Friday 24th December, 1999 G No. 9948جريدة الجزيرة الجمعة 16 ,رمضان 1420 العدد 9948


الشيخ عبدالله ابن خميس
مدرسة في النقد(4)
سعد بن خلف العفنان

يحتل الشيخ عبدالله ابن خميس مكانته في النقد كرائد في نقده مثلما هو رائد في أدبه وبحوثه التاريخية الأدبية والجغرافية وكتاباته الصحفية ولذلك فعندما أقول انه مدرسة في النقد فلأنه ينطلق في جميع أنشطته الثقافية من فكر نقدي من حيث الأساس فهو ناقد في شعره وكذلك في تحقيقاته ومجمل كتاباته ومواقفه الثقافية واذا كان النقاد الأدبيون والكتاب الصحفيون لم يقولوا ذلك صراحة وبهذا الشكل ومن تلك الزاوية فإنهم يتفقون جميعاً على أن ابن خميس إحيائي في جميع أعماله وفي الوقت ذاته محافظ شديد الالتزام بالتراث الأصيل فكيف يكون الجمع بين هذين التوجهين معا؟ فإذا كان الإحياء يعني التجديدية والمحافظة تعني التقليدية فهل يكون ابن خميس تجديدياً أم تقليدياً أم الأمرين معا؟
إني ومن واقع ما أعطاه ابن خميس للساحة الثقافية العربية وخاصة الساحة السعودية أجيب على هذا السؤال وببساطة بأنه لا تناقض على الإطلاق بين التجديدية والتقليدية وفق منهج شيخنا الفاضل لأنه نظر برؤية ثاقبة وبصيرة ملهمة لواقع العصر الذي نعيشه وماذا نحتاج من معطياته بعد أن نميز بين ما هو غث وما هو سمين فنأخذ بهذا ونترك ذاك لكي نكون في قلب الصورة المعاصرة وان ذلك لن يتأتى لنا إلا بقدر ما نستند فيه إلى اصالتنا عقيدة وعمقاً تراثياً وهنا يضعنا ابن خميس في معترك عملية نقدية للعصر فلا نأخذ من عصرنا إلا كل مفيد مع وجوب التمسك بأصالتنا التي كنا بها سادة الدنيا في يوم ما.
ويتأكد هذا الفهم في أوليات قصائده عندما كان طالباً في دار التوحيد بالطائف وفي كلية الشريعة واللغة العربية في مكة المكرمة حيث كان دائماً يحث على النهوض وطلب العلم والابتعاد عن التزمت والجمود والتحذير من الوقوع بالخلاعة والتحلل بدعوى التجديد ومن هذه القصائد قصيدته التالية التي قالها في 8/8/1369ه أمام الملك سعود بن عبدالعزيز عندما كان ولياً للعهد,(1)
قم رجّع الأنغام والتغريدا
وامرح وداعب غصنك الأملودا
وابعث صداك مع الهزار هنيهة
وتعاطيا لغة السرور نشيدا
بين المروج وتحت وارف أيكة
نسجت لها أيدي الجمال برودا
ثم ارويا خبراً نلذّ سماعه
وتحدثا عن وقعه وأعيدا
خبراً أعاد الى الحوية مجدها
وغدا به وادي عكاظ سعيدا
لما تناقلت الرواة حديثه
رفعت له آكام مكة جيدا
في طيه ملء القلوب سعادة
بعثت نفوساً جمة وجهودا
هبط الحجاز ربيعه ولطالما
قد كان دهراً حظه المنشودا
مولاي أفئدة الأنام ملكتها
وأتتك طوعاً سيداً ومسودا
ورنت لك الدنيا بعين جلالة
ومشت تفيّا ظلك الممدودا
أمجرب فهم الحياة وصرفها
وأفاد منها طارفاً وتليدا
هل شَيّدت صرح السيادة أمة
لم تتخذ فهم العلوم رصيدا؟
أم هل أتاها الدهر يخطب ودها
وهو الذي ترك الأنام شريدا؟
من قبل أن تختار أعظم عدة
وهي العلوم وحسبها تأييدا
نعم العتاد لأمة مغلوبةٍ
تخذته حرزاً واقياً وجنودا
ولبئس من سبر الحياة ودأبه
قد كان جدي أو أبي مجدودا
يُهدى بقوم قد أروه طريقه
وهدوه نهجاً قيماً ورشيدا
ويعود يستمري المذلة مخلدا
ينعى المشيب ويومه الموعودا
تالله لو علم الجدود صنيعه
لم تحتضنه كي تكون جدودا
ليس الحياة كما توهم جاهل
عيش الكفاف ومستوى محدودا
إن الحياة هي الصراع فكن بها
أسداً يُصارع أذؤباً وأسودا
كلا وليس الدين أن تدّعيه
أو أن تردد لفظه ترديدا
الدين قاعدة الحياة جميعها
ما كان أغلالاً بها وقيودا
الدين كدح فيه إسعاد الورى
الدين أن تسمو به وتسودا
لهفي على الإسلام من متزمت
جعل الديانة ذلة وجمودا
أو من شباب جاء متأخراً
بخلاعةٍ يدّعونها تجديدا
مولاي هذا غرسكم من بعد أن
أوليتموه تعهدا وجهودا
يُهدي إليك بواكيره شهية
حملت بيان العرب والتوحيدا
فلتهن بالدار التي قد أنجبت
جيلاً يضن به الزمان فريداً
في ظل من شمل البسيطة عدله
وأقام للدين الحنيف بنودا
رفع الإله لواءه وأعزه
ورعى لنا أمل البلاد سعودا (2)
وعندما أقول ان ابن خميس مدرسة في النقد فلأنه لا ينتمي الى أية مدرسة من مدارس النقد الحديثة التي يتفاخر الكثيرون من الأدباء والمثقفين العرب بالانتماء إليها فصاروا كالغراب الذي أضاع مشيته ومشية الحمامة كما يقول المثل، والذي يقف عليه الباحث هو أن ابن خميس يستمد معاييره من معطيات التراث الإسلامي العربي ومن متطلبات واقع أمته وطموحاتها وكل ما يتعارض مع ذلك فهو يرفضه رفضاً تاماً وفي ذلك يقول على لسان الجندي العربي:
وأنجبيهم من ثراك الطيب
وأنسبيهم لأبيٍّ من أبي
إن دعاه المجد لبّى إنني
عربيّ من صميم عربي
شرفي ما عشت أني مسلم
نسبي هذا وهذا مذهبي
لست من بكين أستوحي الهدى
إنما أبغي الهدى من يثرب (3)
وللشيخ عبدالله ابن خميس جولات وصولات في النقد وفي الرد على المنتقدين جاءت على شكل مساجلات عبر الصحافة فيها من الطرافة والافادة ما أثرى الساحة الثقافية على مدى الحقب الأربع الماضية على أن أبرز ما يميز تلك المساجلات قوة وصلابة الشيخ عبدالله ابن خميس وسعة اطلاعه وطول نفسه وسرعة بديهته بما مكنه في كل مرة من الردود الممتعة أو المقنعة أو المفحمة حسبما كان يتطلبه الطرح من قبل الطرف الآخر فقد كان قادراً على ان يتعامل مع كل مقام بمقاله الذي يستحق.
فأحياناً يأتي سجاله سلسبيلاً رائقاً يحوي المثل والطرفة والتنويع في الأساليب والاستشهادات واستلطاف المحاور والترقق له ومداعبته بروح مرحة اذا توفر لديه الاحساس بوجود حسن النية لدى المحاور وأنه صاحب رأي من حقه ان يبديه حتى لو كان خطأ أو ينطلق من وجهة نظر هدفه الوصول إلى الحقيقة وتلمس الصواب مع الالتزام بآداب الحوار والمحافظة على واجب الاحترام.
إما اذا كان الإحساس بأن التعالي والتعالم وحب الظهور هي الدافع فإن سجاله يأتي حاسماً قاطعاً مدعماً بالحجج والبراهين مع عدم انكار ما قد يكون هناك من محاسن للمحاور ان وجدت.
لكن اذا كان المنتقد هجومياً سافر العداء أو مدعياً هدفه الشغب ودافعه الحسد فهنا يكون السجال سجّيلاً والمداد علقماً والقلم سناناً فيحاصر الخصم من كل جانب ويوجه إليه الضربات الصاعقة من كل اتجاه ولطالما برز الشيخ عبدالله ابن خميس فارساً للقلم في الساحة الثقافية لا يشق له غبار.
هذه هي حصيلة انطباعاتي عن الرجل منذ أن بدأت أستمع منه وأقرأ له وأتحاور مع الآخرين عنه وقد أحسن شيخنا الفاضل عندما رصد لنا قدراً كبيراً وهاماً من مقالاته وبحوثه النقدية في كتابه من جهاد قلم في النقد الذي يقف المتابع من خلاله على صحة ما ألمحت إليه من انطباعات حيث كان يبدو انه سيغرق أمام أمواج ما يوجه إليه من نقد مفتعل بحيث يكون ولأول وهلة وكأنه محيق به فإذا بشيخنا يقلب السحر على الساحر ويرمي بخصومه المتصدين له في لجج أمواج نقدهم الصاخبة فيرسبون في بحره الغزير إلى الأعماق.
هذا استاذ جامعي يتصدّى لكتاب ابن خميس من احاديث السمر بالنقد فيسجل عليه أربع غلطات لغوية متوهماً ان كلمة أخربوا خطأ وأن صيغتها الوحيدة خربوا فيرد عليه ابن خميس قائلاً: ان الفعل خرب يتعدى بالهمز ويتعدى بالتضعيف وان ما زعم الناقد انه خطأ ليس بخطأ وان اللغة لا تؤخذ بالظن ولكن بالحفظ والمراجعة ويمضي فيقول: هذا كتاب يا دكتورنا الكريم يقع في 250 صفحة خرجت منه بأربع غلطات واحدة منها عليك لا لك وثلاث يعلم الله أنها من جناية المطبعة، ولكن كم تظن في دراستك القصيرة هذه عن هذا الكتاب من غلطة لغوية فاحشة؟!! تعال أضع يدك عليها (4)
وبعد أن يستعرض شيخنا الفاضل مع منتقده ما ورد في مقاله النقدي من أخطاء لغوية ويعالجها تفنيداً وتصويباً يختم مقاله قائلاً: هذه سبع غلطات لغوية في بحثك اخذتها على رؤس الثمام وصادفتني عرضاً وأنا أتصفحه وما أبرئ نفسي ولكني أقول: هلا التمست لأخيك عذراً قبل أن تلزمه بأربع غلطات في كتاب لئلا يلزمك بسبع غلطات في مقال (5).
وأسوأ من هذا الدكتور نظير له جاء بسيل جارف من الملاحظات المتنوعة على كتاب من أحاديث السمر ذاته فاستقبلها شيخنا الفاضل بسعة صدر واحاطة عميقة مبدداً جميع أوهام صاحبها ومفنداً كل مزاعمه في رد تفصيلي استغرق 44 صفحة من كتابه من جهاد قلم في النقد فجعل ملاحظات ذلك الدكتور على كثرتها وتنوعها كلها صواعق مرتدة على رأس صاحبها (6) حتى ان من يطالع ذلك الرد يضطر إلى المهادنة أو الاختفاء ومراجعة معلوماته إذا كان لديه ما يرغب ان ينتقد به بعض كتب ابن خميس ولذلك لاذ بعضهم خلف أسماء مستعارة مثل مسمار وقارئ وغيرهما حتى لا يعرفهم القراء عندما تسقط مزاعمهم وتنفضح ادعاءاتهم فيظهروا بالمظهر المخجل والمضحك اياه.
أما ما قام به شيخنا الفاضل من نقد للعديد من المؤلفات التي اصدرت في عهدنا الراهن عن تاريخ المملكة وجغرافيتها وخاصة ما يتعلق بتاريخ المرحلة السعودية بأدوارها الثلاثة وجغرافية اقليم نجد وآدابها الشعبية وموروثاتها التراثية فإنه يندرج تحت باب التصويب الذي لا يناقض لمرجعه الذي لا ينازع.
المراجع:
(1) الديوان الثاني ص 77 الشيخ عبدالله ابن خميس.
(2) المرجع السابق.
(3) على ربى اليمامة ص 77 للشيخ عبدالله ابن خميس.
(4 6) من جهاد قلم في النقد ص 172، 174، 127 170 الشيخ عبدالله ابن خميس.
رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

الثقافية

الاقتصادية

أفاق اسلامية

لقاء

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

شرفات

العالم اليوم

تراث الجزيرة

الاخيــرة

الكاريكاتير







[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved