؤال الذي يطرح نفسه، من المسئول الرئيسي عن هذا التخلف الذي جعل مثل هذه الدول تعاني مآسي عديدة ومنها مأساة الجوع؟هل تقع المسئولية على النمو السكاني السريع؟! ام على النظام السياسي الاقتصادي المتبع في العالم الثالث؟ ام على الاستعمار؟
إن الاستعمار العسكري (سابقا) والاقتصادي (حاليا)، كان له دور بارز في جعل دول العالم الثالث غير قادرة على تأمين الغذاء لابنائها بطريقة جيدة.
كما ان الاستعمار كان مسئولا رئيسا عن عدم استطاعة الشعوب في عدة دول كانت خاضعة لسيطرته العسكرية من اطعام نفسها كما انه المسئول عن تجويع معظم الشعوب الخاضعة لسياسته الحالية.
وبعد فكيف يمكن معالجة ازمة الجوع؟!
إن بعض الحلول المقترحة لمواجهة ازمة الجوع تتركز في معظمها حول: الاستيراد الخارجي للغذاء مع تبعاته ومشكلاته، والمساعدات من بعض الدول المتقدمة حل مؤقت لازمة الجوع، والتوسع في المساحات الزراعية والاصلاح الزراعي والإنماء الريفي، وللامم المتحدة والجهود الجماعية دور في معالجة ازمة الجوع، وتطبيق العدالة الاجتماعية بين افراد المجتمع، سواء في الميدان الزراعي او في توفير الفرص العلمية والوظيفية للجميع.
ومما سبق نستنتج:
ان الزيادة في عدد السكان في العالم الفقير ليست السبب الوحيد لمشاكل الجوع ونقص الغذاء.
ان انجاب عدد اقل من الاطفال لن يجنب العالم مشاكل الجوع، كما تزعم النظرية المالتوسية التشاؤمية.
3 ان مشكلة العالم هي مشكلة توزيع وليست مشكلة فقر، كما يقول جوزيه كاسترو.
4 ان هذا الجوع في عالم تسكنه الوفرة والبحبوحة، ليس بسبب وجود ركاب زائدين عن الحد على الارض، ولا بسبب رداءة الطقس او التقلبات المناخية، وإنما ذلك لان الغذاء تحت مراقبة الاغنياء، لذا يعاني الفقراء وحدهم من الجوع، كا ترى سوزان جورج.
5 ان الجوع في اي دولة ليس مشكلة مستحيلة الحل، حتى تلك الدول التي تعتبر مكتظة بالسكان الى الحد الكبير، لان لديها الامكانات الضرورية لتحرير نفسها من عبء الجوع، كما تذكر فرانسيس مورلابيه.
6 ان الهوة السحيقة في الانفاق والاستهلاك بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة جعلت الدول الغنية تزداد غنى، والدول الفقيرة تزداد فقرا.
وصدق علي كرم الله وجهه القائل: إن الله سبحانه وتعالى فرض في أموال الاغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك.
د, زيد بن محمد الرماني
عضو هيئة التدريس بجامعة الامام محمد بن سعود
عضو الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية
عضو جمعية الاقتصاد السعودية